2 . المصنّف: 1/456 برقم 1775.
3 . السيرة الحلبية:2/296، باب بدء الأذان و مشروعيته.
(129)
3
كيفيّة تشريع الأذان
عند أهل السنّة
قد ورد في روايات أهل السنّة حول كيفية تشريع الأذان أُمور لا تصحّ نسبتها إلى الرسول الأعظم، وحصيلة هذه الروايات ـ كما ستمر عليك تفاصيلها ـ ما يلي:
كان الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مهتماً بأمر الصلاة جماعة، ولكن كان متحيّراً في أنّه كيف يجمع الناس إلى الصلاة مع بُعْد الدار وتفرّق المهاجرين والأنصار في أزقّة المدينة، فاستشار في ذلك في حل العقدة، فأشاروا عليه بأُمور:
1. أن يستعين بنصب الراية، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضاً، فلم يُعجبه.
2. أشاروا إليه باستعمال القُبع، أيّ بوق اليهود، فكرهه النبي.
3. أن يستعين بالناقوس كما يستعين به النصارى، كرهه أوّلاً ثمّ أمر به فعمل من خشب ليضرب به للناس حتى يجتمعوا للصلاة.
4. كان النبي الأكرم على هذه الحالة، إذ جاء عبد اللّه بن زيد وأخبر رسول
(130)
اللّه بأنّه كان بين النوم واليقظة إذ أتاه آت فأراه الأذان، وكان عمر بن الخطاب قد رآه قبل ذلك بعشرين يوماً فكتمه ثمّ أخبر به النبي، فقال: ما منعك أن تخبرني؟ فقال: سبقني عبد اللّه بن زيد فاستحييت، فقال رسول اللّه: يا بلال قم فانظر ما يأمرك به عبد اللّه بن زيد فعلّمه، فتعلّم بلال الأذان وأذّن.
هذا مجمل ما يرويه المحدّثون حول كيفيّة تشريع الأذان، فتجب علينا دراسة متونه وأسناده وإليك البيان.
(131)
4
استعراض ما روي في كيفية تشريع الأذان
في السنن
1. روى أبو داود (202 ـ 275هـ) قال: حدّثنا عباد بن موسى الختلـي، وزيـاد بن أيـوب، ـوحـديث عباد أتمّـ قالا: ثنا هشيـم، عـن أبي بشر، قـال زيـاد: أخبرنا أبو بشر، عن أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من الأنصار، قال: اهتـمّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ للصلاة كيف يجمع الناس لها; فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة، فإذا رأوها آذن بعضهـم بعضـاً، فلم يعجبـه ذلك; قـال: فذكـر له القُنْع ـيعني الشبُّور ـ قـال زيـاد: شبور اليهود، فلم يُعجبـه ذلك، وقـال: « هـو مـن أمر اليهود» قال: فذكر له الناقوس، فقال: «هو من أمر النصارى» .
فانصرف عبد اللّه بن زيد (بن عبد ربّه) وهو مهتم لهمِّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فـأُري الأذان فـي منـامـه، قـال: فغـدا علـى رسـول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فـأخبره فقـال (لـه): يـا رســول اللّه، إنـّي لبيـن نائـم ويقظـان، إذ أتـانـي آت فـأراني الأذان، قـال: وكـان عمر بن الخطاب ـ رضى اللّه عنه ـ قـد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين
(132)
يوماً (1)، قال: ثمّ أخبر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال له: «ما منعك أن تخبرني؟» فقال: سبقني عبد اللّه بن زيد فاستحييت، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «يا بلال، قم فانظر ما يأمرك به عبد اللّه بن زيد فافعله» قال: فأذّن بلال، قال أبو بشر: فأخبرني أبو عمير أنّ الأنصار تزعم أنّ عبد اللّه بن زيد لولا أنّه كان يومئذ مريضاً، لجعله رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مؤذناً.
2. حدّثنا محمد بن منصور الطوسي، ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدّثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد اللّه بن زيد بن عبد ربّه، قال: حدّثني أبي: عبد اللّه بن زيد، قال: لمّا أمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة طاف بي، وأنا نائم، رجل يحمل ناقوساً في يده فقلت: يا عبد اللّه، أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة قال: أفلا أدلّك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت (له): بلى، قال: فقال تقول:
اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، أشهد أنّ محمداً رسول اللّه، أشهد أنّ محمداً رسول اللّه، حيّ
1 . أفيصح في منطق العقل أن يكتم الإنسان تلك الرؤيا التي فيها إراحة للنبيّ وأصحابه عشرين يوماً، ثم يعلّل ذلك ـ بعد سماعها من ابن زيد ـ بأنّه استحيا؟! وأنا أجلّ الخليفة عن هذا المنطق، مضافاً إلى وجود التنافي بينه و بين الحديث الثاني.
(133)
على الصلاة، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلاّ اللّه.
قال: ثمّ استأخر عنّي غير بعيد، ثمّ قال: وتقول إذا أقمت الصلاة:
اللّه أكبر، اللّه أكبر، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، أشهد أنّ محمداً رسول اللّه، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلاّ اللّه.
فلمّـا أصبحتُ أتيت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأخبرته بما رأيت فقال: «إنّها لرؤيا حق إن شاء اللّه، فقم مع بلال فالق عليه ما رأيت فليؤذّن به، فانّه أندى صوتاً منك». فقمت مع بلال، فجعلت أُلقيه عليه ويؤذِّن به، قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجرُّ رداءه ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول اللّه لقد رأيت مثل ما رأى، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «فللّه الحمد». (1)
ورواه ابن ماجة (207 ـ 275هـ) بالسندين التاليين:
3. حدّثنا أبو عبيد: محمد بن ميمون المدني، ثنا محمد بن سلمة الحرّاني، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا محمد بن إبراهيم التيمي، عن محمد بن عبد اللّه بن زيد، عن أبيه، قال: كان رسول اللّه قد همَّ بالبوق، وأمر بالناقوس فنُحِتَ، فأُري عبد اللّه بن زيد في المنام ... إلخ.
4.حدّثنا: محمد بن خالد بن عبد اللّه الواسطي: ثنا أبي، عن عبد الرحمان بن إسحاق، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: أنّ النبي استشار الناس لما يهمّهم إلى الصلاة، فذكروا البوق فكرهه من أجل اليهود، ثمّ ذكروا الناقوس فكرهه من أجل النصارى، فأُري النداء تلك الليلة رجل من الأنصار يقال له: عبد اللّه بن زيد وعمر بن الخطاب ...
قال الزهري: وزاد بلال في نداء صلاة الغداة: الصلاة خير من النوم، فأقرّها
1 . سنن أبي داود: 1/134ـ135 برقم 498ـ 499 تحقيق محمد محيي الدين. والحديث حاك عن اطّلاع عمر بعد أذان بلال، خلافاً للحديث السابق.
(134)
رسول اللّه ...(1).
ورواه الترمذي بالسند التالي:
5. حدّثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، حدّثنا أبي،حدّثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد اللّه بن زيد، عن أبيه قال: لمّا أصبحنا أتينا رسول اللّه فأخبرته بالرؤيا ... إلخ.
6. وقال الترمذي: وقد روى هذا الحديث إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق أتمَّ من هذا الحديث وأطول، ثم أضاف الترمذي: وعبد اللّه بن زيد هو ابن عبد ربّه، ولا نعرف له عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ شيئاً يصحّ إلاّ هذا الحديث الواحد في الأذان .(2)
هذا ما رواه أصحاب السنن المعدودة من الصحاح أو الكتب الستة، ولها من الأهمية ما ليس لغيرها من السنن كسنن الدارمي أو الدارقطني أو ما يرويه ابن سعد في طبقاته، والبيهقي في سننه، ولأجل تلك المكانة الخاصّة فصلنا ما روي في السنن المعروفة، عمّـا روي في غيرها.
فلندرس هذه الروايات متناً وسنداً حتّى تتّضح الحقيقة ثمّ نذكر بقية النصوص الواردة في غيرها فنقول:
1 . سنن ابن ماجة: 1/232ـ233، باب بدء الأذان، برقم 706 ـ 707.
2 . سنن الترمذي: 1/ 358ـ361 ، باب ما جاء في بدء الأذان برقم 189.
(135)
5
تحليل مضمون الروايات
إنّ هذه الروايات غير صالحة للاحتجاج لجهات شتى:
الأُولى: لا تتّفق مع مقام النبوّة
إنّه سبحانه بعث رسوله لإقامة الصلاة مع المؤمنين في أوقات مختلفة. وطبع القضية يقتضي أن يعلّمه سبحانه كيفية تحقيق هذه الأُمنية. فلا معنى لتحيّـر النبيّ أياماً طويلة أو عشرين يوماً على ما في الرواية الأُولى التي رواها أبو داود، وهو لا يدري كيف يحقّق المسؤولية الملقاة على عاتقه، فتارة يتوسّل بهذا، وأُخرى بذاك حتى يُرشد إلى الأسباب والوسائل التي تؤمِّن مقصوده، مع أنّه سبحانه يقول في حقّه: (وكانَ فضل اللّهِ عليكَ عَظيماً)(1)والمقصود من الفضل هو العلم بقرينة ما قبله: (وعلَّمكَ ما لَـمْ تَكُنْ تَعلَم) .
إنّ الصلاة والصيام من الأُمور العبادية وليسا كالحرب والقتال الذي ربّما كان النبي يتشاور فيه مع أصحابه ولم يكن تشاوره في كيفية القتال عن جهله بالأصلح، وإنّما كان لأجل جلب قلوبهم كما يقول سبحانه:
1 . النساء:113.
(136)
(ولو كُنتَ فَظّاً غَليظَ القَلبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَولكَ فَاعفُ عَنهُمْ وشاوِرْهُمْ في الأمرِ فإذا عَزمتَ فتوكَّلْ عَلَـى اللّهِ).(1)
أليس من الوهن في أمر الدين أن تكون الرؤيا والأحلام والمنامات من أفراد عادّيين، مصدراً لأمر عبادي في غاية الأهمية كالأذان والإقامة ؟!...
إنّ هذا يدفعنا إلى القول بأنّ كون الرؤيا مصدراً للأذان أمر مكذوب على الشريعة. ومن القريب جداً أنّ عمومة عبد اللّه بن زيد هم الذين أشاعوا تلك الرؤيا وروّجوها، لتكون فضيلة لبيوتاتهم وقبائلهم. ولذلك نرى في بعض المسانيد أنّ بني عمومته هم رواة هذا الحديث، وأنّ من اعتمد عليهم انّما كان لحسن ظنّه بهم.
الثانية: انّها متعارضة جوهراً
إنّ ما مضى من الروايات حول بدء الأذان وتشريعه متعارضة جوهراً من جهات:
1. إنّ مقتضى الرواية الأُولى (رواية أبي دواد) أنّ عمر بن الخطاب رأى الأذان قبل عبد اللّه بن زيد بعشرين يوماً. ولكن مقتضى الرواية الرابعة (رواية ابن ماجة) أنّه رأى في نفس الليلة التي رأى فيها عبد اللّه بن زيد.
2. إنّ رؤيا عبد اللّه بن زيد هو المبدأ للتشريع، وأنّ عمر بن الخطاب لمّا سمع الأذان جاء إلى رسول اللّه وقال: إنّه أيضاً رأى نفس تلك الرؤيا ولم ينقلها إليه استحياءً.
3. إنّ المبدأ لتشريع الأذان، هو نفس عمر بن الخطاب، لا رؤياه، لأنّه هو
1 . آل عمران:159.
(137)
الذي اقترح النداء بالصلاة الذي هو عبارة أُخرى عن الأذان.
روى الترمذي في سننه وقال: كان المسلمون حين قدموا المدينة ... ـ إلى أن قال:ـ وقال بعضهم: اتّخذوا قرناً مثل قرن اليهود، قال: فقال عمر بن الخطاب: أوَلا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ قال: فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : يا بلال قم فناد بالصلاة، ـ أي الأذان ـ.(1)
ورواه النسائي(2) والبيهقي(3) في سننهما .
نعم فسّـر ابن حجر النداء بالصلاة بـ «الصلاة جامعة»(4) ولا دليل على هذا التفسير.
4. إنّ مبدأ التشريع هو نفس النبي الأكرم.
روى البيهقي: ... فذكروا أن يضربوا ناقوساً أو ينوّروا ناراً فأُمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة. قال : ورواه البخاري عن محمد عن عبد الوهاب الثقفي، ورواه مسلم عن إسحاق بن إبراهيم. (5)
ومع هذا التناقض في النقل كيف يمكن الاعتماد على هذه النقول؟
5. انّ عمر كان حاضراً عند نقل عبد اللّه بن زيد رؤياه للنبي ـ حسب الحديث الأوّل ـ ولكنّه كان غائباً حسب الحديث الثاني، حيث خرج من بيته لمّا سمع أذان بلال بعد نقل عبد اللّه رؤياه.
1 . سنن الترمذي: 1/362 رقم 190; سنن النسائي: 2/3 ; سنن البيهقي 1/389 في باب بدء الأذان، الحديث الأوّل.
2 . سنن الترمذي: 1/362 رقم 190; سنن النسائي: 2/3 ; سنن البيهقي 1/389 في باب بدء الأذان، الحديث الأوّل.
3 . سنن الترمذي: 1/362 رقم 190; سنن النسائي: 2/3 ; سنن البيهقي 1/389 في باب بدء الأذان، الحديث الأوّل.
4 . السيرة الحلبية: 2/ 297.
5 . سنن البيهقي:1/390، الحديث 1.
(138)
الثالثة: انّ الرائي كان أربعة عشر شخصاً لا واحداً
يظهر ممّا رواه الحلبي أنّ الرائي للأذان لم يكن منحصراً بابني زيد والخطاب، بل ادّعى أبو بكر أنّه أيضاً رأى نفس ما رأياه، وقيل: سبعة من الأنصار، وقيل: أربعة عشر (1) كلّهم ادّعوا أنّهم رأوا في الرؤيا الأذان، وليسـت الشريعـة شرعة لكـل وارد، فـإذا كانت الشريعـة والأحكـام خاضعة لـرؤيـا كـلّ وارد فعلى الإسلام السلام.
الرابعة: التعارض بين نقل البخاري وغيره
إنّ صريح صحيح البخاري أنّ النبي أمر بلالاً في مجلس التشاور بالنداء للصلاة وعمر حاضر حين صدور الأمر، فقد روى عن ابن عمر: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحيّنون الصلاة، ليس ينادى لها، فتكلّموا يوماً في ذلك فقال بعضهم: اتّخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقاً مثل قرن اليهود، فقال عمر: أوَ لا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ فقال رسول اللّه: يا بلال قم فناد بالصلاة. (2)
وصريح أحاديث الرؤيا: أنّ النبي إنّما أمر بلالاً بالنداء إذ قصّ عليه ابن زيد رؤياه ولم يكن عمر حاضراً وإنّما سمع الأذان وهو في بيته، خرج وهو يجرّ ثوبه ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول اللّه لقد رأيت مثل ما رأى.(3)
وليس لنا حمل ما رواه البخاري على النداء بـ «الصلاة جامعة» وحمل
1 . السيرة الحلبية: 2/300.
2 . صحيح البخاري: 1/120، باب بدء الأذان.
3 . لاحظ الحديث رقم2.
(139)
أحاديث الرؤيا على التأذين بالأذان، فانّه جمع بلا شاهد أوّلاً، ولو أمر النبي بلالاً برفع صوته بـ «الصلاة جامعة» لحلّت العقدة ثانياً، ورفعت الحيرة خصوصاً إذا كررت الجملة «الصلاة جامعة» ولم يبق موضوع للحيرة، وهذا دليل على أنّ أمره بالنداء، كان بالتأذين بالأذان المشروع. (1)
1 . النص والاجتهاد: 137.
(140)
6
مناقشة الأسانيد
ما ذكرنا من الوجوه الخمسة ترجع إلى دراسة مضمون الأحاديث وهي كافية في سلب الركون إليها. وإليك دراسة أسنادها واحداً بعد الآخر. وهي بين موقوف لا يتّصل سندها بالنبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ومسند مشتمل على مجهول أو مجروح أو ضعيف متروك، وإليك البيان حسب الترتيب السابق.
أمّا الرواية الأُولى التي رواها أبو داود فهي ضعيفة:
1. تنتهي الرواية إلى مجهول أو مجاهيل، لقوله: عن عمومة له من الأنصار.
2. يروي عن العمومة، أبو عمير بن أنس، فيذكره ابن حجر ويقول فيه: روى عن عمومة له من الأنصار من أصحاب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في رؤية الهلال وفي الأذان.
وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث.
وقال ابن عبد البر: مجهول لا يحتج به. (1)
وقال جمال الدين: وهذا ـ ما حدّث به في الموضوعين: رؤية الهلال والأذان ـ جميع ما له عندهم.(2)
1 . تهذيب التهذيب: 12/188 برقم 867.
2 . تهذيب الكمال: 34/142 برقم 7545.
(141)
أمّا الرواية الثانية: فقد جاء في سندها من لا يصح الاحتجاج به، نظراء:
1. محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي: أبو عبد اللّه المتوفّـى حدود عام120هـ.
قال أبو جعفر العقيلي عن عبد اللّه بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي وذكر محمد بن إبراهيم التيمي المدني فقال: في حديثه شيء، يـروي أحـاديـث مناكير، أو منكـرة. (1)
2. محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار، فانّ أهل السنّة لا يحتجون برواياته، وإن كان هو الأساس لـ «سيرة ابن هشام ـ المطبوعة ـ ».
قال أحمد بن أبي خيثمة: ...وسئل يحيى بن معين عنه، فقال: ليس بذاك، ضعيف. قال: وسمعت يحيى بن معين مرة أُخرى يقول: محمد بن إسحاق عندي سقيم ليس بالقوي.
وقال أبو الحسن الميموني: سمعت يحيى بن معين يقول: محمد بن إسحاق ضعيف. وقال النسائي: ليس بالقوي. (2)
3. عبد اللّه بن زيد، راوية الحديث و كفى في حقّه أنّه قليل الحديث، قال الترمذي: لا نعرف له عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ شيئاً يصح إلاّ هذا الحديث الواحد في الأذان، قال الحاكم: الصحيح: أنّه قُتل بأُحد، والروايات عنه كلّها منقطعة، قال ابن عدي: لا نعرف له شيئاً يصح عن النبيّ إلاّ حديث الأذان. (3)
وروى الترمذي عن البخاري: لا نعرف له إلاّ حديث الأذان. (4)
1 . تهذيب الكمال: 24/ 304.
2 . المصدر نفسه: 24/423 ـ424، ولاحظ تاريخ بغداد: 1/221ـ224.
3 . سنن الترمذي: 1/361; تهذيب التهذيب: 5/224.
4 . تهذيب الكمال: 14/541.
(142)
وقال الحاكم: عبد اللّه بن زيد هو الذي أُرِيَ الأذان، الذي تداوله فقهاء الإسلام بالقبول. ولم يخرج في الصحيحين لاختلاف الناقلين في أسانيده. (1)
وأمّا الرواية الثالثة : فقد اشتمل السند على محمد بن إسحاق بن يسار، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وقد تعرّفت على حالهما كما تعرفت على أنّ عبد اللّه بن زيد كان قليل الرواية، والروايات كلّها عنه منقطعة، لأنّه قتل بأُحد.
وأمّا الرواية الرابعة: فقد جاء في سندها:
1. عبد الرحمان بن إسحاق بن عبد اللّه المدني.
قال يحيى بن سعيد القطان: سألت عنه بالمدينة، فلم أرهم يحمدونه. وكذلك قال علي بن المديني.
وقال علي أيضاً: سمعت سفيان وسئل عن عبد الرحمان بن إسحاق، قال: كان قدرياً فنفاه أهل المدينة، فجاءنا هاهنا مقتل الوليد، فلم نجالسه.
وقال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل عنه، فقال: روى عن أبي الزناد أحاديث منكرة.
وقال أحمد بن عبد اللّه العجلي: يكتب حديثه، وليس بالقوي.
وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتجّ به.
وقال البخاري: ليس ممّن يعتمد على حفظه ... لا يعرف له بالمدينة تلميذ إلاّ موسى الزمعيّ، روى عنه أشياء في عدّة منها اضطراب.
وقال الدارقطني: ضعيف يرمى بالقدر.
وقال أحمد بن عدي: في حديثه بعض ما ينكر ولا يتابع.(2)
1 . مستدرك الحاكم: 3/336.
2 . تهذيب الكمال: 16/519 برقم 3755.
(143)
2. محمد بن خالد بن عبد اللّه الواسطي (150 ـ 240هـ) فيعرّفه جمال الدين المزّي بقوله: قال ابن معين: لا شيء، وأنكر روايته عن أبيه. وقال أبو حاتم: سألت يحيى بن معين عنه، فقال: ذاك رجل سوء كذّاب...، وأخرج أشياء منكرة.
وقال أبو عثمان سعيد بن عمرو البردعي: وسألته يعني ـ أبا زرعة ـ عن محمد بن خالد ، فقال: رجل سوء.
وذكره ابن حبان في كتاب الثقات وقال: يخطئ ويخالف. (1)
وقال الشوكاني بعد نقل الرواية: وفي اسناده ضعف جدّاً. (2)
وأمّا الرواية الخامسة: فقد جاء في سندها:
1. محمد بن إسحاق بن يسار.
2. محمد بن الحارث التيمي.
3. عبد اللّه بن زيد.
وقد تعرّفت على جرح الأوّلين، وانقطاع السند في كل ما يرويان عن الثالث، وبذلك يتّضح حال السند السادس فلاحظ.
هذا ما ورد في السنن. أمّا ما ورد في غيرها فنذكر منه ما رواه الإمام أحمد، والدارمي، والدارقطني في مسانيدهم، والإمام مالك في موطّئه، وابن سعد في طبقاته، والبيهقي في سننه، وإليك البيان:
1 . المصدر نفسه: 25/139 برقم 5178.
2 . نيل الأوطار : 2/37ـ38.
(144)
7
روايات الأذان في غير الكتب الستّة
قد عرفت من الحاكم انّ الشيخين : البخاري ومسلماً لم يخرّجا حديث عبد اللّه بن زيد لاختلاف الناقلين في أسانيدهما وإنّما أخرجه من أصحاب الكتب الستة; أبـو داود والترمذي وابن ماجة أصحاب السنن، وقد عرفت وجود التناقض في مضامينها والضعف في أسانيدها، فهلم معي ندرس ما رواه أصحاب المسانيد وغيرهم ممّن تعدّ كتبهم دون الكتب الستة في الإتقان والصحّة.
ألف : ما رواه الإمام أحمد في مسنده
روى الإمام أحمد رؤيا الأذان في مسنده عن عبد اللّه بن زيد بأسانيد ثلاثـة(1):
1. قد ورد في السند الأوّل زيد بن الحباب بن الريان التميمي (المتوفّـى 203 هـ).
وقد وصفوه بكثرة الخطأ وله أحاديث تستغرب عن سفيان الثوري من جهة اسنادها، وقال ابن معين: أحاديثه عن الثوري مقلوبة. (2)
1 . مسند أحمد: 4/42ـ 43.
2 . ميزان الاعتدال: 2/100 برقم 2997.
(145)
كما اشتمل على عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن زيد بن عبد ربّه، وليس له في الصحاح والمسانيد إلاّ رواية واحدة وهي هذه، وفيها فضيلة لعائلته، ولأجل ذلك يقلُّ الاعتماد عليها.
كما اشتمل الثاني على محمد بن إسحاق بن يسار الذي تعرَّفت عليه.
واشتمل الثالث على محمد بن إبراهيم الحارث التيمي، مضافاً إلى محمد بن إسحاق، وينتهي إلى عبد اللّه بن زيد، وهو قليل الحديث جداً.
وقد جاء في الرواية الثانية بعد ذكر الرؤيا وتعليم الأذان لبلال:
إنّ بلالاً أتى رسول اللّه فوجده نائماً، فصرخ بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم، فأُدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر. وكفى في ضعف الرواية ما في ذيلها.
ب : ما رواه الدارمي في مسنده
روى رؤيا الأذان الدارمي في مسنده بأسانيد، وكلها ضعاف، وإليك الأسانيد وحدها:
1. أخبرنا محمد بن حميد، ثنا سلمة، حدّثني محمد بن إسحاق وقد كان رسول اللّه حين قدمها... الخ.
2. نفس هذا السند وجاء بعد محمد بن إسحاق: حدّثني هذا الحديث، محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد اللّه بن زيد بن عبد ربّه، عن أبيه بهذا الحديث.
3. أخبرنا محمد بن يحيى، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدّثنا أبي عن ابن إسحاق... والباقي نفس ما جاء في السند الثاني. (1)
1 . سنن الدارمي: 1/268 ـ 269 باب بدء الأذان.
(146)
والأوّل منقطع، والثاني مشتمل على محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي وقد عرفت حاله، والثالث مشتمل على ابن إسحاق وقد عرفت حاله.
ج : ما رواه الإمام مالك في الموطأ
روى الإمام مالك رؤيا الأذان في موطّئه: عن يحيى، عن مالك، عن يحيى بن سعيد أنّه قال: كان رسول اللّه قد أراد أن يتّخذ خشبتين يضرب بهما .... (1)
والسند منقطع، والمراد يحيى بن سعيد بن قيس المولود قبل عام 70 وتوفّـي بالهاشمية سنة 143هـ. (2)
د : ما رواه ابن سعد في طبقاته
رواه محمد بن سعد في طبقاته بأسانيد (3) موقوفة لا يحتجّ بها:
الأوّل: ينتهي إلى نافع بن جبير الذي توفّـي في عشر التسعين وقيل سنة 99هـ.
والثاني: ينتهي إلى عروة بن الزبير الذي تولّد عام 29 وتوفّـي عام 93هـ.
والثالث: ينتهي إلى زيد بن أسلم الذي توفّـي عام 136هـ.
والرابع: ينتهي إلى سعيد بن المسيب الذي توفّـي عام 94، وإلى عبد الرحمان بن أبي ليلى الذي توفّـي عام 82، أو 83هـ.
وقال الذهبي في ترجمة عبد اللّه بن زيد: حدّث عنه سعيد بن المسيب وعبد
1 . الموطأ : 75 باب ما جاء في النداء للصلاة برقم 1.
2 . سير أعلام النبلاء: 5/468 برقم 213.
3 . الطبقات الكبرى: 1/246ـ247.
(147)
الرحمان بن أبي ليلى ولم يلقه. (1)
وروى أيضاً بالسند التالي:
أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي، أخبرنا مسلم بن خالد، حدّثني عبد الرحيم بن عمر، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد اللّه بن عمر، عن عبد اللّه بن عمر: أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أراد أن يجعل شيئاً يجمع به الناس ... حتى أُريَ رجل من الأنصار يقال له عبد اللّه بن زيد، وأُريه عمر بن الخطاب تلك الليلة ... ـ إلى أن قال: ـ فزاد بلال في الصبح «الصلاة خير من النوم» فأقرّها رسول اللّه.
فقد اشتمل السند على:
1. مسلم بن خالد بن قرقرة: ويقال: ابن جرحة.
ضعّفه يحيى بن معين.
وقال علي بن المديني: ليس بشيء.
وقال البخاري: منكر الحديث.
وقال النسائي: ليس بالقوي.
وقال أبو حاتم: ليس بذاك القوي، منكر الحديث يكتب حديثه ولا يحتج به، تعرف وتنكر. (2)
2. محمد بن مسلم بن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن شهاب الزهري المدني (51ــ123هـ).
قال أنس بن عياض، عن عبيد اللّه بن عمر: كنت أرى الزهري يعطي
1 . سير أعلام النبلاء: 2/376 برقم 79، وسيوافيك تفصيله في المقام الثاني.
2 . تهذيب الكمال: 27/508 برقم 5925.
(148)
الكتاب فلا يقرأه ولا يقرأ عليه، فيقال له: نروي هذا عنك، فيقول: نعم.
وقال إبراهيم بن أبي سفيان القيسراني عن الفريابي: سمعت سفيان الثوري يقول: أتيت الزهري فتثاقل عليّ، فقلت له: لو أنّك أتيت أشياخنا، فصنعوا بك مثل هذا; فقال: كما أنت، ودخل فأخرج إليَّ كتاباً، فقال: خذ هذا فاروه عنّي، فما رويت عنه حرفا. (1)
هـ : ما رواه البيهقي في سننه
روى البيهقي رؤيا الأذان بأسانيد لا يخلو الكل عن علّة أو علاّت، وإليك الإشارة إلى الضعاف الواردين في أسانيدها:
الأوّل: يشتمل على أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار، وقد تعرفت على أبي عمير بن أنس، وأنّه قال فيه ابن عبد البر: وإنّه مجهول لا يحتجّ به(2) يروي عن مجاهيل (3) باسم العمومة، ولا دليل على كون هؤلاء من الصحابة، وإن افترضنا عدالة كل صحابي، وعلى فرض التسليم أنّ العمومة كانوا منهم، لكن موقوفات الصحابي ليست بحجّة، إذ لا علم بأنّه روى عن النبي.
الثاني: يشتمل على أُناس لا يحتج بهم:
1.محمد بن إسحاق بن يسار.
2. محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي.
3. عبد اللّه بن زيد.
وقد تعرّفت على الجميع.
1 . المصدر نفسه: 26/439ـ440.
2 . سنن البيهقي: 1/390.
3 . تهذيب التهذيب: 12/188 برقم 868.
(149)
الثالث: مشتمل على ابن شهاب الزهري، يروي عن سعيد بن المسيب المتوفّـى عام 94هـ عن عبد اللّه بن زيد.(1) وقد عرفت أنّهما لم يدركا عبد اللّه بن زيد.
و: ما رواه الدارقطني في سننه
روى الدارقطني رؤيا الأذان بأسانيد، إليك بيانها:
1. حدّثنا محمد بن يحيى بن مرداس، حدّثنا أبو داود، حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا حماد بن خالد، ثنا محمد بن عمرو، عن محمد بن عبد اللّه، عن عمِّه عبداللّه ابن زيد.
2. حدّثنا محمد بن يحيى: ثنا أبو داود، ثنا عبيد اللّه بن عمر، ثنا عبد الرحمان بن مهدي، ثنا محمد بن عمرو، قال: سمعت عبد اللّه بن محمد، قال: كان جدي عبد اللّه بن زيد بهذا الخبر. (2)
وقد اشتمل السندان على محمد بن عمرو، و هو مردّد بين الأنصاري، الذي ليس له في الصحاح والمسانيد إلاّ هذه الرواية، قال الذهبي: لا يكاد يعرف; وبين محمد بن عمرو أبو سهل الأنصاري الذي ضعّفه يحيى القطان، وابن معين وابن عدي. (3)
3. حدّثنا أبو محمد بن صاعد، ثنا الحسن بن يونس، ثنا الأسود بن عامر، ثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، قال: قام رجل من الأنصار، عبد اللّه بن زيد، ـ يعني إلى النبي ـ فقال: يا رسول اللّه إنّي رأيت في النوم .... (4)
وهذا السند منقطع، لأنّ معاذ بن جبل توفّـي عام 20 أو 18هـ وتولّد عبد الرحمان بن أبي
1 . سنن البيهقي: 1/390.
2 . سنن الدارقطني: 1/245 برقم 56 و 57.
3 . ميزان الاعتدال: 3/674 برقم 8017 و 8018; تهذيب الكمال: 26/220 برقم 5516; تهذيب التهذيب: 9/378 برقم 620.
4 . سنن الدارقطني: 1/242 برقم 31.
(150)
ليلى، سنة 17هـ; مضافاً إلى أنّ الدارقطني ضعّف عبد الرحمان وقال: ضعيف الحديث سيّئ الحفظ، وابن أبي ليلى لا يثبت سماعه من عبد اللّه بن زيد. (1)
إلى هنا تم الكلام في المقام الأوّل، واتّضح أنّ الأذان انّما شرع بوحي إلهي، لا برؤيا عبد اللّه بن زيد ولا برؤيا عمر بن الخطاب ولا بأيّ ابن أُنثى كائناً من كان، وانّ هذه الأحاديث، متعارضة جوهراً، غير تامّة سنداً، لا يثبت بها شيء، مضافاً إلى ما ذكرنا في صدر البحث من الاستنكار العقلي، فلاحظ.
وحان البحث عن كيفية دخول التثويب في أذان الفجر، وهذا هو المقام الثاني الذي نتلوه عليك فنقول:
1 . سنن الدارقطني: 1/241 .