السبت 29 جمادى الثّانيه 1433 - Sat 19 May 2012  
  • الصفحة الرئيسية
  • RSS
  • إتصل بنا
  • الموقع الفارسي




(576)

مصادر التشريع فيما لا نصّ فيه عند أهل السنّة

7
إجماع أهل المدينة

قد نقل انّ مالك بن أنس اعتمد في فقهه على أحد عشر دليلاً:

1. القرآن، 2. السنّة، 3. الإجماع، 4. إجماع أهل المدينة، 5. القياس، 6.قول الصحابي، 7. المصلحة المرسلة، 8. العرف والعادة، 9. سدّ الذرائع، 10. الاستصحاب، 11. الاستحسان.

غير أنّ الشاطبي في «الموافقات» أرجع هذه الأدلّة إلى أربعة، وهي: الكتاب والسنّة والإجماع والرأي، فإنّ إجماع أهل المدينة وقول الصحابي كاشفان عن السنّة فهما من شعبها، والخمسة الباقية من شعب الرأي ومن وجوهه.

وعلى كلّ تقدير فقد ذهب مالك إلى حجّية اتّفاق أهل المدينة قائلاً: بأنّ المدينة دار الهجرة، وبها نزل القرآن وأقام رسول اللّه وأقام صحابته، وأهل المدينة أعرف الناس بالتنزيل وبما كان من بيان رسول اللّه للوحي، وهذه ميزات ليست لغيرهم، وعلى هذا فالحقّ لا يخرج عمّا يذهبون إليه، فيكون عملهم حجّة يقدّم على القياس وخبر الواحد.

وقد أوجد مشربه هذا ضجة كبيرة بين معاصريه، فردّ عليه فقيه عصره


(577)

اللّيث بن سعد في رسالة مفصّلة نقد فيها قسماً من آراء مالك التي أفتى بها نظراً لاتّفاق أهل المدينة عليها وإن كان موضع خلاف بينهم وبين من خرجوا من دار الهجرة إلى غيرها من أمصار الإسلام، وهذه المسائل عبارة عن:

1. الجمع بين الصلاتين ليلة المطر.

2. القضاء بشهادة واحد ويمين صاحب الحق.

3. طلب المرأة مؤخّر صداقها حال قيام الزوجية.

4. الإيلاء ووقوع الطلاق به.

5. الحكم إذا ملّك الزوج امرأته أمرها.

6. ترتيب أعمال صلاة الاستسقاء.

7. زكاة أموال الخليطين.

8. المفلس وقد باعه رجل سلعة.

9. الإسهام في الجهاد لفرس واحد أو لفرسين.

وقد نقل ابن قيّم الجوزية رسالة الليث بن سعد إلى مالك بن أنس في كتاب «أعلام الموقعين عن رب العالمين».(1)

وقد سبقه في النقل أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي (المتوفّى 277هـ) في كتابه «المعرفة والتاريخ» (2) وبسط الدكتور محمد يوسف موسى الكلام حول هذه المسائل من وجهة نظر الفقه السنّي، فمن أراد التفصيل فليرجع إليه.(3)


1 . أعلام الموقعين: 3/94ـ100.
2 . المعرفة والتاريخ: 1/687ـ697.
3. تاريخ الفقه الإسلامي: 2/90ـ 101.


(578)

ولمّا وصلت رسالة الليث إلى مالك ردّ عليها وكتب رسالة نقلها القاضي عياض (المتوفّـى 544هـ) في كتابه «ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة اعلام مذهب مالك» وحيث إنّ هذه الرسالة موجزة ننقلها بنصها، وكان الأحرى أن ننقل رسالة الليث أيضاً، لكن إسهابها عاقنا عن إثباتها بنصّها:

رسالة مالك إلى الليث بن سعد

من مالك بن أنس إلى الليث بن سعد.

سلام عليكم!

فإنّي أحمد اللّه إليك الذي لا إله إلاّهو. أمّا بعد عصمنا اللّه وإيّاك بطاعته في السر والعلانية، وعافانا وإيّاك من كلّ مكروه. اعلم رحمك اللّه أنّه بلغني أنّك تفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندنا وببلدنا الذي نحن فيه وأنت في إمامتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك، وحاجة من قبلك إليك، واعتمادهم على ما جاءهم منك، حقيق بأن تخاف على نفسك وتتبع ما ترجو النجاة باتّباعه، فإنّ اللّه تعالى يقول في كتابه: (وَ السّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرينَ وَالأَنْصار)(1) الآية. وقال تعالى: (فَبَشِّرْ عَبادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) (2) الآية. فإنّما الناس تبع لأهل المدينة، إليها كانت الهجرة، وبها نزل القرآن، وأحلّ الحلال وحرّم الحرام، إذ رسول اللّه بين أظهرهم يحضرون الوحي والتنزيل، ويأمرهم فيطيعونه، ويسنّ لهم فيتّبعونه، حتى توفّاه اللّه، واختار له ما عنده صلوات اللّه عليه ورحمته وبركاته. ثمّ قام من بعده أتبع الناس له من أُمّته ممّن ولي الأمر من بعده، فما نزل بهم ممّا علموا أنفذوه، ومالم يكن


1 . التوبة: 100.
2 . الزمر: 17 ـ 18.


(579)

عندهم فيه علم سألوا عنه، ثمّ أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك في اجتهادهم وحداثة عهدهم، وإن خالفهم مخالف أو قال امرؤ غيره أقوى منه أو أولى، ترك قوله وعمل بغيره، ثمّ كان التابعون من بعدهم يسلكون تلك السبل ويتبعون تلك السنن، فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهراً معمولاً به لم أر لأحد خلافه للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لأحد انتحالها ولا ادّعاؤها، ولو ذهب أهل الأمصار يقولون هذا العمل ببلدنا، وهذا الذي مضى عليه من مضى منّا، لم يكونوا من ذلك على ثقة، ولم يكن لهم من ذلك الذي جاز لهم.

فانظر رحمك اللّه فيما كتبت إليك فيه لنفسك، واعلم أنّي أرجو أن لا يكون دعاني إلى ما كتبت به إليك إلاّالنصيحة للّه تعالى وحده، والنظر لك والضن بك، فانزل كتابي منك منزلته، فإنّك إن فعلت تعلم أنّي لم آلك نصحاً. وفقنا اللّه وإيّاك لطاعته وطاعة رسوله في كلّ أمر وعلى كلّ حال. والسلام عليك ورحمة اللّه، وكتب يوم الأحد لتسع مضين من صفر.(1)

ولم تكن رسالة مالك إلى الليث مقنعة لمن أتى بعده، فقد رد عليه ابن حزم الظاهري قائلاً في إبطال قول من قال: الإجماع هو إجماع أهل المدينة، فإنّ هذا قول لهج به المالكيون قديماً وحديثاً، وهو في غاية الفساد، لأنّ قولهم: إنّ أهل المدينة أعلم بأحكام رسول اللّه من سواهم كذب وباطل، وإنّما الحقّ انّ أصحاب رسول اللّه وهم العالمون بأحكامه، سواء بقى منهم من بقى بالمدينة، أو خرج منهم من خرج لم يزد(2) الباقي بالمدينة بقاءه فيها درجة في علمه وفضله ولا حطّ(3) الخارج


1 . ترتيب المدارك: 1/64ـ65.
2 . في المطبوع: لم يرد، وهو تصحيف.
3. في المطبوع: لاحظ، وهو تصحيف.


(580)

منهم عن المدينة خروجه عنها درجة من علمه وفضله.

وأمّا قولهم: شهدوا آخر حكمه وعلموا ما نسخ ممّا لم ينسخ، فتمويه فاحش وكذب ظاهر، بل الخارجون من الصحابة عن المدينة شهدوا من ذلك كالذي شهده المقيم لها منهم سواء، كعلي وابن مسعود وأنس وغيرهم، والكذب عار في الدنيا ونار في الآخرة.

فظهر فساد كلّ ما موّهوا به، وبنوه على هذا الأصل الفاسد، وأسموه بهذا الأساس المنهار.(1)

كما ردّ عليه الإمام الآمدي أيضاً بقوله: اتّفق الأكثرون على أنّ إجماع أهل المدينة وحدهم لا يكون حجّة على من خالفهم في حالة انعقاد إجماعهم، خلافاً لمالك، فإنّه قال: يكون حجّة.

ومن أصحابه من قال: إنّما أراد بذلك ترجيح روايتهم على رواية غيرهم.

ومنهم من قال: أراد به أن يكون إجماعهم أولى، ولا تمتنع مخالفته.

ومنهم من قال: أراد بذلك أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

والمختار مذهب الأكثرين، وذلك انّ الأدلّة الدالّة على أنّ الإجماع حجّة، ليست ناظرة إلى أهل المدينة دون سواهم لا سيما وانّهم لا يشكلّون كلّ الأُمة، فلا يكون إجماعهم حجة.

ثمّ ذكر من نصر مذهب مالك بالنص والعقل، وذكر من الثاني ثلاثة أوجه، ثمّ أخذ بالرد على جميع الوجوه، وخرج بالنتيجة التالية:

لا يكون إجماع أهل الحرمين: مكة والمدينة، والمصرين: الكوفة والبصرة،


1 . الإحكام: 4/586ـ587.و لكلامه صلة، فراجع.


(581)

حجّة على مخالفيهم، وإن خالف فيه قوم لما ذكرناه من الدليل.(1)

إنّ اتّفاق أهل المدينة على حكم شرعي ليس بأقوى من إجماع علماء عصر واحد على حكم شرعي، فكما أنّ الثاني لا يكون حجّة على المجتهد ولا يمكن أن يستدلّ به على الحكم الشرعي، فهكذا اتّفاق أهل المدينة خاصة انّ عنصر الاتّفاق تم على تقليد بعضهم البعض، فالاحتجاج بهذا الاتفاق ونسبته إلى الشارع بدعة وإفتاء بما لم يعلم أنّه من دين اللّه.

نعم لو كان اتفاقهم ملازماً للإصابة خاصة في العصور الأُولى، فيؤخذ به لحصول العلم، وأنّى للمجتهد إثبات تلك الملازمة، أو لو كشف اتّفاقهم عن وجود دليل معتبر وصل إليهم ولم يصل إلينا يمكن أن يحتج به.

وحصيلة البحث: أنّ اتّفاق أهل المدينة أو اتّفاق المصرين: الكوفة والبصرة رهن وجود الملازمة العادية بين الاتّفاق وإصابته للواقع، أو بين الاتّفاق ووجود دليل معتبر وإلاّ فلا قيمة لاتّفاق غير المعصوم قليلاً كان أو كثيراً.

***


1 . الإحكام في أُصول الأحكام: 1/302ـ 305.


(582)

مصادر التشريع فيما لا نصّ فيه عند أهل السنّة

8
إجماع العترة (1)

كلّ من كتب في تاريخ الفقه الإسلامي وتعرض لمنابع الفقه والأحكام غفل عن ذكر أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ وحجّية أقوالهم فضلاً عن حجّية اتّفاقهم، وذلك بعين اللّه بخس لحقوقهم، وحيث إنّ المقام يقتضي الاختصار نستعرض المهم من الأدلّة الدالّة على حجّية أقوالهم فضلاً عن اتّفاقهم على حكم من الأحكام، كقوله سبحانه:(إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).(2)

والاستدلال بالآية على عصمة أهل البيت وبالتالي حجية أقوالهم رهن أُمور:

الأوّل: الإرادة في الآية إرادة تكوينية لا تشريعية، والفرق بين الإرادتين واضحة، فإنّ إرادة التطهير بصورة التقنين تعلّقت بعامّة المكلّفين من غير


1 . وهو نفس تعبير الطوفي في رسالته. وإلاّ فالحجّة عندنا قول أحد العترة فضلاً عن إجماعهم وبما انّا قدمنا بعض الكلام في حجية قول العترة الطاهرة في الفصل الثاني من فصول جذور الاختلاف اختصرنا الكلام في المقام.
2 . الأحزاب: 33.


(583)

اختصاص بأئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ كما قال سبحانه: (وَلكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) .(1)

فلو كانت الإرادة المشار إليها في الآية إرادة تشريعية لما كان للتخصيص والحصر وجه مع انّا نجد فيها تخصيصاً بوجوه خمسة:

أ: بدأ قوله سبحانه بحرف (إِنَّما) المفيدة للحصر.

ب: قدّم الظرف (عَنْكُم) وقال: (لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ) ولم يقل ليذهب الرجس عنكم لأجل التخصيص.

ج: بيّن من تعلّقت إرادته بتطهيرهم بصيغة الاختصاص، وقال: (أَهلَ الْبَيْتِ) أي أخصّكم.

د: أكد المطلوب بتكرير الفعل، وقال: (وَيُطَهِّرَكُمْ) تأكيداً (لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْس) .

هـ: أرفقه بالمفعول المطلق، وقال: (تَطْهِيراً) .

كلّ ذلك يؤكد انّ الإرادة التي تعلّقت بتطهير أهل البيت غير الإرادة التي تعلّقت بعامة المكلّفين.

ونرى مثل هذا التخصيص في مريم البتول قال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمين) .(2)

الثاني: المرادمن الرجس كل قذارة باطنية ونفسية، كالشرك، والنفاق، وفقد الإيمان، ومساوئ الأخلاق، والصفات السيئة، والأفعال القبيحة التي يجمعها الكفر والنفاق والعصيان، فالرجس بهذا المعنى أذهبه اللّه عن أهل البيت، ولا شكّ انّ المنزّه عن الرجس بهذا المعنى يكون معصوماً من الذنب بإرادة منه سبحانه،


1 . المائدة: 6.
2 . آل عمران: 42.


(584)

كيف وقد ربّاهم اللّه سبحانه وجعلهم هداة للأُمة كما بعث أنبياءه ورسله لتلك الغاية.

الثالث: المراد من أهل البيت هوعلي وفاطمة وأولادهما، لأنّ أهل البيت وإن كان يطلق على النساء والزوجات بلا شك، كقوله سبحانه: (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْت) .(1) ولكن دلّ الدليل القاطع على أنّ المراد في الآية غير نساء النبي وأزواجه وذلك بوجهين:

أ: نجد انّه سبحانه عندما يتحدّث عن أزواج النبي يذكرهن بصيغة جمع المؤنث ولا يذكرهن بصيغة الجمع المذكر، فإنّه سبحانه أتى في تلك السورة (الأحزاب) من الآية 28 إلى الآية 34 باثنين وعشرين ضميراً مؤنثاً مخاطباً بها نساء النبي، وإليك الإيعاز بها:

1. كُنْتُنّ، 2. تُرِدْنَ، 3. تَعالَيْنَ، 4. أُمتّعكُنّ، 5. أُسرّحْكُنَّ.(2)

6. كُنْتُنَّ، 7. تُرِدْنَ، 8. مِنْكُنَّ.(3)

9. مِنْكُنَّ.(4)

10. مِنْكُنَّ.(5)

11. لَسْتُنَّ، 12. إِنِ اتَّقَيْتُنَّ، 13. فَلا تَخْضَعْنَ، 14. قُلْنَ.(6)

15. قَرنَ، 16. فِي بُيُوتِكُنَّ، 17. تَبَرَّجْنَ، 18. أَقِمْنَ، 19. آتِينَ، 20. أَطِعْنَ اللّهَ.(7)


1 . هود: 73.
2 . الأحزاب: 28.
3. الأحزاب: 29.
4. الأحزاب: 30.
5. الأحزاب: 31.
6. الأحزاب: 32.
7. الأحزاب: 33.


(585)

21. اذكُرْنَ، 22. في بُيُوتِكُنَّ.(1)

وفي الوقت نفسه عندما يذكر أئمة أهل البيت في آخر الآية 33 يأتي بضمائر مذكّرة ويقول: (ليذهب عنكم... ويطهّركم) فإنّ هذا العدول دليل على أنّ الذكر الحكيم انتقل من موضوع إلى موضوع آخر، أي من نساء النبي إلى أهل بيته، فلابدّ أن يكون المراد منه غير نساءه.

ب: انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أماط الستر عن وجه الحقيقة، فقد صرّح بأسماء من نزلت الآية بحقّهم حتى يتعيّن المنظور منه باسمه ورسمه ولم يكتف بذلك، بل أدخل جميع من نزلت الآية في حقّهم تحت الكساء ومنع من دخول غيرهم.

ولم يقتصر على هذين الأمرين (ذكر الأسماء وجعل الجميع تحت كساء واحد) بل كان كلّما يمرّ ببيت فاطمة إلى ثمانية أشهر يقول: الصلاة، أهل البيت (إِنّما يُريدُ اللّه لِيُذْهبَ عَنْكُمُ الرِّجس أهلَ البيت ويُطَهِّركم تَطهيراً) .

وقد تضافرت الروايات على ذلك، ولولا خوف الإطناب لأتينا بكلِّ ما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ولكن نذكر من كلّ طائفة نموذج.

أمّا الطائفة الأُولى: أخرج الطبري في تفسير الآية عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نزلت الآية في خمسة: فيّوفي علي رضي اللّه عنه وحسن رضي اللّه عنه، وحسين رضي اللّه عنه، وفاطمة رضي اللّه عنها، (إِنّما يُريدُ اللّه لِيُذْهبَ عَنْكُمُ الرِّجس أهلَ البيت ويُطَهِّركم تَطهيراً) .

وقد رويت روايات كثيرة في هذا المجال، فمن أراد فليرجع إلى تفسير الطبري والدر المنثور للسيوطي.


1 . الأحزاب: 34.


(586)

وأمّا الطائفة الثانية: فقد روى السيوطي وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن عائشة رضي اللّه عنها، قالت: خرج رسول اللّه غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن والحسين رضي اللّه عنهما فأدخلهما معه، ثمّ جاء علي فأدخله معه، ثمّ قال: (إِنّما يُريدُ اللّه لِيُذْهبَ عَنْكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيت ويُطَهِّرَكُمْ تَطهيراً) .

ولو لم نذكر فاطمة في هذا الحديث، فقد جاء في حديث آخر، حيث روى السيوطي، قال: واخرج ابن جرير والحاكم وابن مردويه عن سعد، قال: نزل على رسول اللّه الوحي، فأدخل علياً وفاطمة وابنيهما تحت ثوبه، قال: اللّهمّ إنّ هؤلاء أهل بيتي.

وفي حديث آخر جاء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى فاطمة ومعه حسن وحسين، وعلي حتى دخل، فأدنى علياً وفاطمة فأجلسهما بين يديه وأجلس حسناً وحسيناً كلّ واحد منهما على فخذه، ثمّ لفّ عليهم ثوبه وأنا مستدبرهم، ثمّ تلا هذه الآية: (إِنّما يُريدُ اللّهُ لِيُذْهبَ عَنْكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطهيراً) .

وأمّا الطائفة الثالثة: فقد أخرج الطبري عن أنس أنّ النبي كان يمرّ ببيت فاطمة ستة أشهر كلّما خرج إلى الصلاة فيقول: الصلاة أهل البيت (إِنّما يُريدُ اللّه لِيُذْهبَ عَنْكُمُ الرِّجس أهلَ البيتِ ويُطَهِّرَكُم تَطهيراً) . (1)

والروايات تربو على أربع وثلاثين رواية، رُوِيتْ من عيون الصحابة; أبو سعيد الخدري، أنس بن مالك، ابن عباس، أبو هريرة الدوسي، سعد بن أبي وقاص، واثلة بن الأسقع، أبو الحمراء، أعني: هلال بن حارث، وأُمهات المؤمنين:


1 . وللوقوف على مصادر هذه الروايات لاحظ: تفسير الطبري:22/5ـ7، والدر المنثور: 5/198ـ 199.


(587)

عائشة وأُمّ سلمة. (1)

فعلى ضوء هذا فأئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ معصومون من الذنب، قولاً وفعلاً فيكون قولهم كاتفاقهم حجّة وإن غاب هذا الأمر عن أكثر إخواننا أهل السنّة.

نعم قد عدّ نجم الدين الطوفي (المتوفّـى 716هـ) إجماع العترة الطاهرة من مصادر التشريع الإسلامي كما أنهاها إلى 19 مصدراً، وإليك رؤوسها:

1. الكتاب.

2. السنّة.

3. إجماع الأُمّة.

4. إجماع أهل المدينة.

5. القياس.

6. قول الصحابي.

7. المصلحة المرسلة.

8. الاستصحاب.

9. البراءة الشرعية.

10. العوائد.

11. الاستقراء.

12. سد الذرائع.

13. الاستدلال.

14. الاستحسان.

15. الأخذ بالأخف.

16. العصمة.

17. إجماع أهل الكوفة.

18. إجماع العترة.

19. إجماع الخلفاء الأربعة.(2)

ولا يخفى انّ بعضها متّفق عليه وبعضها مختلف فيه، وانّ كثيراً ممّا عدّه من مصادر التشريع قابل للإدغام في البعض الآخر، كما مرّ في بعض الفصول.

إلى هنا تمّ بيان ما هو مصادر التشريع عند أهل السنّة، وإليك الكلام فيما بقي من جذور الاختلاف.


1 . ورواه مسلم في صحيحه: 7/122ـ123.ولاحظ جامع الأُصول لابن الأثير: 10/103.
2 . رسالة الطوفي، نشرها الأُستاذ عبد الوهاب خلاف في مصادر التشريع الإسلامي فيما يرجع إلى المقام، ص 109.


(588)

الفصل السابع

هل الإجماع أصل برأسه
أو حاك عن الدليل؟

اتّفق الفريقان على حجّية الإجماع المحصّل و اختلفوا في وجه حجّيته وسبب كونه من مصادر التشريع; فالشيعة الإمامية على أنّه حجّة لأجل كشفه عن قول المعصوم أو دليل معتبر صدر عنه المجمعون، وعلى هذا ليس الإجماع دليلاً برأسه فلو يتمّ كشفه عن قوله أو الدليل المعتبر فلا يعدّ حجّة، وهذا بخلاف الإجماع عند أهل السنّة ، فله عندهم كيان مستقل في جعل المجمع عليه حكماً واقعيّاً، فلا يحتاج في حجّيته رجوعه إلى الأُصول الثلاثة ـ أعني: الكتاب والسنّة والعقل ـ وإنّما هو مستقل في مقابلها.

نعم يشترط أن يكون له مستند كما يقول الخضري في «أُصول الفقه» إنّه لا ينعقد الإجماع إلاّ عن مستند».

وقال بعض المعاصرين: لو كان المستند هو المصلحة أو دفع المفسدة، فالاتّفاق على حكم شرعي استناداً إلى ذلك الدليل يجعله حكماً شرعياً قطعياً، كزيادة أذان لصلاة الجمعة في عهد عثمان لإعلام الناس


(589)

بالصلاة كي لا تفوتهم حتّى صار الأذان الآخر عملاً شرعياً إلهياً وإن لم ينزل به الوحي.(1)

وعلى هذا فاتّفاق الأُمّة على شيء سبب لصيرورة المجمع عليه حكماً شرعيّاً.

هذا وينبغي الكلام في موقفين:

الأوّل: مكانة الإجماع المحصّل عند الشيعة

إنّ الأُمّة مع قطع النظر عن الإمام المعصوم بينهم، غير مصونة من الخطأ في الأحكام، فليس للاتّفاق والإجماع رصيد علمي، إلاّ إذا كشف عن الحجّة بأحد الطريقين:

1. استكشاف قول المعصوم ـ عليه السَّلام ـ بالملازمة العقلية (قاعدة اللطف).

2. استكشاف قوله ـ عليه السَّلام ـ بالملازمة العادية (قاعدة الحدس).

أمّا الأمر الأوّل فحاصل النظرية انّه يمكن أن يستكشف عقلاً رأي الإمام ـ عليه السَّلام ـ من اتّفاق من عداه من العلماء على حكم وعدم ردعهم عنه نظراً إلى قاعدة اللطف التي لأجلها وجب على اللّه نصب الحجّة الموصوف بالعلم والعصمة في كلّ الأزمنة .فإنّ من أعظم فوائدها، حفظ الحقّ وتمييزه عن الباطل كي لا يضيع بخفائه ويرتفع عن أهله أو يشتبه بغيره، وتلقينُهم طريقاً يتمكّن العلماء وغيرهم من الوصول به إليه ومنعهم وتثبيطهم عن الباطل أوّلاً، أو ردّهم عنه إذا أجمعوا عليه ثانياً.(2)

وحاصل هذا الوجه: انّ من فوائد نصب الإمام هو هداية الأُمّة وردّهم عن


1 . الوجيز في أُصول الفقه:49.
2 . كشف القناع عن وجه حجّية الإجماع:114.


(590)

الإجماع على الباطل وإرشادهم إلى الحقّ، فلو كان المجمع عليه باطلاً كان على الإمام ردّهم عن ذلك الاتّفاق بوجه من الوجوه.وهذا ما يسمّى بقاعدة اللطف.

وأمّا الثاني ـ أي استكشاف قوله ـ عليه السَّلام ـ بالملازمة العادية ـ فيمكن تقريره بالنحوين التاليين:

الف: تراكم الظنون مورث لليقين

إنّ فتوى كلّ فقيه ـ و إن كان يفيد الظن ولو بأدنى مراتبه، إلاّ أنّها ـ تعزَّز بفتوى فقيه ثان فثالث، إلى حدّ ربما يحصل للفقيه ـ من إفتاء جماعة على حكم ـ القطعُ بالحكم، إذ من البعيد أن يتطرّق البطلان إلى فتوى جماعة كثيرين.

نقل المحقّق النائيني عن بعضهم: إنّ حجّيته لمكان تراكم الظنون من الفتاوى إلى حدّ يوجب القطع بالحكم، كما هو الوجه في حصول القطع من الخبر المتواتر.(1)

ب: الاتّفاق كاشف عن دليل معتبر

إنّ حجّية الاتّفاق ليس لأجل إفادتها القطع بالحكم، بل لأجل كشفه عن وجود دليل معتبر وصل إليهم ولم يصل إلينا، وهذا هو الذي اعتمد عليه صاحب الفصول و قال: يستكشف قول المعصوم عن دليل معتبر باتّفاق علمائنا الذين كان ديدنهم الانقطاع إلى الأئمّة في الأحكام وطريقتهم التحرّز عن القول بالرأي و الاستحسان.(2)


1 . فوائد الأُصول:3/149.
2 . الفصول:2/248، الطبعة الحجرية.


(591)

الثاني: الإجماع أصل برأسه عند السنّة

قد عرفت أنّ الإجماع عند أهل السنّة برأسه بشرط أن يكون في مورد الإجماع مستند ظني، بل يظهر من الآمدي انّه لا يشترط المستند بل يجوز صدوره عن توفيق بأن يوفقهم اللّه تعالى لاختيار الصواب.(1)

وعلى كلّ تقدير فالكلام في ثبوت مدّعاه وانّه أصل برأسه، وقد استدل بآيات وروايات، وقد أوضحنا حال الآيات في كتابنا «مصادر الفقه الإسلامي ومنابعه».(2) وانّها لا صلة للآيات بالإجماع.

كما أنّهم استدلّوا بروايات لا صلة لها بالمقصود، مثل قولهم: «إنّ الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد».(3)

«يد اللّه مع الجماعة، ولا يبالي اللّه بشذوذ من شذ».(4)

«لا تزال طائفة من أُمّتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم».(5)

«من خرج عن الجماعة أو فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه».(6)

«من فارق الجماعة... ومات، فميته جاهلية».(7) إلى غيرها من الروايات أوردها الخضري في «أُصول الفقه».(8)


1 . أُصول الفقه للخضري:275.
2 . مصادر السنة الإسلامي ومنابعه:142ـ 147; الوسيط:32ـ 35.
3. كنز العمال،الحديث1033.
4. سنن الترمذي:4/466، كتاب الفتن، الحديث 2167.
5. سنن أبي داود:4/98 ،كتاب الفتن، الحديث 4252.
6. المعجم الكبير:10/289، ح 10687.
7. صحيح البخاري:8/87، كتاب الفتن.
8. أُصول الفقه: 279 وبعدها.


(592)

فإنّ هذه الروايات لا مساس لها بحجّية الإجماع، وإنّما الغاية منها الدعوة إلى الأُلفة والتجمع، نظير قوله «اتّبعوا السواد الأعظم فانّه من شذّ شذّ في النار».(1)

والمهم في المقام ما استندوا عليه من قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا تجتمع أُمّتي على الخطأ».

وقد ألّفنا رسالة في بيان حال الحديث وأوضحنا انّ أكثرها ضعيف، و على فرض صحة السند فهو خبر غير متواتر فلا يفيد العلم، ومعه لا يمكن أن يحتج به على مسألة أُصولية.(2)

يقول الطوفي في رسالته: إنّ هذا الخبر و إن تعدّدت ألفاظه ورواياته لا نسلم انّه بلغ رتبة التواتر المعنوي، لأنّه إذا عرضنا هذا الخبر على أذهاننا، وسخاء حاتم وشجاعة علي ونحوهما من المتواترات المعنوية، وجدناها قاطعة بثبوت الرأي الثاني غير قاطعة بالأوّل، فهو إذن في القوة دون سخاء حاتم وشجاعة علي، وهما متواتران، ومادون المتواتر ليس بمتواتر، فهذا الخبر ليس بمتواتر لكنّه في غاية الاستفاضة.(3)

وقال تاج الدين السبكي(المتوفّى771هـ): أمّا الحديث فلا أشك انّه اليوم غير متواتر، بل لا يصحّ، أعني: لم يصحّ منه طريق على السبيل الذي يرتضيه جهابذة الحفاظ، ولكنّي أعتقد صحّة القدر المشترك من كلّ طرقه، والأغلب على الظن انّه «عدم اجتماعها عن الخطأ».(4)

هذا كلّه حول سندها وأمّا الدلالة ففيها:


1 . مستدرك الحاكم:1/115.
2 . نشرت الرسالة في مصادر الفقه الإسلامي: 147ـ 160.
3. مصادر التشريع الإسلامي، رسالة الطوفي:105.
4. رفع الحاجب عن ابن الحاجب: ورقة 176 ب، المخطوط في الأزهر.


(593)

أوّلاً: فلأنّه جعل الملاك اتّفاق الأُمّة، ومن المعلوم أنّ اتّفاقهم بعامّة أصنافهم حجّة إمّا برأسها أو لكشفها عن الدليل، وأين هو من اتّفاق المجتهدين منهم في عصر واحد، أو اتّفاق أهل الحديث كما في رأي مالك، أو اتفاق أهل الحرمين (مكة والمدينة) أو أهل المصرين(الكوفة والبصرة)، أو اتّفاق الشيخين، أو اتّفاق الخلفاء الأربع؟!(1)

وثانياً: أنّ المنقول مسنداً هو لفظ «الضلالة» لا لفظ «الخطأ» أو «على غير هدى» و إنّما جاء الخطأ في غير الكتب الحديثية.

وعلى ذلك فالحديث على فرض ثبوته يرجع إلى المسائل العقائدية التي عليها مدار الهداية والضلالة، أو ما يرجع إلى صلاح الأُمّة من وحدة الكلمة والاجتناب عن التشتت فيما يمس وحدة المسلمين.

وأمّا المسائل الفقهية فلا يوصف المصيب والمخطئ فيها بالهداية والضلالة كما لا يكون مصير الشاذ فيها هو النار أو لا يكون الشاذ نصيب الشيطان.

وعلى ذلك فالاستدلال به على حجّية الإجماع في المسائل الفقهية كما ترى.

ثالثاً: لو سلمنا سعة دلالة الحديث فالمصون من الضلالة هو الأُمّة بما هي أُمّة، لا الفقهاء فقط، ولاأهل العلم، ولا أهل الحلّ والعقد، وعلى ذلك ينحصر مفاد الحديث بما اتّفقت عليه جميع الأُمّة من العقائد والأُصول.

رابعاً: أنّ مصونية الأُمّة كما يمكن أن يكون سببه كمال عقلها، يمكن أن يكون لوجود معصوم فيهم، والرواية ساكتة عنه، فلا يمكن أن يستدلّ بالرواية على أنّ الأُمّة مع قطع النظر عن المعصوم مصونة عن الخطأ، بل لما ثبت في محله انّ الزمان لا يخلو من إمام معصوم تكون عصمة الأُمّة بعصمة الإمام ـ عليه السَّلام ـ .


1 . أُصول الفقه للخضري:270.