السبت 29 جمادى الثّانيه 1433 - Sat 19 May 2012  
  • الصفحة الرئيسية
  • RSS
  • إتصل بنا
  • الموقع الفارسي

:: رسالة في تأثير الزمان والمكان على استنباط الأحكام ::



(23)

الفصل الثالث:

دراسة في تأثير الزمان والمكان
في الفقه السنّي

طرحت هذه المسألة من قبل بعض فقهاء السنّة قديماً وحديثاً، وإليك التنويه بأسمائهم وببعض كلماتهم: 1. ابن القيم الحنبلي(ت|751 هـ) يقول في فصل «تغيّر الفتوى واختلافها بحسب تغيّر الاَزمنة والاَمكنة والاَحوال والنيّات والعوائد» : هذا فصل عظيم النفع، وقد وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقّة، وتكليف مالا سبيل إليه، ما يعلم انّ الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإنّ الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلّها، ورحمة كلّها، ومصالح كلّها، وحكمة كلّها، فكلّ مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة.(1)


1. اعلام الموقعين:3|14 ط دار الفكر وقد استغرق بحثه 56 صفحة . فلاحظ.


(24)

2. السيد محمد أمين أفندي الشهير بـ«ابن عابدين»(1)موَلّف كتاب «مجموعة رسائل»قال ما نصّه: اعلم أنّ المسائل الفقهية إمّا أن تكون ثابتة بصريح النص، وإمّا أن تكون ثابتة بضرب اجتهاد ورأي، وكثيراً منها ما يُبيّنه المجتهد على ما كان في عرف زمانه بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أوّلاً، ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد انّه لابدّ فيه من معرفة عادات الناس، فكثير من الاَحكام تختلف باختلاف الزمان لتغيّر عرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو فساد أهل الزمان بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أوّلاً، للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعدَ الشريعة المبنيّة على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد لبقاء العالم على أتم نظام وأحسن أحكام، ولهذا ترى مشايخ المذهب خالفوا ما نصّ عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه لعلمِهم بأنّه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به أخذاً في قواعد مذهبه. ثمّإنّ ابن عابدين ذكر أمثلة كثيرة لما ذكره من الكبرى تستغرق عدّة صحائف(2)ولنذكر بعض الاَمثلة: أ. افتاوَهم بجواز الاستئجار على تعليم القرآن ونحوه لانقطاع عطايا المعلِّمين التي كانت في الصدر الاَوّل، ولو اشتغل المعلِّمون بالتعليم بلا أُجرة يلزم ضياعهم وضياع عيالهم، ولو اشتغلوا بالاكتساب في حرفة


1. هو محمد أمين الدمشقي، فقيه الديار الشامية وإمام الحنفية في عصره، ولد عام 1198هـ وتوفي عام 1292هـ، له من الآثار «مجموعة رسائل» مطبوعة.
2. انظر رسائل ابن عابدين: 2|123ـ145.


(25)

وصناعة، يلزم ضياع القرآن والدين، فأفتوا بأخذ الاَُجرة على التعليم وكذا على الاِمامة والاَذان كذلك، مع أنّ ذلك مخالف لما اتّفق عليه أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني من عدم جواز الاستئجار وأخذ الاَُجرة عليه كبقية الطاعات من الصوم والصلاة والحج وقراءة القرآن ونحو ذلك. ب. قول الاِمامين (1)بعدم الاكتفاء بظاهر العدالة في الشهادة مع مخالفته لما نصّ عليه أبو حنيفة بناء على ما كان في زمنه من غلبة العدالة، لاَنّه كان في الزمن الذي شهد له رسول اللّه بالخيريّة، وهما أدركا الزمن الذي فشا فيه الكذب، وقد نصّ العلماء على أنّ هذا الاختلاف اختلاف عصر وأوان، لا اختلاف حجّة وبرهان. ج. تحقّق الاِكراه من غير السلطان مع مخالفته لقول الاِمام «أبي حنيفة» بناء على ما كان في زمنه من أنّ غير السلطان لا يمكنه الاِكراه ثمّكثر الفساد فصار يتحقّق الاِكراه من غيره، فقال محمد (ابن الحسن الشيباني) باعتباره، وأفتى به المتأخّرون لذلك. وقد ساق الاَمثلة على هذا النمط إلى آخر الرسالة. 3.و قد طرق هذا البحث أيضاً الاَُستاذ مصطفى أحمد الزرقاء في كتابه القيّم «المدخل الفقهي العام» وقال ما نصّه:


1. الظاهر انّه يريد تلميذي أبي حنيفة: أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني ولم يكن الفصل بين الاِمام أبي حنيفة وبينهم طويلاً، فقد توفّي أبو حنيفة عام 150هـ وتوفّي أبو يوسف عام 182هـ وتوفي الشيباني عام 189هـ وإذا كان كذلك فلماذا يعدّون القرون الثلاثة الاَُولى خير القرون، والحقّ انّ بين السلف والخلف رجالاً صالحين وأشخاصاً طالحين، ولم يكن السلف خيراً من الخلف، ولا الخلف أكثر شرّاً من السلف وإنّما هي دعايات فارغة فقد شهد القرن الاَوّل وقعة الطفّ والحرّة في المدينة.


(26)

الحقيقة انّ الاَحكام الشرعية التي تتبدّل بتبدّل الموضوعات مهما تغيرت باختلاف الزمن، فإنّ المبدأ الشرعي فيها واحد وليس تبدّل الاَحكام إلاّ تبدّل الوسائل والاَساليب الموصلة إلى غاية الشارع، فإنّ تلك الوسائل والاَساليب في الغالب لم تُحدَّد من الشريعة الاِسلامية بل تركتها مطلقة لكي يُختار منها في كلّ زمان ما هو أصلح في التنظيم نتاجاً وأنجح في التقويم علاجاً. ثمّ إنّ الاَُستاذ جعل المنشأ لتغير الاَحكام أحد أمرين: أ. فساد الاَخلاق، وفقدان الورع وضعف الوازع، وأسماه بفساد الزمان. ب. حدوث أوضاع تنظيمية، ووسائل فرضية، وأساليب اقتصادية. ثمّ إنّه مثّل لكل من النوعين بأمثلة مختلفة اقتبس بعضها من رسالة «نشر العرف» للشيخ ابن عابدين، ولكنّه صاغ الاَمثلة في ثوب جديد، ولنذكر كلا الاَمرين وأمثلتهما.

أ. تغيير الاَحكام الاجتهادية لفساد الزمان

1. من المقرر في أصل المذهب الحنفي انّالمدين تنفذ تصرفاته في أمواله بالهبة والوقف وسائر وجوه التبرّع، ولو كانت ديونه مستغرقة أمواله كلّها، باعتبار انّ الديون تتعلّق بذمّته فتبقى أعيان أمواله حرة، فينفذ فيها تصرّفه، وهذا مقتضى القواعد القياسية. ثمّ لما فسدت ذمم الناس وكثر الطمع وقلّ الورعُ وأصبح المدينون


(27)

يعمدون إلى تهريب أموالهم من وجه الدائنين عن طريق وقفها، أو هبتها لمن يثقون به من قريب أو صديق، أفتى المتأخرون من فقهاء المذهبين الحنبلي والحنفي بعدم نفاذ هذه التصرفات من المدين إلاّ فيما يزيد عن وفاء الدين من أمواله» (1). هذا في الفقه السنّي، ولكن في الفقه الاِمامي ليس هناك أي مشكلة حتى نتوسل بعنصر الزمان ونلتزم بتغيّر الاَحكام في ظلّه، لاَنّ للمحجور حالتين: الاَُولى: إذا حجر عليه الحاكم وحكم بإفلاسه فعند ذاك يتعلّق حقّ الغرماء بأمواله لا بذمَّته، نظير تعلّق حقّ المرتهن بالعين المرهونة فلا يجوز له التصرف فيها بعوض كالبيع والاِجارة، وبغير عوض كالوقف والهبة إلاّ بإذنهم وإجازتهم. الثانية: إذا لم يُحجر عليه فتصرفاته على قسمين: قسم لا يريد الفرار من أداء الديون ولا يلازم حرمان الديّان، فيجوز له التصرّف بأمواله كيفما شاء، والقسم الآخر يريد من الصلح أو الهبة الفرار من أداء الديون، فالحكم بصحة تصرفاتـه ـ فيما إذا لم يرج حصول مال آخر له باكتساب ونحوه ـ مشكل.(2)وجهه: انّ الحكم بلزوم تنفيذها حكم ضرري يلحق بـأصحاب الديون فلا يكون نافذاً، أضف إلى ذلك انصراف عمومات الصلح والهبة وسائر العقود عن مثل هذه العقود. وعلى ذلك فلا داعي لتبنّي تغير الحكم الشرعي بالعنصرين. بل الحكم الشرعي السائر مع الزمان موجود في أصل


1. مصطفى الزرقاء: المدخل الفقهي العام:2، برقم 543.
2. لاحظ وسيلة النجاة:133، كتاب الحجر، المسألة الاَُولى؛ وتحرير الوسيلة:2|16.


(28)

الشرع بلا حاجة إلى التوسل بعنصر «فساد الزمان». 2. في أصل المذهب الحنفي انّ الغاصب لا يضمن قيمة منافع المغصوب في مدة الغصب بل يضمن العين فقط إذا هلكت أو تعيَّبت، لاَنّ المنافع عندهم ليست متقوّمة في ذاتها وإنّما تقوم بعقد الاِجارة ولا عقد في الغصب. ولكن المتأخرين من فقهاء المذهب الحنفي نظروا تجرّوَ الناس على الغصب وضعف الوازع الديني في نفوسهم، فأفتوا بتضمين الغاصب أُجرة المثل عن منافع المغصوب إذا كان المغصوب مال وقف أو مال يتيم أو معداً للاستغلال على خلاف الاَصل القياسي في المذهب زجراً للناس عن العدوان لفساد الزمان. ثمّ أضاف إليها في التعليقة بأنّ الاَئمّة الثلاثة ذهبوا إلى عكس ما ذهب إليه الاجتهاد الحنفي، فاعتبروا المنافع متقوّمة في ذاتها، كالاَعيان، وأوجبوا تضمين الغاصب أُجرة المثل عن المال المغصوب مدة الغصب، سواء استعرض الغاصب منافعه أو عطّلها ثمّ قال: وهذا الاجتهاد أوجه وأصلح.(1) أقول: إنّ القول بعدم ضمان الغاصب المنافع المستوفاة مستند إلى ما تفرّد بنقله عروة بن الزبير عن عائشة أنّ رسول اللّه قضى أنّ الخراج بالضمان.(2)


1. مصطفى الزرقاء: المدخل الفقهي العام:2، برقم 544.
2. مسند أحمد بن حنبل: 6|49؛ وسنن الترمذي:3، كتاب البيوع برقم 1286؛ وسنن النسائي: 7|254، باب الخراج بالضمان.


(29)

فزعمت الحنفية انّ ضمان قيمة المغصوب لا يجتمع مع ضمان المنافع، وذلك لاَنّ ضمان العين في مقابل كون الخراج له، ولكن الاجتهاد غير صحيح جداً، لاَنّ الحديث ناظر إلى البيوع الصحيحة، مثلاً: إذا اشترى عبداً أو غيره فيستغلّه زماناً ثمّ يعثر منه على عيب كان فيه عند البائع، فله ردّ العين المبيعة وأخذ الثمن، ويكون للمشتري ما استغله، لاَنّ المبيع لو تلف في يده لكان في ضمانه ولم يكن له على البائع شيء، والباء في قوله بالضمان متعلّق بمحذوف تقديره: الخراج مستحق بالضمان، أي في مقابلة الضمان، أي منافع المبيع بعد القبض تبقى للمشتري في مقابلة الضمان اللازم عليه بطرف المبيع. هذا هو معنى الحديث، وعليه شرّاح الحديث (1)ولا صلة للحديث بغصب الغاصب مال الغير واستغلال منافعه . والذي يفسّر الحديث وراء فهم الشرّاح انّ عروة بن الزبير نقل عن عائشة أنّ رجلاً اشترى عبداً، فاستغلّه ثمّ وجد به عيباً فردّه، فقال: يا رسول اللّه إنّه قد استغلّ غلامي، فقال رسول اللّه: «الخراج بالضمان».(2) وقد ورد من طرقنا أنّ الاِمام الصادق - عليه السَّلام - لمّا سمع فتوى أبي حنيفة بعدم ضمان الغاصب قيمة المنافع التي استوفاها، قال: «في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءَها وتمنع الاَرضُ بركتها».(3)


1. لاحظ شرح الحافظ جلال الدين السيوطي وحاشية الاِمام السندي على سنن النسائي وغيره.
2. سنن ابن ماجة:2، برقم 2243.
3. وسائل الشيعة: الجزء 13، الباب 17 من أبواب أحكام الاِجارة، الحديث 1 والحديث طويل جدير بالمطالعة.


(30)

ثمّ إنّه يدل على ضمان المنافع المستوفاة عموم قوله صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم:«لا يحل مال امرىَ مسلم لاَخيه إلاّ عن طيب نفسه»والمنافع مال، ولاَجل ذلك يجعل ثمناً في البيع وصداقاً في النكاح، مضافاً إلى السيرة العقلائية في تضمين الغاصب المنافع المستوفاة،وعلى ذلك فليس هاهنامشكلة حتى تعالج بعنصر الزمان، ولم يكن الحكم المزعوم حكماً شرعيّاً حتى يتغير لاَجل فساد أهل الزمان. 3. في أصل المذهب الحنفي انّ الزوجة إذا قبضت موَجّل مهرها تُلْزم بمتابعة زوجها حيث شاء، ولكن المتأخّرين لحظوا انقلاب الاَخلاق وغلبة الجور، وانّ كثيراًمن الرجال يسافرون بزوجاتهم إلى بلاد نائية ليس لهنّ فيها أهل ولا نصير، فيسيئون معاملتهنّ ويجورون عليهنّ، فأفتى المتأخرون بأنّ المرأة لو قبضت موَجل مهرها لا تجبر على متابعة زوجها، إلى مكان إلاّ إذا كان وطناً لها وقد جرى فيه عقد الزواج بينهما، وذلك لفساد الزمان وأخلاق الناس، وعلى هذا استقرت الفتوى والقضاء في المذهب.(1) أقول: إنّ لحلّ هذا النوع من المشاكل طريقاً شرعياً في باب النكاح، وهو اشتراط عدم إخراجها من وطنها أو أن يسكنها في بلد خاص، أو منزل مخصوص في عقد النكاح، فيجب على الزوج الالتزام به. وليس مثل هذاالاشتراط مخالفاً للكتاب والسنّة. ولو افترضنا غفلة أولياء العقد عن الاشتراط وأراد الزوج إخراجها إلى بلاد نائية يصعب عليها العيش فيها ويعد حرجيّاً لها، فللزوجة رفع الشكوى إلى الحاكم بغية عدم إخراجها من وطنها، فيحكم بعد تبيّن الحال بعدم


1. مصطفى الزرقاء: المدخل الفقهي العام:2، برقم 546.


(31)

الاِخراج نتيجة طروء العناوين الثانوية كالحرج والضرر، فليس للزمان هناأي مدخلية في تغيير الحكم، بل يكمن الحكم الشرعي في نفس الشرع. 4. في أصل المذهب الحنفي وغيره انّ القاضي يقضي بعلمه الشخصي في الحوادث، أي أنّ علمه بالوقائع المتنازع فيها يصح مستنداً لقضائه، ويغني المدّعي عن إثبات مدّعاه بالبيّنة، فيكون علم القاضي بواقع الحال هو البيّنة، وفي ذلك أقضية مأثورة عن عمر وغيره، ولكن لوحظ فيما بعد انّالقضاة قد غلب عليهم الفساد والسوء وأخذ الرشا، ولم يعد يختار للقضاء الاَوفر ثقة وعفة وكفاية بل الاَكثر تزلّفاً إلى الولاة وسعياً في استرضائهم وإلحافاً في الطلب. لذلك أفتى المتأخّرون بأنّه لا يصحّ أن يقضي القاضي بعلمه الشخصي في القضاء بل لابدّ أن يستند قضاوَه إلى البيّنات المثبتة في مجلس القضاء حتى لو شاهد القاضي بنفسه عقداً أو قرضاً أو واقعة ما بين اثنين خارج مجلس القضاء ثمّ ادّعى به أحدهما وجحدها الآخر، فليس للقاضي أن يقضي للمدّعي بلا بيّنة، إذ لو ساغ ذلك بعدما فسدت ذمم كثير من القضاة، لزعموا العلم بالوقائع زوراً، وميلاً إلى الاَقوى وسيلة من الخصمين، فهذا المنع وإن أضاع بعض الحقوق لفقدان الاِثبات لكنّه يدفع باطلاً كثيراً، وهكذا استقر عمل المتأخرين على عدم نفاذ قضاء القاضي بعلمه. على أنّ للقاضي أن يعتمد على علمه في غير القضاء من أُمور الحسبة والتدابير الاِدارية الاحتياطية، كما لو علم ببينونة امرأة مع استمرار الخلطة بينها وبين زوجها، أو علم بغصب مال؛ فإنّ له أن يحول بين الرجل


(32)

ومطلقته، وأن يضع المال المغصوب عند أمين إلى حين الاِثبات.(1) أقول: يشترط المذهب الاِمامي في القاضي: العدالة والاجتهاد المطلق، فالقاضي الجائر لا يستحق القضاء ولا ينفذ حكمه. وعلى ضوء ذلك فلا يترتب على عمل القاضي بعلمه أي فساد، لاَنّ العدالة تصدّه عن ارتكاب الآثام. ولوافترضنا إشغال منصة القضاء بالفرد الجائر فليس للقاضي العمل بعلمه في حقوق اللّه سبحانه، كما إذا علم أنّ زيداً زنى أو شرب الخمر أو غير ذلك، فلا يصحّ له إقامة الدعوى وإجراء الحدود لاستلزامه وحدة القاضي والمدعي من غير فرق بين كونه عادلاً أو غيره. وأمّا العمل بعلمه في حقوق الناس فلا يعمل بعلم غير قابل للانتقال إلى الغير بل يقتصر في العمل بعلمه بنحو لو طولب بالدليل لعرضه وإلاّفلا يجوز، وقد حقّق ذلك في كتاب القضاء. 5. من المبادىَ المقرّرة في أصل المذهب انّ العمل الواجب على شخص شرعاً لا يصحّ استئجاره فيه ولا يجوز له أخذ أُجرة عليه، ومن فروع هذا المذهب الفقهي انّ القيام بالعبادات والاَعمال الدينية الواجبة كالاِمامة وخطبة الجمعة وتعليم القرآن والعلم لا يجوز أخذ الاَُجرة عليه في أصل المذهب بل على المقتدر أن يقوم بذلك مجاناً لاَنّه واجب ديني. غير انّ المتأخّرين من فقهاء المذهب لحظوا قعود الهمم عن هذه الواجبات، وانقطاع الجرايات من بيت المال عن العلماء ممّا اضطرهم إلى


1. مصطفى الزرقاء: المدخل الفقهي العام:2، برقم 546.


(33)

التماس الكسب، حتى أصبح القيام بهذه الواجبات غير مضمون إلاّ بالاَجر، ولذلك أفتى المتأخّرون بجواز أخذ الاَُجور عليها حرصاً على تعليم القرآن ونشر العلم وإقامة الشعائر الدينية بين الناس.(1) أمّا الفقه الاِمامي، فالمشكلة فيه مرتفعة بوجهين: الاَوّل: إذا كان هناك بيت مال معدّاً لهذه الاَغراض لا تبذل الاَُجرة في مقابل العمل، بل الحاكم يوَمّن له وسائل الحياة حتى يتفرّغ للواجب. الثاني: امّا إذا لم يكن هناك بيت مال فإذا كان أخذ الاَُجرة حراماً منصوصاً عليه وكان من صلب الشريعة فلا يمسّه عنصر الزمان ولكن يمكن الجمع بين الاَمرين وتحليله عن طريق آخر، وهو أن يجتمع أولياء الصبيان أو غيرهم ممّن لهم حاجة إلى إقامة القضاء والاَذان والاِفتاء فيشاركون في سد حاجة المفتي والقاضي والموَذن والمعلم حتى يتفرّغوا لاَعمالهم العبادية بلا هوادة وتقاعس، على أنّ ما يبذلون لا يعد أُجرة لهم وإنّما هو لتحسين وضعهم المعاشي. وبعبارة أُخرى: القاضي والمفتي والموَذّن والمعلم يمارس كلّ أعماله للّه سبحانه، ولكن بما انّ الاشتغال بهذه المهمة يتوقّف على سد عيلتهم ورفع حاجتهم فالمعنيّّون من الموَمنين يسدّون عيلتهم حتى يقوموا بواجبهم وإلاّ فكما أنّ الاِفتاء واجب، فكذلك تحصيل الضروريات لهم ولعيالهم أيضاً واجب. وعند التزاحم يقدّم الثاني على الاَوّل إذ في خلافه، خوف هلاك النفوس وانحلال الاَُسرة، ولكن يمكن الجمع بين الحكمين على الطريق


1. مصطفى الزرقاء: المدخل الفقهي العام:2، برقم 547.


(34)

الذي أشرنا إليه. 6. انّ الشهود الذين يقضى بشهادتهم في الحوادث يجب أن يكونوا عدولاً، أي ثقات، وهم المحافظون على الواجبات الدينية المعروفون بالسرّ والاَمانة، وانّعدالة الشهود شريطة اشترطها القرآن لقبول شهادتهم وأيّدتها السنّة وأجمع عليها فقهاء الاِسلام. غير أنّالمتأخّرين من فقهائنا لحظوا ندرة العدالة الكاملة التي فسّرت بها النصوص لفساد الزمن وضعف الذمم وفتور الحس الديني الوازع، فإذا تطلب القضاة دائماً نصاب العدالة الشرعية في الشهود ضاعت الحقوق لامتناع الاِثبات، فلذا أفتوا بقبول شهادة الاَمثل فالاَمثل من القوم حيث تقلّ العدالة الكاملة. ومعنى الاَمثل فالاَمثل: الاَحسن فالاَحسن حالاً بين الموجودين، ولو كان في ذاته غير كامل العدالة بحدها الشرعي، أي أنّهم تنازلوا عن اشتراط العدالة المطلقة إلى العدالة النسبية.(1) أقول: إنّ القرآن ـ كما تفضّل به الكاتب ـ صريح في شريطة العدالة في تنفيذ شهادته، يقول سبحانه: (وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالعَدْلِ) (البقرة|282) وقال سبحانه:(وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ) (الطلاق|2). مضافاً إلى الروايات الواردة في ذلك المضمار، فتنفيذ شهادة غير العدل تنفيذ بلا دليل أو مخالف لصريح الكتاب، ولكن يمكن للقاضي تحصيل القرائن والشواهد التي منها شهادة الاَمثل فالاَمثل التي تثبت أحد


1. مصطفى الزرقاء: المدخل الفقهي العام:2|933ـ934 برقم551.


(35)

الطرفين على وجه يفيد العلم للقاضي، ويكون علمه قابلاً للانتقال إلى الآخرين من دون حاجة إلى العمل بقول الاَمثل فالاَمثل. ثمّ إنّ ترك العمل بشهادة غير العدول كما هو مظنّة إضاعة الحقوق، فكذلك هو مظنّة الاِضرار على المحكوم عليه لعدم وجود العدالة في الشاهد حتّى تصونه عن الكذب عليه، فالاَمر يدور بين المحذورين . لو فسّر القائل العدالة بالتحرّز عن الكذب وإن كان فاسقاً في سائر الجوارح لكان أحسن من تفسيره بالعدالة المطلقة ثمّ العدول عنها لاَجل فساد الزمان. 7. أفتى المتأخّرون في إثبات الاَهلّة لصيام رمضان وللعيدين بقبول روَية شخصين، ولو لم يكن في السماء علّة تمنع الروَية من غيم أو ضباب أو غبار بعد أن كان في أصل المذهب الحنفي، لا يثبت إهلال الهلال عند صفاء السماء إلاّ بروَية جمع عظيم، لاَنّ معظم الناس يلتمسون الروَية، فانفراد اثنين بادّعاء الروَية مظنّة الغلط أو الشبهة. وقد علّل المتأخّرون قبول روَية الاثنين بقعود الناس عن التماس روَية الهلال، فلم تبق روَية اثنين منهم مظنّة الغلط إذا لم يكن في شهادتهما شبهة أو تهمة تدعو إلى الشك والريبة.(1) وأمّا في الفقه الاِمامي، فلا يعتبر قول العدلين عند الصحو وعدم العلّة في السماء إذا اجتمع الناس للروَية وحصل الخلاف والتكاذب بينهم بحيث يقوى احتمال اشتباه العدلين.


1. مصطفى الزرقاء: المدخل الفقهي العام:2|934 برقم549.


(36)

وأمّا إذا لم يكن هناك اجتماع للروَية ـ كما هو مورد نظر الكاتب ـ حيث قال: لقعود الناس عن التماس روَية الهلال، فقبول قول العدلين ـ على وفاق القاعدة لا على خلافها، فليس للزمان هناك تأثير في الحكم الشرعي. وبعبارة أُخرى: ليس في المقام دليل شرعي على وجه الاِطلاق يدل على عدم قول العدلين في الصحو وعدم العلّة في السماء حتّى يوَخذ بإطلاقه في كلتا الصورتين: كان هناك اجتماع للروَية أم لم يكن، بل حجّية دليل البيّنة منصرف عن بعض الصور، وهو ما إذا كان هناك اجتماع من الناس للروَية وحصل الخلاف والتكاذب بحيث قوى احتمال الاشتباه في العدلين، وأمّا في غير هذه الصورة فإطلاق حجّية أدلّة البيّنة باق بحالها، ومنها ما إذا ادّعى العدلان و لم يكن اجتماع ولا تكاذب ولا مظنّة اشتباه. هذه هي المسائل التي طرحها الاَُستاذ مصطفى أحمد الزرقاء مثالاً لتغيّر الآراء الفقهية والفتاوى لاَجل فساد الزمان، وقد عرفت أنّه لا حاجة لنا في العدول عن الحكم الشرعي، وذلك لاَحد الاَمرين: أ. إمّا لعدم ثبوت الحكم الاَوّلي كما في عدم ضمان الغاصب للمنافع المستوفاة. ب. أو لعدم الحاجة إلى العدول عن الحكم الشرعي، بل يمكن حل المشكل عن طريق آخر مع صيانة الحكم الاَوّلي، كما في الاَمثلة الباقية.

***


(37)

ب . تغيير الاَحكام الاجتهادية لتطوّر الوسائل والاَوضاع

قد سبق من هذا الكاتب انّ عوامل التغيير على قسمين:

أحدهما: ما يكون ناشئاً من فساد الاَخلاق، وفقدان الورع، وضعف الوازع، وأسماه بفساد الزمان،وقد مرّ عليك أمثلته كما مرّت مناقشاتنا.

والآخر: ما يكون ناشئاً عن أوضاع تنظيمية، ووسائل زمنية جديدة من أوامر قانونية مصلحية وترتيبات إدارية، وأساليب اقتصادية ونحو ذلك، وهذا النوع ـ عند الكاتب ـ كالاَوّل موجب لتغيير الاَحكام الفقهية الاجتهادية المقرّرة قبله إذا أصبحت لا تتلاءم معه، لاَنّها تصبح عندئذ عبثاً أو ضرراً، والشريعة منزّهة عن ذلك، وقد قال الاِمام الشاطبي(ت|790 هـ) في الموافقات :لا عبث في الشريعة.

ثمّ طرح لها أمثلة وإليك بيانها:

1. ثبت عن النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم - أنّه نهى عن كتابة أحاديثه، وقال لاَصحابه:«من كتب عني غير القرآن فليمحه» واستمر الصحابة والتابعون يتناقلون السنّة النبوية حفظاً وشفاهاً لا يكتبونها حتى آخر القرن الهجري الاَول عملاً بهذا النهي.

ثمّ انصرف العلماء في مطلع القرن الثاني بأمر من الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، إلى تدوين السنّة النبوية، لاَنّهم خافوا ضياعها بموت حفظتها ورأوا أنّ سبب نهي النبي - عليه السَّلام - عن كتابتها إنّما هو خشية أن تختلط بالقرآن، إذ كان الصحابة يكتبون ما ينزل منه على رقاع، فلمّا عمَّ القرآن وشاع


(38)

حفظاً وكتابة، ولم يبق هناك خشية من اختلاطه بالحديث النبوي، لم يبق موجب لعدم كتابة السنّة، بل أصبحت كتابتها واجبة لاَنّها الطريقة الوحيدة لصيانتها من الضياع.(1)

أقول: إنّ ما ذكره من أنّ النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم - نهى عن كتابة حديثه غير صحيح من وجوه:

أوّلاً: روى البخاري أنّ رجلاً من أهل اليمن طلب من النبي أن يكتب له خطبته فقال: اكتب لي يا رسول اللّه، فقال: اكتبوا لاَبي فلان إلى أن قال: كتبت له هذه الخطبة.(2)

أضف إلى ذلك أنّ النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم - أمر في غير واحد من الموارد كتابة حديثه، يجدها المتفحص في مصادرها.(3)

ومع هذه الموارد الكثيرة التي رخّص النبيّ فيها كتابة الحديث، والعمل به، لا يبقى أيُّ شك في موضوعية ما روي عنه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم -: «من كتب عنّي غير القرآن فليمحه».

ثانياً: هل يصحّ أن يأمر اللّه سبحانه بكتابة الدين حفظاً له، واحتياطاً عليه، وفي الوقت نفسه ينهى نبيّه عن كتابة الحديث الذي يعادل القرآن في الحجّية؟!


1. المدخل الفقهي العام:2|933،وفي الطبعة العاشرة في ترقيم الصفحات في المقام تصحيف.
2. البخاري: الصحيح:29، باب كتابة العلم.
3. سنن الترمذي:5|39، باب كتابة العلم، الحديث 2666؛ سنن الدارمي: 1|125، باب من رخص في كتابة العلم؛ سنن أبي داود:2|318، باب في كتابة العلم، ومسند أحمد: 2|215 وج:3|162.


(39)

ثالثاً: العجب من الاَُستاذ أنّه سلّم وجه المنع، وهو أن لا يختلط الحديث بالقرآن، وقد نحته الخطيب البغدادي(1)في كتاب «تقييد العلم»(2) مع انّه غير تام، لاَنّ القرآن الكريم في أُسلوبه وبلاغته يغاير أُسلوب الحديث وبلاغته، فلا يخاف على القرآن الاختلاط بغيره مهما بلغ من الفصاحة والبلاغة، فقبول هذا التبرير يلازم إبطال إعجاز القرآن الكريم، وهدم أُصوله.

والكلمة الفصل أنّ المنع عن كتابة الحديث كان منعاً سياسيّاً صدر عن الخلفاء لغايات وأهداف خاصّة، والخسارة التي مُني الاِسلام والمسلمون بها من جرّاء هذا المنع لا تجبر أبداً، وقد فصلنا الكلام في فصل خاص من كتابنا بحوث في الملل والنحل.(3)

2. قبل انشاء السجلات العقارية الرسميّة التي تحدد العقارات، وتعطي كلاً منها رقماً خاصّاً، كان التعاقد على العقار الغائب عن مجلس العقد لابدّ لصحّته من ذكر حدود العقار، أي ما يلاصقه من الجهات الاَربع ليُتميّز العقار المعقود عليه عن غيره، وفقاً لما تقضي به القواعد العامة من معلومية محل العقد.

ولكن بعد إنشاء السجلات العقارية في كثير من الممالك والبلدان أصبح يكتفى قانوناً في العقود بذكر رقم محضر العقار، دون ذكر حدوده، وهذا ما يوجبه فقه الشريعة، لاَنّ الاَوضاع والتنظيمات الزمنية أوجدت


1. أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي(392ـ 463هـ) موَلّف تاريخ بغداد.
2. تقييد العلم: 57.
3. لاحظ: الجزء الاَوّل من الكتاب المذكور:60ـ 76.


(40)

وسيلة جديدة أسهل وأتم تعييناً وتمييزاً للعقار من ذكر الحدود في العقود العقارية، فأصبح اشتراط ذكر الحدود عبثاً، وقد قدّمنا أنّه لا عبث في الشريعة.

أقول: إنّ الحكم الشرعي الاَوّلي هو معلومية المبيع، وهذا هو لُبُّ الشريعة، وأمّا الباقي فهو ثوب يتغير بتغير الاَزمان، فلا تحديد العقارات من الجهات الاَربع حكم أصلي، ولا ذكر رقم محضر العقار، فالجميع طريق إلى الحكم الشرعي وهو معلومية المبيع وخروجه عن كونه مجهولاً، والشرط يحصل بكلا الوجهين وتغيير الثوب ليس له صلة بتغيير الحكم.

3. كذلك كان تسليم العقار المبيع إلى المشتري لا يتم إلاّ بتفريغ العقار وتسليمه فعلاً إلى المشتري، أو تمكينه منه بتسليم مفتاحه ونحو ذلك، فإذا لم يتمّ هذا التسليم يبقى العقار معتبراً في يد البائع، فيكون هلاكه على ضمانه هو ومسوَوليته، وفقاً للاَحكام الفقهية العامّة في ضمان المبيع قبل التسليم.

ولكن بعد وجود الاَحكام القانونية التي تخضع العقود العقارية للتسجيل في السجل العقاري. استقر الاجتهاد القضائي أخيراً لدينا على اعتبار التسليم حاصلاً بمجرد تسجيل العقد في السجلّ العقاري، ومن تاريخ التسجيل ينتقل ضمان هلاك المبيع من عهدة البائع إلى عهدة المشتري، لاَنّ تسجيل المبيع فيه تمكين للمشتري أكثر ممّا في التسليم الفعلي، إذ العبرة في الملكية العقارية قانوناً، لقيود السجلّ العقاري، لا للاَيدي والتصرفات، وبتسجيل المبيع لم يبق البائع متمكناً أن يتصرف في العقار المبيع بعقد آخر استناداً إلى وجوده في يده، وجميع الحقوق والدعاوي المتفرعة


(41)

عن الملكية، كطلب نزع اليد، وطلب الآخرة، وغير ذلك تنتقل إلى المشتري بمجرّد التسجيل.

فبناء على ذلك يصبح من الضروري في فقه الشريعة أن يعتبر لتسجيل العقد العقاري حكم التسليم الفعلي للعقار في ظل هذه الاَوضاع القانونية التنظيمة الجديدة.(1)

أقول: اتّفق الفقهاء على أنّه إذا تلف المبيع الشخصي قبل قبضه بآفة سماوية فهو من مال بائعه، والدليل عليه من طرقنا هو قوله - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم -:«كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه».(2)

وروى عقبة بن خالد عن الاِمام الصادق - عليه السَّلام - في رجل اشترى متاعاً من رجل وأوجبه غير أنّه ترك المتاع عنده ولم يقبضه، قال: آتيك غداً إن شاء اللّه فسرق المتاع، من مال من يكون؟ قال: «من مال صاحب المتاع الذي هو في بيته حتى يُقبض المتاع ويخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقّه حتى يرد ماله إليه».(3)

وأمّا من طرق أهل السنّة، روى البيهقي عن محمد بن عبيد اللّه الثقفي أنّه اشترى من رجل سلعة فنقده بعض الثمن وبقي بعض، فقال: ادفعها إليّ فأبى البائع، فانطلق المشترى وتعجّل له بقية الثمن فدفعه إليه، فقال: ادخل واقبض سلعتك، فوجدها ميتة، فقال له: رد عليَّ مالي، فأبى، فاختصما إلى شريح، فقال شريح: رد على الرجل ماله وارجع إلى جيفتك


1. مصطفى الزرقاء: المدخل الفقهي العام:2|931.
2. النوري: مستدرك الوسائل: 13، الباب 1 من أبواب الخيار، الحديث 1.
3. الوسائل: 12، الباب 10 من أبواب الخيار، الحديث 1.


(42)

فادفنها.(1)

وعلى هذا فالميزان في رفع الضمان على البائع هو تسليم المبيع وتسليم كلّ شيء بحسبه، والجامع هو رفع المانع من تسليط المشتري على المبيع وإن كان مشغولاً بأموال البائع أيضاً إذ لم يكن هنا أي مانع من الاستيلاء والاستغلال.

وعلى ضوء ذلك فتسليم البيت والحانوت مثلاً بإعطاء مفتاحهما، وأمّا جعل مجرّد تسجيل العقد في السجل العقاري رافعاً للضمان بحجة انّ تسجيل البيع فيه تمكين للمشتري أكثر ممّا للتسليم الفعلي اجتهاد في مقابل النص بلا ضرورة مالم يكن تسجيل العقد في السجل العقاري متزامناً مع رفع الموانع من تسلّط المشتري على المبيع، إذ في وسع المتبايعين تأخير التسجيل إلى رفع الموانع.

وبعبارة أُخرى: الميزان في رفع الضمان هو تحقّق التسليم بالمعنى العرفي، وهو قد يزامن التسجيل في السجل العقاري وقد لا يزامن، كمالو سجل العقد في السجل ولكن البائع أوجد موانع عاقت المشتري عنالتسلّط على المبيع، فمالم يكن هناك إمكان التسلّط فلا يصدق التسليم.

على أنّ المشتري بالتسجيل وإن كان يستطيع أن يبيع العقار ولكنّه يعجز عن الانتفاع بالمبيع الذي هو المهم له مالم يكن هناك تسليم فعلي.

4. أوجب الشرع الاِسلامي على كلّ زوجة تطلّق من زوجها عدّة


1. البيهقي: السنن: 5|334، باب المبيع يتلف في يد البائع قبل القبض.


(43)

تعتدها، وهي أن تمكث مدة معيّنة يمنع فيها زواجها برجل آخر، وذلك لمقاصد شرعية تعتبر من النظام العام في الاِسلام، أهمها، تحقّق فراغ رحمها من الحمل منعاً لاختلاط الاَنساب.

وكان في الحالات التي يقضي فيها القاضي بالتطليق أو بفسخ النكاح، تعتبر المرأة داخلة في العدّة، ويُبدأ حساب عدّتها من فور قضاء القاضي بالفرقة، لاَنّ حكم القاضي في الماضي كان يصدر مبرماً واجبَ التنفيذ فوراً، لاَنّ القضاء كان موَسساً شرعاً على درجة واحدة، وليس فوق القاضي أحد له حق النظر في قضائه.

لكن اليوم قد أصبح النظام القضائي لدينا يجعل قضاء القاضي خاضعاً للطعن بطريق الاستئناف، أو بطريق النقض، أو بكليهما. وهذا التنظيم القضائي الجديد لا ينافي الشرع، لاَنّه من الاَُمور الاستصلاحية الخاضعة لقاعدة المصالح المرسلة، فإذا قضى القاضي اليوم بالفرقة بين الزوجين وجب أن لا تدخل المرأة في العدّة إلاّ بعد أن يصبح قضاوَه مبرماً غيرخاضع لطريق من طرق الطعن القضائي. وذلك إمّا بانقضاء المهل القانونية دون طعن من الخصم، أو بإبرام الحكم المطعون فيه لدى المحكمة المطعون لديها ورفضها للطعن حين ترى الحكم موافقاً للاَُصول.

فمن هذا الوقت يجب اليوم أن تدخل المرأة في العدة ويبدأ حسابها لا من وقت صدور الحكم الابتدائي، لاَنّها لو اعتدت منذ صدور الحكم الابتدائي لربما تنقضي عدتها وتتحرّر من آثار الزوجية قبل الفصل في الطعن المرفوع على حكم القاضي الاَوّل بانحلال الزوجية ثمّ ينقض هذا الحكم لخلل تراه المحكمة العليا فيه، وهذا النقض يرفع الحكم السابق ويوجب


(44)

عودة الزوجية.(1)

أقول: إنّ الحكم الاَوّلي في الاِسلام هو انّ الطلاق بيد من أخذ بالساق(2)، فللزوج أن يطلّق على الشروط المقرّرة قال سبحانه: (يا أَيُّهَا النَّبيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا العِدَّةَ وَاتَّقُوا اللّهَ رَبَّكُمْ)(الطلاق|1).

نعم لو اشترط الزوجان في سجل العقد أن يكون الطلاق بيد المحكمة بمعنى انّه إذا أدركت انّ الطلاق لصالح الزوجين فله أن يحكم بالفرقة والانفصال، والمراد من الحكم بالفرقة أمران:

أوّلاً: انّ الطلاق لصالح الزوجين.

ثانياً: توّلي إجراء صيغة الطلاق.

فلو كان قضاء القاضي بالفرقة على درجة واحدة، وليس فوقه أحد له حقّ النظر في قضائه فيقوم بكلا الاَمرين: حق الانفصال وتنفيذه بإجراء صيغة الطلاق ويكون الحكم بالفرقة مبدأً للاعتداد.

ولو كان النظام القضائي يجعل قضاء القاضي خاضعاً للطعن بطريق الاستئناف، أو بطريق النقض أو بكليهما، فلاَجل الاجتناب عن بعض المضاعفات التي أُشير إليها تقتصر المحكمة الاَُولى على الاَمر الاَوّل ـ إنّ الطلاق لصالح الزوجين ـ ويوَخر الاَمر الثاني إلى إبرامه، فعند ذلك تجرى صيغة الطلاق من قبل المحكمة الثانية وتدخل المرأة في العدة ويبدأ


1. مصطفى الزرقاء: المدخل الفقهي العام:2|932.
2. مجمع الزوائد:4|334، باب لا طلاق قبل النكاح.


(45)

حسابها.

وبذلك يعلم أنّ ما ضربت من الاَمثلة لتأثير الزمان والمكان بعيدة عمّا يروم إليه، سواء كان العامل للتأثير هو فساد الاَخلاق وفقدان الورع وضعف الوازع، أو حدوث أوضاع تنظيمية ووسائل زمنية، فليس لنا في هذه الاَمثلة أيُّ حافز من العدول عمّا عليه الشرع.

وحصلة الكلام: أنّ الاَُستاذ قد صرّح بأنّ العاملين ـ الانحلال الاَخلاقي والاختلاف في وسائل التنظيم ـ يجعلان من الاَحكام التي أسّسها الاجتهاد في ظروف مختلفة خاضعة للتغيير، لاَنّها صدرت في ظروف تختلف عن الظروف الجديدة.

ولكنّه في أثناء التطبيق تعدّى تارة إلى التصرّف في الاَحكام الاَساسية الموَبدة التي لا يصحّ للفقيه الاجتهاد فيها، ولا أن يحدث بها أيَّ خدشة، وأُخرى ضرب أمثلة لم يكن للزمان أيُّ تأثير في تغيير الحكم المستنبط.

هذا بعض الكلام في تأثير عنصري الزمان والمكان في الاستنباط.

تمّت الرسالة بيد موَلّفها العبد الفقير جعفر السبحاني في صبيحة يوم الجمعة المصادف يوم العشرين من رجب المرجب من شهور عام 1418هـ
حامداً مصلّياً على النبي وآله
في مدينة قم المقدسة