(447)
تخريج المناط بالسبر والتقسيم يفيد الظنّ
إنّ تخريج المناط بالسبر والتقسيم يفيد الظن لا القطع بالمناط، وقد عرفت تصريح عبد الوهاب خلاف باختلاف العقول في تشخيص المناط ونزيد على بيانه بأنّ هنا احتمالات أُخرى تخلُّ بعلّية المناط بالبيان التالي:
أوّلاً: نحتمل أن يكون الحكم في الأصل معلّلاً عند اللّه بعلّة أُخرى غير ما ظنه القائس وهو كونه صغيراً أو قاصر العقل، وليس هذا بأمر بعيد و قد قال سبحانه: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَليلاً).(1)
إذ الإنسان لم يزل في عالم الحس تنكشف له أخطاؤه، فإذا كان هذا حال عالم المادة الملموسة، فكيف بملاكات الأحكام ومناطاتها المستورة على العقل إلاّ في موارد جزئية كالإسكار في الخمر، أو إيقاع العداء والبغضاء في الميسر، أو إيراث المرض في النهي عن النجاسات؟ وأمّا ما يرجع إلى العبادات والمعاملات خصوصاً فيما يرجع إلى أبواب الحدود والديات فالعقل قاصر عن إدراك مناطاتها الحقيقية وإن كان يظن شيئاً.
قال ابن حزم: وإن كانت العلة غير منصوص عليها فمن أيِّ طريق تعرف ولم يوجد من الشارع نص يبين طريق تعرفها؟ وترك هذا من غير دليل يعرف العلة ينتهي إلى أحد أمرين: إمّا انّ القياس ليس أصلاً معتبراً، وإمّا انّه أصل عند اللّه معتبر ولكن أصل لا بيان له وذلك يؤدي إلى التلبيس، وتعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً فلم يبق إلاّ نفي القياس.(2)
ثانياً: لو افترضنا انّ المقيس أصاب في أصل التعليل، ولكن من أين يعلم انّها تمام العلة، ولعلّها جزء العلّة وهناك جزء آخر منضم إليه في الواقع ولم يصل
1 . الإسراء:85.
2 . أُصول الفقه لأبي زهرة:210، نقلاً عن الاحكام.
(448)
القايس إليه؟
ثالثاً: احتمال أن يكون القايس قد أضاف شيئاً أجنبياً إلى العلة الحقيقية لم يكن له دخل في المقيس عليه.
رابعاً: احتمال أن يكون في الأصل خصوصية في ثبوت الحكم وقد غفل عنها القايس، ويعلم ذلك بالتدبر في الأمثلة التالية:
1. قياس الولاية في النكاح بالميراث
يقدّم الأخ من الأب والأُمّ على الأخ للأب في الميراث المقيس عليه
فيقدّم الأخ من الأب والأُمّ على الأخ للأب في ولاية النكاح المقيس
فإنّ علّة التقديم في الميراث امتزاج الاخوة وهو الجامع المؤثر الموجود في الطرفين.
2. قياس الجهل في المهر بالبيع
انّ الجهل بالعوض يفسد البيع بالاتفاق المقيس عليه
فالجهل بالمهر يفسد النكاح المقيس
لوجود المعاوضة والجهل فيها الجامع
3. قياس ضمان السارق بالغاصب
إنّ الغاصب يضمن إذا تلف المال تلف يده المقيس عليه
والسارق أيضاً يضمن وإن قطعت يده المقيس
تلف المال تحت اليد العادية الجامع
(449)
فانّ تخريج المناط في هذه الموارد وعشرات من أمثالها تخريجات ظنية وهي بحاجة إلى قيام الدليل، و إلاّ فيمكن أن يكون للميراث خصوصية غير موجودة في النكاح أو يكون الجهل بالعوض مفسداً في البيع دون النكاح، لأنّ البيع مبادلة بين المالين بخلاف النكاح فانّه علاقة تجمع بين شخصين، فالعلّة هو الجهل بالعوض لا الجهل بالمهر، والمهر ليس عوضاً.
وفي كلام الإمام الصادق لابن شبرمة إلماع إلى محظورية هذا النوع من التخريج فانّه أشبه بالرجم بالغيب.
روى أبو نعيم في «حلية الأولياء» مذاكرة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ مع أبي حنيفة كما في رواية ابن شبرمة بالنحو التالي:
أيّهما أعظم قتل النفس أو الزنا.
قال: قتل النفس.
قال: فإنّ اللّه عزّ وجلّ جعل في قتل النفس شاهدين ولم يقبل في الزنا إلاّ أربعة؟
ثمّ قال: أيّهما أعظم الصلاة أم الصوم؟
قال: الصلاة.
قال: فما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة.
فكيف ويحك يقوم لك قياسك، اتق اللّه ولا تقس الدين برأيك.(1)
توضيح الاستدلال: انّه لو افترضنا ورود النص في قتل النفس دون الزنا وانّ القتل يثبت بشاهدين فمقتضى القياس هو قبول الشاهدين في الفرع مع أنّ حكم اللّه على خلافه.
ونظيره الصلاة والصوم، فلو افترضنا ورود النصّ في أنّ الحائض لا تقضي و
1 . حلية الأولياء:3/197.
(450)
لم يرد النص في الصوم فمقتضى القياس عدم لزوم قضائه مع أنّ الحكم الواقعي هو خلافه.
حصيلة البحث
قد خرجنا من دراسة هذه الأُمور العشرة انّ ما هو محط النزاع عبارة عن أمرين:
1. التماس العلل الواقعية للأحكام الشرعية من طريق العقل وقد عرفت انّ الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ ركّز على هذا النوع في كلام له مع أبي حنيفة وهذا النوع من الاصطلاح في مورد القياس مهجور.
2. تخريج المناط عن طريق السبر والتقسيم، فانّ المسالك لمعرفة العلة غير مقطوعة، وقد اعترف بها مثبتو القياس، وأمّا ما سوى ذلك من الأقيسة فهو ليس بقياس حقيقة وإنّما عمل بالسنّة.
إذا علمت هذه الأُمور فلنختم هذا البحث بتأسيس الأصل في حجية الظن، فهل الأصل في الظنون الحجية إلاّ ما ورد المنع فيه، أو الأصل عدم الحجية إلاّ ما دلّ الدليل عليه؟ وهذا من أروع البحوث في أُصول الفقه الإمامي وقد خلا عنه كتب السنّة، وحصيلة هذا البحث هو ما يلي:
الشكّ في الحجية يساوق القطع بعدمها
إنّ الأثر تارة يترتب على الوجود الواقعي للشيء كتحريم الخمر المترتب على الخمر الواقعي، وأُخرى يترتّب على واقعه ومشكوكه معاً كالطهارة حيث إنّ الطاهر الواقعي ومشكوك الطهارة كلاهما محكومان بالطهارة واقعاً أو ظاهراً.
وثالثة أُخرى يترتب على الوجود العلمي للشيء بأن يكون معلوماً للمكلّف.
(451)
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ المراد من الحجّة في المقام هو ما يحتج به المولى على العبد، والعبد على المولى ولها آثار منها:
1. التنجز عند الإصابة، 2. التعذير عند المخالفة، وهما من آثار ما علم كونه حجّة بالفعل، وإلاّ فلو كان حجّة في الواقع ولم يقف المكلف على كونه كذلك لا يترتب عليه شيء من الأثر، لأنّ العقل حاكم بقبح العقاب بلا بيان، وعند ذلك لو شككنا في حجية شيء فهو ملازم للقطع بعدم الحجية الفعلية ومعه لا يترتّب عليه شيء من آثارها فيكون الأصل في الشك في الحجية عدمها قطعاً، أي عدم صحّة الاحتجاج وترتب الآثار.
وبعبارة أُخرى: انّ معنى حجّية الظن هو صحة اسناد مؤدّاه إلى اللّه سبحانه، والاستناد إليه في مقام العمل، فإذا كان هذا معنى الحجّية فلا شكّ انّه مرتب على العلم بحجيّة الشيء بأن يقوم دليل قطعي على حجّية الظن، من كتاب أو سنّة، فعند ذلك يوصف الظن بالتنجيز أو التعذير،ويصح إسناد مؤّداه إلى اللّه سبحانه، كما يصحّ الاستناد إليه في مقام الامتثال والعمل.
وأمّا إذا لم يقم الدليل القطعي على حجّية الظن، بل صار مظنونَ الحجّية أو محتملها فلا يترتب عليه الأثران الأوّلان: التنجز والتعذير، لأنّ العقل إنّما يحكم بتنجيز الواقع إذا كان هناك بيان من الشارع وإلاّ فيستقل بقبح العقاب بلا بيان والمفروض انّه لم يثبت كون الظن بياناً للحكم الشرعي، إذ لم يصل بيان من الشارع على حجّية الظن ، كما أنّه لا يعد المكلف العاملُ بالظن معذوراً إذا خالف الواقع إذا لم يدعمه دليل قطعي.
فخرجنا بتلك النتيجة: انّ الحجية بمعنى التنجيز والتعذير من آثار معلوم الحجّية لا مظنونها ولا محتملها، هذه هي الضابطة في مطلق الظن.
(452)
ومنها يظهر حكم القياس، وذلك لأنّ المفروض وجود الشكّ في حجّية القياس حيث إنّ البحث الآن فيما لم يدعمه دليل ونهى عنه ومعه يكون الاحتجاج به غير صحيح، إلاّ إذا دل الدليل القطعي على حجيته، كما أنّ الأثرين الأخيرين، أعني: اسناد مضمونه إلى الشارع والاستناد إليه في مقام العمل من آثار ما علم كونه حجّة، وإلاّ يكون الاسناد والاستناد بدعة، وتشريعاً محرماً، حيث إنّ الاستناد إلى مشكوك الحجية في مقام العمل و اسناد مؤدّاه إلى الشارع تشريع عملي وقولي دلّت على حرمته الأدلة الأربعة.
وعلى ضوء ما ذكرنا فالقاعدة الأوّلية هو عدم حجّية أيّ ظن من الظنون بمعنى انّه لايحتج به ما لم يقم على صحّة الاحتجاج به دليل، و من تلك الظنون القياس فالأصل فيه عدم الحجّية ، فإن قام على حجّيتها دليل فهو وإلاّ كان العمل به بدعة داخلة تحت قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أنزَلَ اللّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْق فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُل ءَآللّه أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ).(1)
ومفاد الآية انّ كلّ ما لم يأذن به اللّه فاسناده إلى اللّه والاستناد إليه في مقام العمل يعد افتراءً على اللّه، ونظيره قوله سبحانه: (وَإِذا فَعَلُوا فَاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ).(2)
ومفاد الآية انّ التقول على اللّه بما لا يعلم كونه من اللّه أمر محرم، سواء أمر به في الواقع أم لا.
وعلى ضوء ذلك فنفاة القياس في فسحة من إقامة الدليل على حجيته، لأنّ الأصل عدم حجّية الظن إلاّ ما قام على حجيته الدليل، وإنّما يلزم على مثبتي
1 . يونس:59.
2 . الأعراف:28.
(453)
القياس إقامة الدليل القطعي على أنّ الشارع سوّغ العمل بهذا النوع من الظن كما سوغ العمل بخبر الثقة، فيجب علينا دراسة أدلّتهم من الكتاب والسنّة والعقل، وهذا هو بيت القصيد في هذا الفصل، وقد استدلّوا بآيات من الذكر الحكيم نذكر ما هو المهم وهي ستة:
1. آية الاعتبار
قال سبحانه في حادثة بني النضير: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لأَوَّلِ الحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللّهِ فَأَتاهُمُ اللّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولي الأَبْصارِ).(1)
والحشر هو الاجتماع، قال سبحانه: (وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحىً)(2) ، وهو كناية عن اللقاء بين اليهود و المسلمين.
وجه الاستدلال: أنّ اللّه سبحانه بعدما قصّ ما كان من بني النضير الذين كفروا، وما حاق بهم من حيث لم يحتسبوا، قال: (فَاعْتَبِرُوا يا أُولي الأَبْصار) أي فَقِسُوا أنفسَكم بهم، لأنّكم أُناسٌ مثلهم إن فعلتم مثلَ فعلهم حاق بكم مثل ما حاق بهم، من غير فرق بين تفسير الاعتبار بالعبور والمرور، أو فُسِّرَ بالاتّعاظ، فهو تقرير، لبيان أنّ سنّة اللّه في ما جرى على بني النضير وغيرهم واحد.(3)
نعم لو فسّر بالتعجب كما عن ابن حزم فلا صلة له بالقياس، وأمّا لو فسّر بالعبور والمجاوزة فهو يرتبط به، لأنّ في القياس عبوراً من حكم الأصل، ومجاوزة
1 . الحشر: 2.
2 . طه: 59.
3. الحاصل من المحصول: 2/162; المحصول في علم الأُصول: 2/247.
(454)
عنه إلى حكم الفرع، فإذا كنّا مأمورين بالاعتبار، فقد أمرنا بالقياس وهو معنى حجّيته كما أنّه لو فسّر بالاتعاظ فهو أيضاً ظاهر في جعل الحجية للقياس، لأنّه تقرير لسنّة اللّه في خلقه، وانّ ما يجري على النظير، يجري على نظيره .(1)
يلاحظ على الاستدلال: أوّلاً: بأنّ الآية بصدد بيان سنّة اللّه في الظالمين، سواء فسّر الاعتبار بالتجاوز أو بالاتّعاظ، وأنّ إجلاء بني النضير من قلاعهم وتخريبهم بيوتَهم بأيديهم وأيدي المؤمنين كان جزاءً لأعمالهم الإجرامية، وأنّ اللّه تبارك وتعالى يعذّب الكافر والمنافق والظالم بأنحاء العذاب ولا يتركه، فليس هناك أصل متيقّن ولا فرع مشكوك حتى نستبين حكمَ الثاني من الأوّل بواسطة المشابهة، بل كل ذلك فرض على مدلول الآية، وكم لها من نظائر في القرآن الكريم، قال سبحانه: (فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبينَ*هذا بَيانٌ لِلنّاسِ وَهُدًى وَمَوعِظَةٌ لِلْمُتَّقينَ) . (2)
هل تجد في نفسك أنّ الآية بصدد إضفاء الحجّية على القياس؟ أو أنّها لبيان سنّة اللّه في المكذّبين؟ وقال سبحانه:(وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاّ قَلِيلاً* سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحويلاً) . (3)
قال سبحانه: (فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيل مَنْضُود*مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظّالِمينَ بِبَعيد) . (4)
وأدلّ دليل على أنّ الآية ليست بصدد بيان حجّية القياس، هو أنّك لو وضعت كلمة أهل القياس مكان قول: ( أُولي الأَبصار) فقلت : فاعتبروا يا أهل
1 . مصادر التشريع الإسلامي: 26.
2 . آل عمران: 137ـ 138.
3. الإسراء: 76 ـ 77.
4. هود: 82 ـ 83.
(455)
القياس، لعاد الكلام هزلاً غير منسجم.
وثانياً: نفترض انّ الآية بصدد بيان انّ حكم النظير، يستكشف من حكم النظير ولكن مصبّها، هو الأُمور الكونيّة لا الأُمور التشريعية والأحكام الاعتبارية فتعميم مدلول الآية في الأُولى إلى الثانية يحتاج إلى الدليل، وإثبات التعميم بالتمسك بالقياس مستلزم للدور.
وثالثاً: نفترض انّها بصدد إضفاء الحجّية على القياس في التشريع أيضاً، وانّ حكم الفرع يعلم في حكم الأصل فيما إذا توفّرت علة الحكم بينهما بحيث يجعلهما كصنوان على أساس واحد، ولكن ما هو المسلك الكاشف عن توفر العلّة، فالآية ساكتة عنه، فهل المسلك الكاشف هو:
1. تنصيص الشارع في كلامه.
2.أو الإجماع على وحدة العلّة.
3. أو تنقيح المناط حسب فهم العرف من الكلام.
4. أو تخريج المناط بالسبر والتقسيم.
وبما انّ الآية ساكتة عن هذه الجهة فلا يصحّ الاستدلال بها على حجّية القياس على وجه الإطلاق.
2. آية الردّ إلى اللّه والرسول
قوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً).(1)
1 . النساء: 59.
(456)
وجه الاستدلال: أنّ اللّه سبحانه أمر المؤمنين ـ بأنّهم إن تنازعوا واختلفوا في شيء ليس للّه ولا لرسوله ولا لأُولي الأمر منهم فيه حكم ـ أن يردُّوه إلى اللّه وإلى الرسول، وردّه أي إرجاعه إلى اللّه وإلى الرسول بإطلاقه يشمل كلّ ما يصدق عليه أنّه ردّ إليهما، فردّه إلى قواعد الشرع الكلية ردّ إلى اللّه ورسوله، وردّ ما لا نصّ فيه إلى ما فيه النصّ، والحكم عليه بحكم النصّ لتساوي الواقعتين في العلّة التي بُني عليها الحكم، هو ردّ المتنازع فيه إلى اللّه ورسوله.
والحاصل: انّ القياس بعد استنباط علّته بالطرق الظنية من الكتاب والسنّة يكون ردّاً إلى اللّه والرسول وبما انّا مأمورون بالرجوع إليها بهذه الآية، فتكون النتيجة: نحن مأمورون بالرجوع إلى القياس في التنازع.
قال أبو زهرة:وليس الردّ إلى اللّه وإلى الرسول إلاّ بتعرّف الأمارات الدالّة منهما على ما يرميان إليه، وذلك بتعليل أحكامهما والبناء عليها، وذلك هو القياس.(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: إنّ الردّ إلى اللّه ورسوله يتحقّق إمّا بالرجوع إليهم وسؤالهم عن حكم الواقعة قال سبحانه:(فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ). (2)
أو إرجاعها إلى الضابطة الكلّية التي ذكرها الرسول، فمثلاً إذا شككنا في لزوم شرط ذكره المتعاقدون في العقد وعدمه، فنرجع إلى الضابطة التي ذكرها الرسول في باب الشروط وقال: إنّ المسلمين عند شروطهم، إلاّ شرطاً حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً.(3)
قال القرطبي في تفسير قوله: (فردّوه إلى اللّه والرسول) أي ردّوا ذلك الحكم
1 . أُصول الفقه: 207.
2 . الأنبياء: 7.
3. الوسائل: الجزء 12، الباب 6 من أبواب الخيار، الحديث 5.
(457)
إلى كتاب اللّه أو إلى رسوله بالسؤال في حياته أو بالنظر إلى سنّته بعد وفاته وهذا قول مجاهد والأعمش وقتادة وهو الصحيح ـ إلى أن قال ـ : «وقد استنبط عليّ ـ رضي اللّه عنه ـ مدة أقل الحمل ـ و هو ستة أشهر من قوله تعالى: (وَحَمْلُهُ وَفِصالهُ ثَلاثُونَ شَهراً) وقوله تعالى: (والوالدات يُرضعنّ أولادهنّ حولين كاملين) فإذا فصلنا الحولين من ثلاثين شهراً بقيت ستة أشهر .(1)
وأين هذا (أي الرد إلى كتاب اللّه وسنّة رسوله)، من الرجوع إلى القياس لأنّ قياس ما لا نصّ فيه على ما نصّ فيه لأجل تساوي الواقعتين في شيء أو في أشياء نحتمل أو نظنّ أن تكون جهة المشاركة هي العلّة لبناء الحكم، ليس ردّاً إلى اللّه ورسوله، لأنّ العلّة، ليست منصوصة في كلامه أو كلام نبيّه، بل مستنبطة بطريق من الطرق التي لا نذعن بإصابتها، وبذلك يظهر ضعف ما استند إليه الشيخ أبوزهرة، وذلك لأنّ الاهتداء بتعليل الأحكام إلى نفسها إنّما يصحّ إذا كانت العلّة مذكورة في كلامه سبحانه أو كلام رسوله، لا ما إذا قام العقل الظنيّ باستخراج العلّة بالسبر والتقسيم أو بغيرهما من الطرق.
وثانياً: انّ الآية نزلت في مورد التخاصم والتحاكم، كما يدلّ عليه قوله سبحانه في نفس الآية: (فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى اللّه والرسول)، وقوله سبحانه بعد هذه الآية: (أَلَمْ تَرَ إِلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ)(2). ومن المعلوم أنّ الرجوع إلى القياس الظني لا يفضّ نزاعاً ولا يقطع اختلافاً، وإنّما يقطع النزاعُ الرجوعَ إلى كتاب اللّه وسنّة رسوله اللّذين لا يختلف فيهما اثنان، ولذلك تختلف فتاوى العلماء القائلين بحجيّة القياس في موارد كثيرة حيث إنّ
1 . تفسير القرطبي:5/262.
2 . النساء:60.
(458)
البعض يرى توفر شروط العمل به دون البعض الآخر، ومثله لا يقطع الخصومة.
وثالثاً: انّ مصب الآية هو التنازع فلو دلت الآية على حجّية القياس في باب التحاكم لاختصت دلالتها به، وتعميمها إلى باب الإفتاء، يحتاج إلى الدليل والتمسك بالقياس في هذا المورد، يستلزم الدور، لأنّ حجّية الآية في مورد الافتاء تتوقف على حجّية القياس، والمفروض، انّ حجّيته موقوف على دلالة الآية.(1)
3. آية الاستنباط
قال سبحانه:(وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَولا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَليلاً). (2)
وقد استدلّ به السرخسي في أُصوله، وقال: والاستنباط استخراج المعنى من المنصوص بالرأي، وقيل: المراد بأُولي الأمر: أُمراء السرايا، وقيل: العلماء وهو الأظهر، فإنّ أُمراء السرايا إنّما يستنبطونه بالرأي إذا كانوا علماء.(3)
وقد تفرّد السرخسي في الاستدلال بها، والمشهور هو الاستدلال بالآية السابقة، غير أنّ تفسير أُولي الأمر بالعلماء تفسير على خلاف الظاهر، وإلاّ لقال: «أُولي العلم منهم»، كما قال سبحانه:(شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّهُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بالْقِسْطِ). (4)
يقول العلاّمة الطباطبائي: ومورد قوله: (وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوفِ) هي الأخبار التي لها جذور سياسية ترتبط بأطراف شيء ربّما أفضى قبولها، أو ردّها، أو إهمالها بما فيها من المفاسد والمضار الاجتماعية إلى ما لا يمكن
1 . الأُصول العامة:319.
2 . النساء: 83.
3. أُصول الفقه:2/128.
4. آل عمران: 18.
(459)
أن يستصلح بأيّ مصلح آخر، أو يبطل مساعي أُمّة في طريق سعادتها، أو يذهب بسؤددهم و يضرب بالذلّة و المسكنة والقتل و الأسر عليهم، وأيّ خبرة للعلماء من حيث إنّهم محدّثون أو فقهاء أو قرّاء أو نحوهم في هذه القضايا حتى يأمر اللّه سبحانه بإرجاعها وردّها إليهم.(1)
وأمّا من هم «أُولي الأمر» في زمن نزول الآية، فلسنا بصدد بيانه، وعلى أيّ حال لا صلة للآية بالقياس أبداً، بل هدف الآية الإشارة إلى أنّ واجب المسلمين إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول اللّه من أمن أو خوف أو سلامة و خلل، هو عدم إذاعة ما سمعوه، وردّه إلى أُولي الأمر الذين يستخرجون صحّة أو سقم ما وصل إليهم من الخبر بفطنتهم وتجاربهم، وهل تجويز الاستنباط في المسائل السياسيّة بالقرائن يكون دليلاً على جواز استنباط الأحكام الشرعيّة بالقياس؟
4. آية النشأة الأُولى
قوله سبحانه: (وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِي العِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ* قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشأَها أَوَّلَ مَرَّة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ) (2).
فإنّ الآية الثانية جواب لما ورد في الآية الأُولى من قوله: (مَنْ يُحْيِي العِظامَ وَهِيَ رَميمٌ)فأُجيب بالقياس، فإنّ اللّه سبحانه قاس إعادة المخلوقات بعد فنائها على بدء خلقها وإنشائها أوّل مرّة، لإقناع الجاحدين بأنّ من قدر على خلق الشيء وإنشائه أوّل مرّة قادر على أن يعيده بل هذا أهون عليه.
فهذا الاستدلال بالقياس، إقرار لحجّية القياس وصحّة الاستدلال به وهو
1 . الميزان: 5/23.
2 . يس: 78 ـ 79.
(460)
قياس في الحسيات ولكنّه يدلّ على أنّ النظير ونظيره يتساويان.(1)
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ اللّه سبحانه لم يدخل من باب القياس، وهو أجل من أن يقيس شيئاً على شيء، وإنّما دخل من باب البرهان، فأشار إلى سعة قدرته ووجود الملازمة بين القدرة على إنشاء العظام وإيجادها أوّل مرّة بلا سابق وجوده، وبين القدرة على إحيائها من جديد، بل القدرة على الثاني أولى، فإذا ثبتت الملازمة بين القدرتين والمفروض أنّ الملزوم وهي القدرة على إنشائها أوّل مرّة موجودة، فلابدّ أن يثبت اللازم، وهي القدرة على إحيائها وهي رميم، فأين هو من القياس؟!
ولو صحّت تسمية الاستدلال قياساً، فهو من باب القياس الأولوي الذي فرغنا عن كونه خارجاً عن مورد النزاع، ويدلّ على ذلك أنّه سبحانه لم يقتصر بهذا البرهان، بل أشار إلى سعة قدرته بآية أُخرى بعدها وقال: (أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ بِقادِر عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الخَلاّقُ العَلِيمُ).(2)
والآيات كسبيكة واحدة والهدف من ورائها تنبيه المخاطب على أنّ استبعاد إحياء العظام الرميمة في غير محلّه، إذ لو كانت قدرته سبحانه محدودة لكان له وجه، وأمّا إذا وسعت قدرته كلَّ شيء بشهادة أنّه خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكوراً، وخلق السماوات والأرض وهي خلق أعظم من الإنسان، لكان أقدر على معاد الإنسان وإحياء عظامه الرميمة.
وليس كلّ استدلال عقلي قياساً.
وثانياً: سلّمنا دلالة الآية على حجّية القياس لكن مصبّها هو قياس الأُمور الكونيّة بعضها ببعض فيما إذا كانت الجهة المشتركة بين المقيس والمقيس عليه،
1 . مصادر التشريع:27.
2 . يس: 81.
(461)
أمراً واضحاً كالشمس في رائعة النهار، وأين هذا من القياس في الأُمور التشريعية الاعتبارية في الموارد التي يصل المجتهد فيها إلى الجهة المشتركة بالسبر والتقسيم وربما يظن الذي لا يفيد سوى الظن بالمشاركة، فتعميم مفاد الآية إلى التشريع لا يصحّ إلاّ بضرب من القياس والاستدلال عليه بالآية عندئذ يستلزم الدور كما مرّ نظيره.
5. آية جزاء الصيد
قال اللّه تعالى: (لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْل مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الكَعْبَةِ) (1).
قال الشافعي: فأمرهم بالمثْل، وجعل المثْل إلى عدلين يحكمان فيه فلمّا حُرِّم مأكولُ الصيد عامّاً كانت لدوابّ الصيد أمثال على الأبدان، فحكم مَنْ حكم من أصحاب رسول اللّه على ذلك فقضى في الضَّبع بكبش وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة. (2)
والعلم يحيط أنّهم أرادوا في هذا، المثل بالبدن لا بالقيم، ولو حكموا على القيم اختلفت أحكامهم لاختلاف أثمان الصيد في البلدان، وفي الأزمان وأحكامهم فيها واحدة.
والعلم يحيط أنّ اليربوع ليس مثل الجفرة في البدن، ولكنّها كانت أقرب الأشياء منه شبهاً فجعلت مثله، وهذا من القياس، يتقارب تقارب العنز والظبي،
1 . المائدة: 95.
2 . العناق ـ بفتح العين المهملة ـ : هي الأُنثى من أولاد المعز ما لم يتمّ له سنة ،والجفرة: ما لم يبلغ أربعة أشهر وفصل عن أُمّه وأخذ في الرعي.
(462)
ويبعد قليلاً بعد الجفرة من اليربوع.(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ حاصل مفاد الآية أنّه يشترط في الكفارة أن تكون مماثلة لما قتله من النعم إمّا مماثلة في الخلقة كما هو المشهور، أو المماثلة في القيمة كما هو المنقول عن إبراهيم النخعي، وعلى أيّ تقدير فلا صلة له بحجّية القياس في استنباط الأحكام الشرعية وكونه من مصادرها، لأنّ أقصى ما يستفاد من الآية أنّ المحرم إذا قتل الصيد متعمّداً فجزاؤه هو ذبح ما يشبه الصيد في الخلقة كالبدنة في قتل النعامة، والبقرة في قتل الحمار الوحشي وهكذا، وهل اعتبار التشابه في مورد يكون دليلاً على أنّ الشارع أخذ به في جميع الموارد، أو يقتصر بمورده ولا يصحّ التجاوز عن المورد إلاّ بالقول بالقياس غير الثابت إلاّ بهذه الآية، وهل هذا إلاّ دور واضح؟
إنّ وزان التمسّك بالآية في حجّية القياس نظير الاستدلال عليها بقول الفقهاء في ضمان المثلي بالمثلي والقيمي بالقيمي، حيث اقتصر في براءة الذمّة، بالمماثلة، في العين أو قيمتها.
وثانياً: أنّ محطّ البحث هو كون القياس من مصادر التشريع للأحكام الشرعية الكلّية، وأين هذا من كون التشابه معياراً في تشخيص مصداق الواجب على الصائد؟
وربما يستدلّ بالآية بوجه آخر، وهو انّه سبحانه أوجب المثل وجعل طريق تشخيص المماثلة هو الظن. (2)
يلاحظ عليه: أنّ حجّية الظنّ في مورد لا يكون دليلاً على اعتباره في سائر الموارد كما سيوافيك.
1 . الرسالة: 491، ذكره في باب الاجتهاد ،وهو عنده مساو للقياس كما مرّ.
2 . الطوسي: العدة:2/276.
(463)
وقد استدلّ الشوكاني(1) بوجه ثالث قريب من الوجه الثاني هو انّه سبحانه أوجب المثل ولم يقل أيّ مثل فوكّل ذلك إلى اجتهادنا ورأينا، نظيره أنّه أمر بالتوجه إلى القبلة بالاستدلال وقال: (حيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره).(2)
يلاحظ عليه: أنّ الشارع وإن ترك لناتشخيص الموضوعات، إلاّ أنّه جعل لها طرقاً كالبيّنة، مضافاً إلى الطرق العلمية في مورد القبلة، وكون القياس أحد هذه الطرق أوّل الكلام.
6. آية القدر
وتعلّقوا أيضاً بقوله تعالى: (وَعَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى المُقْتِرِقَدَرُهُ). (3) قالوا: والمثلية والمقدار طريقة غالب الظن وبقوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) . (4)قالوا: وذلك طريقة غالب الظن. (5)
يلاحظ عليه: أنّه إذا ثبتت حجّية الظنّ في مورد أو موردين لا يكون دليلاً على حجّيته مطلقاً، ولو قيل بذلك يصير قياساً وكلامنا في مسألة القياس، فكيف يستدلّ به على نفسه؟
7. آية العدل
واستدلّ ابن تيمية على حجّية القياس بقوله سبحانه:(إِنّ اللّه يأْمُر بالعدل والإِحسان وإيتاء ذي القربى).(6) بتقريب انّ العدل هو التسوية، والقياس هو التسوية بين مثلين في الحكم فيتناوله عموم الآية.
1 . إرشاد الفحول: 201.
2 . البقرة:201.
3. البقرة: 236.
4. النساء : 3.
5. عدة الأُصول:2/276.
6. النحل:90.
(464)
يلاحظ عليه: أنّ اللّه سبحانه يأمر بالعدل والإحسان والنهي عن الظلم والبغي في الحياة الفردية والاجتماعية، وأي صلة للآية بالقياس في الأحكام وانّ المثلين في المناط المتسخرج عن طريق السبر والتقسيم يجب أن يكونا متماثلين.
يقول الشوكاني: لو قلنا بدلالة الآية على حجّية القياس فإنّما نقول بها في الأقيسة التي قام الدليل على نفي الفارق فيها لا الأقيسة التي هي شعبة من شعب الرأي ونوع من الظنون الزائغة وخصلة من خصال الخيالات الزائفة.(1)
وقد تمسّكوا بآيات أُخرى ليس لها أيّ مساس بحجّية القياس، فلنذكر ما استدلّوا به على صحّته من السنّة.
***
2. الاستدلال بالسنّة
استدلّ القائلون بالقياس بروايات نذكر ما هو المهمّ منها:
1. حديث معاذ بن جبل
احتجّ غير واحد من أصحاب القياس بحديث معاذ بن جبل والاحتجاج فرع إتقان الرواية سنداً ومتناً وإليك بيانها:
عن الحرث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة، عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص:
إنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حين بعثه إلى اليمن، فقال: كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟
قال: أقضي بما في كتاب اللّه.
1 . إرشاد الفحول:202.
(465)
قال: فإن لم يكن في كتاب اللّه؟
قال: فبسنّة رسول اللّه.
قال: فإن لم يكن في سنّة رسول اللّه؟
قال: أجتهد رأيي، لا آلو.
قال: فضرب رسول اللّه صدري، ثمّ قال: الحمد للّه الذي وفّق رسول رسول اللّه لما يرضى رسول اللّه .(1)
وقد استدلّ به الإمام الشافعي، فقال ـ بعدما أفاد أنّ القياس حجّة فيما لم يكن في المورد نصّ كتاب أو سنّة ـ: فما القياس؟ أهو الاجتهاد أم هما مفترقان؟ثمّ أجاب: هما اسمان لمعنى واحد.(2)
وقال في موضع آخر: أمّا الكتاب والسنّة فيدلاّن على ذلك، لأنّه إذا أمر النبي بالاجتهاد فالاجتهاد أبداً لا يكون إلاّ على طلب شيء، وطلب الشيء لا يكون إلاّبدلائل، والدلائل هي القياس.(3)
وقال أبو الحسين البصري: وجه الاستدلال به أنّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ صوّبه في قوله: أجتهد رأيي عند الانتقال من الكتاب والسنّة، فعلمنا أنّ قوله: أجتهد رأيي، لم ينصرف إلى الحكم بالكتاب والسنّة.(4)
وثمّة كلمات متماثلة لما ذكرنا في تقريب الاستدلال به.
لكنّ الحديث ضعيف سنداً وغير تام دلالة.
1 . مسند أحمد: 5/230; سنن الدارمي:170; سنن أبي داود:3/303 برقم 3593; سنن الترمذي: 3/616برقم 1328، ينتهي سند الجميع إلى حارث بن عمرو عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص.
2 . الرسالة: 477 و505، طبع مصر، تحقيق أحمد محمد شاكر.
3. الرسالة: 477 و505، طبع مصر، تحقيق أحمد محمد شاكر.
4. المعتمد:2/222.
(466)
أمّا السند، ففيه الأُمور التالية:
1. إنّ أبا عون محمد بن عبيد اللّه الثقفي الوارد في السند، مجهول لم يعرف.
2. إنّ الحارث بن عمرو، مجهول مثله ولم يعرف سوى أنّه ابن أخي المغيرة بن شعبة.
3. إنّ الحارث بن عمرو، ينقل عن أُناس من أهل حمص وهم مجهولون فتكون الرواية مرسلة. وبعد هذه الأُمور أفيصحّ الاستدلال بحديث يرويه مجهول عن مجهول عن مجاهيل؟!
قال ابن حزم: وأمّا خبر معاذ، فإنّه لا يحلّ الاحتجاج به لسقوطه، وذلك أنّه لم يُروَ قطّ إلاّ من طريق الحارث بن عمرو وهو مجهول لا يدري أحد من هو: حدّثني أحمد بن محمد العذري، حدثنا أبوذر الهروي، حدثنا زاهر بن أحمد الفقيه، حدثنا زنجويه بن محمد النيسابوري، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري فذكر سند هذا الحديث، وقال:
قال البخاري: ولا يعرف الحارث إلاّ بهذا ولا يصحّ. هذا نصّ كلام البخاري في تاريخه الأوسط، ثمّ هو عن رجال من أهل حمص لا يدرى من هم.(1)
وقال الذهبي: الحارث بن عمرو، عن رجال، عن معاذ بحديث الاجتهاد، قال البخاري: لا يصحّ حديثه.
قلت: تفرّد به أبو عون(محمد بن عبيد اللّه الثقفي) عن الحارث بن عمرو الثقفي ابن أخي المغيرة وما روى عن الحارث، غير أبي عون و هو مجهول.
وقال الترمذي: ليس إسناده عندي بمتّصل.(2)
1 . الإحكام: 5/207.
2 . ميزان الاعتدال:1/439 برقم 1635.
(467)
وقال السيد المرتضى: إنّ حديث معاذ خبر واحد وبمثله لا تثبت الأُصول المعلومة، ولو ثبتت بأخبار الآحاد لم يجز ثبوتها بمثل خبر معاذ، لأنّ رُواته مجهولون.وقيل: رواه جماعة من أصحاب معاذ ولم يُذكَروا.(1)
وفي عون المعبود: وهذا الحديث أورده الجوزقاني في «الموضوعات» وقال: هذا حديث باطل، رواه جماعة عن شعبة، وقد تصفحت هذا الحديث في أسانيد الكبار والصغار، وسألت من لقيتُه من أهل العلم بالنقل عنه فلم أجد له طريقاً غير هذا، ـ إلى أن قال: ـ فإن قيل انّ الفقهاء قاطبة أوردوه واعتمدوا عليه قيل هذا طريقه والخلف قلّد السلف .(2)
وأمّا الدلالة، فانّ الاستدلال بالحديث على حجّية القياس لا يخلو من غرابة.
أمّا أوّلاً: فلأنّها مبنية على مساواة الاجتهاد بالقياس، بل المراد به هو الاجتهاد في كتاب اللّه وسنّة رسوله حتّى يتوصل إلى حكم اللّه عن طريقهما، لأنّ الأحكام على قسمين قسم موجود في ظواهر الكتاب والسنّة لا يحتاج إلى بذل الجهد، بل يعرفه كلّ من يعرف اللغة، وقسم منه غير موجود في ظواهره لكن يمكن التوصل إليها عن طريقهما بالتدبر فيهما.
وهذا هو الاجتهاد الدارج بين العلماء، وأين هذا من القياس الذي ورد فيه النص على حكم الأصل دون الفرع، والقايس يبذل جهده، ليجد فيهما التشابه، حتّى يسري حكم الأصل إلى الفرع.
قال المرتضى: ولا يُنكر أن يكون معنى قوله: «أجتهد رأيي» أي أجتهد
1 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 2/773.
2 . عون المعبود شرح سنن أبي داود:9/510.
(468)
حتى أجد حكم اللّه تعالى في الحادثة، من الكتاب والسنّة، إذ كان في أحكام اللّه فيهما ما لا يتوصّل إليه إلاّ بالاجتهاد، ولا يوجد في ظواهر النصوص، فادّعاؤهم أنّ إلحاق الفروع بالأُصول في الحكم لعلّة يستخرجها القياس، هو الاجتهاد الذي عناه في الخبر، ممّا لا دليل عليه ولا سبيل إلى تصحيحه.(1)
وثانياً: أنّ تجويز القياس في القضاء لا يكون دليلاً على تجويزه في الإفتاء، لأنّ القضاء أمر لا يمكن تأخيره، بخلاف الإفتاء، فالاستدلال بجواز القياس في القضاء على جوازه في الإفتاء، مبنيّ على صحّة القياس وهو دور واضح.
وثالثاً: أنّ القضاء منصب خطر إذ به تصان الدماء والأعراض والأموال، كما به تباح النواميس والشؤون الخطيرة، فهل يمكن أن يبعث النبي رجلاً ويخوّل له النبي التصرف في مهام الأُمور، باعمال الرأي من دون أن يحددّه على وجه يصونه عن الخطأ ومجانبة الواقع، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ المراد من الاجتهاد هو استخراج حكم الواقعة عن المصدرين بالتأمل فيهما، لا إعمال الرأي بأقسامه المختلفة التي ربما لا تمس الواقع غالباً.
وهذا يكشف عن وجود خصوصية في معاذ تصدّه عن استعمال الرأي الخارج عن حدود الكتاب والسنّة، وإلاّ لما خوله أمر القضاء من دون تحديده.
ويشهد على ما ذكرنا ما حكي من سيرة معاذ حيث إنّه لم يكن يجتهد برأيه في الأحكام و إنّما كان يتوقّف حتى يسأل النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .
روى يحيى بن الحكم أنّ معاذاً قال: بعثني رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أُصدِّق أهلَ اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر من كلِّ ثلاثين تبيعاً، و من كلّ أربعين مُسِنَّةً قـال: فعرضوا عليّ أن آخذ من الأربعين فأبيت ذاك، وقلت لهم: حتى أسأل
1 . الذريعة:2/776.
(469)
رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن ذلك.
فقدمتُ، فأخبرت النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأمرني أن آخذ من كلّ ثلاثين تبيعاً، و من كلّ أربعين مُسِنَّةً.(1)
فإذا كانت هذه سيرته فكيف يقضي بالظنون و الاعتبارات؟!
ثمّ إنّ هناك نقطة جديرة بالذكر، وهي أنّ القضاء منصب خطير لا يشغله إلاّالعارف بالكتاب والسنّة والخبير في فضّ الخصومات، فالنبيّ الذي نصّبه للقضاء لابدّ أن يعلِّمه الكتاب والسنّة أوّلاً وأن يكون واقفاً على مدى إحاطته بهما، ثم يبعثه إلى القضاء وفصل الخصومات مع المعرفة التامّة لحال القاضي.
وعلى هذا (أي لزوم المعرفة بكفاءة المبعوث قبل البعث) يكون السؤال بقوله: «فكيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب اللّه» أمراً لغواً، وهذا يعرب عن أنّ الحديث لم ينقل على الوجه الصحيح، وستوافيك الصور الأُخرى للرواية.
قال الرازي: إنّ الحديث يقتضي أنّه سأله عمّا به يقضي بعد أن نصبه للقضاء، وذلك لا يجوز لأنّ جواز نصبه للقضاء مشروط بصلاحيته للقضاء، وهذه الصلاحية إنّما تثبت لو ثبت كونه عالماً بالشيء الذي يجب أن يقضي به والشيء الذي لا يجب أن يقضي به.(2)
ثمّ إنّ المتمسّكين بالحديث لمّا رأوا ضعف الحديث سنداً ودلالة، حاولوا تصحيح التمسّك بقولهم بأنّ خبر معاذ خبر مشهور ولو كان مرسلاً، لكنّ الأُمّة تلقّته بالقبول.(3)
1 . مسند أحمد بن حنبل:5/240; المسند الجامع: 15/230 برقم (11518ـ 41).
2 . المحصول: 2/255.
3. الحاصل من المحصول: 2/163.
(470)
لكن عزب عن المستدلّ أنّ اشتهار الحديث نتيجة الاستدلال به للقياس ولولا كونه مصدراً لمقالة أهل القياس لما نال تلك الشهرة.
يقول السيد المرتضى: أمّا تلقّي الأُمّة له بالقبول، فغير معلوم، فقد بيّنا أنّ قبول الأُمّة لأمثال هذه الأخبار كقبولهم لمسّ الذكر، و ما جرى مجراه ممّا لا يُقطع به ولا يُعلم صحّته.(1)
إلى هنا تمّ مناقشة الحديث سنداً ودلالة، وتبيّن أنّ الحديث غير صالح للاحتجاج به .
الصور الأُخرى للحديث
إنّ الحديث قد ورد بصور مختلفة وبينها تضادّ كبير في المضمون، وإليك هذه الصور:
الصورة الأُولى: ما رواه ابن حزم قال: حدثنا حمام وأبو عمر الطلمنكي قال حمام: حدثنا أبو محمد الباجي، حدثنا عبد اللّه بن يونس، قال: حدثنا بقى(2) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة.
وقال الطلمنكي: حدثنا ابن مفرج، حدثنا إبراهيم بن أحمد بن فراس، قال: حدثنا محمد بن علي بن زيد، حدثنا سعيد بن منصور، ثمّ اتّفق ابن أبي شيبة وسعيد كلاهما عن أبي معاوية الضرير. حدثنا أبو إسحاق الشيباني عن محمد بن عبيد اللّه الثقفي ـ أبو عون ـ قال: لمّا بعث رسول اللّه معاذاً إلى اليمن، قال: يا معاذ بم تقضي؟ قال: أقضي بما في كتاب اللّه، قال: فإن جاءك
1 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 2/774.
2 . هكذا في المصدر.
(471)
أمر ليس في كتاب اللّه ولم يقض به نبيّه؟ قال: أقضي بما قضى به الصالحون. قال: فإن جاءك أمر ليس في كتاب اللّه ولم يقض به نبيّه ولا قضى به الصالحون؟ قال: أومَّ الحقّ جهدي.
فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : الحمد للّه الذي جعل رسول رسول اللّه يقضي بما يُرضى به رسول اللّه.(1)
ترى أنّ معاذاً يقدّم ما قضى به الصالحون على كلّ شيء، بعد الكتاب والسنّة، ولعلّ مراده هي الأعراف السائدة بين المجتمعات التي تكون مرجعاً للقضاء كما أوضحنا في بعض محاضراتنا الأُصوليّة(2) حالها عند دراسة حجّية العرف والأعراف. ويحتمل أن يكون مراده، هو ما ورد في الشرائع السالفة.
كما أنّ مراده من قوله: «أومّ الحقّ» هو التفكّر في الأُصول والقواعد الواردة في الكتاب والسنّة.
أضف إلى ذلك أنّ الرواية مرسلة، لأنّ أبا عون لا يروي عن «معاذ» مباشرة، لتأخّر طبقته في الحديث عن «معاذ» بطبقتين.
الصورة الثانية: عن عبد الرحمان بن غنم، قال: حدثنا معاذ بن جبل، قال:
لمّا بعثني رسول اللّه إلى اليمن، قال: لا تقضينّولا تفصِلنّ إلاّبما تعلم، وإن أشكل عليك أمر فقف حتى تبيّنه أو تكتب إليَّ فيه.(3)
وهي: متّصلة السند ولكن المتن غير ما جاء في الحديث بل يغايره تماماً، وينفي مقالة حماة القياس.
الصورة الثالثة: ما وردت في الكتب الأُصولية ولعلّها منقولة بالمعنى.
قال أبو الحسين البصريّ : روي عن النبيّ، أنّه قال لمعاذ وأبي موسى
1 . الإحكام: 5/208.
2 . إرشاد العقول:1/285ـ 291.
3. أخرجه ابن ماجة برقم 55.
(472)
الأشعري، وقد أنفذهما إلى اليمن، بم تقضيان؟
قالا: إن لم نجد الحكم في السنّة، قسنا الأمر بالأمر، فما كان أقرب إلى الحقّ عملنا به.(1)
ونقله الرازي في «المحصول»، وقال: روي أنّه أنفذ معاذاً وأبا موسى الأشعري إلى اليمن فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لهما: بما تقضيان، فقالا: إذا لم نجد الحكم في السنّة نقيس الأمر بالأمر فما كان أقرب إلى الحقّ عملنا به.
فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : أصبتما.(2)
وتبعه الأرموي في «التحصيل من المحصول».(3)
والظاهر أنّ الحديث نقل بالمعنى حسب فهم الراوي، ولم نعثر على هذا النصّ في الصحاح والمسانيد.
نعم أخرج أحمد عن أبي بردة عن أبي موسى أنّ رسول اللّه بعث معاذاً وأبا موسى إلى اليمن فأمرهما أن يعلّما الناس القرآن.(4)
وعلى أيّ تقدير فالرواية مرسلة أوّلاً، وإجابة الرجلين بجواب واحد في زمان واحد بعيد ثانياً، واختصاصها بالقضاء دون الإفتاء ثالثاً، وتفويض أمر القضاء إلى رأي الرجلين دون تحديد له، يلازم التهاون بالنواميس رابعاً، فلا محيص عن القول بوجود خصوصية فيهما كانت تصدهما عن الإفتاء بالرأي الذي ليس له جذر في الكتاب والسنّة.
1 . المعتمد:2/222.
2 . المحصول: 2/254.
3. الحاصل من المحصول: 2/163.
4. مسند أحمد بن حنبل: 4/397.