السبت 29 جمادى الثّانيه 1433 - Sat 19 May 2012  
  • الصفحة الرئيسية
  • RSS
  • إتصل بنا
  • الموقع الفارسي




(594)

الفصل الثامن

الخلاف
في مسألة التخطئة والتصويب

اتّفقت الشيعة الإمامية على أنّ للّه سبحانه في كلّ واقعة حكماً شرعياً أُمر الرسول بتبليغه بلا واسطة أو من خلال بيان خلفائه.

1. روى الكليني بسنده عن عمر بن قيس، عن أبي جعفرـ عليه السَّلام ـ قال: سمعته يقول: «إنّ اللّه تبارك و تعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الأُمّة إلاّ أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله،وجعل لكلّ شيء حدّاً وجعل عليه دليلاً يدلّ عليه، وجعل على من تعدّى ذلك الحدّ حدّاً».

2. روى الكليني بسنده عن حمّاد، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سمعته يقول: «ما من شيء إلاّ وفيه كتاب أو سنّة».(1)

إنّ الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ يصف الجامعة التي هي كتاب علي ويقول: «فيها كلّ ما يحتاج الناس إليه، وليس من قضية إلاّ وهي فيها حتّى أرش الخدش».(2)


1 . الكافي: 1/59، الباب الرد إلى الكتاب والسنة، الحديث 2و4.
2 . الكافي:1/241، باب فيه ذكر الصحيفة الجامعة، الحديث5.


(595)

إلى غير ذلك من الروايات الحاكية عن ذلك.

وعلى ضوء هذه الأحاديث، اتّفقت الشيعة الإمامية على أنّ للّه سبحانه في كلّ واقعة حكماً بيّنه الرسول مباشرة أو عن طريق خلفائه، والمجتهد إمّا مصيب أو مخطئ، فلذلك عرفت بالمخطئة أي لا يصوّبون آراء المجتهدين عامة في كلّ مسألة، بل المصيب واحد وغيره مخطئ.

هذا ما لدى الشيعة، وأمّا السنّة فقد اشتهروا بالتصويب فنقول:

لو ورد النصّ في حكم واقعة خاصة يبيّن حكمها فلا أظنّ أنّ أحداً يصف المجتهد بالتصويب، بل المصيب واحد، وغيره مخطئ.

فمسألة التصويب مختصّة بما إذا لم يكن في الواقعة نصّ، كما نصّ به الغزالي في «المستصفى» وقسّم المصوبة إلى قسمين: أحدهما للأشاعرة والآخر لغيرهم.

يقول: إنّه ليس في الواقعة التي لا نصّ فيها حكم معيّن يُطلب بالظن، بل الحكم يتبع الظن، وحكم اللّه تعالى على كلّ مجتهد ما غلب على ظنه، وهو المختار، وإليه ذهب القاضي[الباقلاني].

وذهب قوم من المصوبة إلى أنّ في تلك الواقعة حكماً معيناً يُتوجه إليه الطلب، إذ لابدّ للطلب من مطلوب، لكن لم يكلف المجتهد إصابتَه، فلذلك كان مصيباً وإن أخطأ ذلك الحكم المعيّن الذي لم يؤمر بإصابته.(1)

وربما ينسب القول الثاني في كتب الأُصول(2) إلى المعتزلة، ويظهر من الغزالي فيما يأتي انّه خيرة الشافعي.

وإنّما عدل صاحب القول الثاني عن تصويب الأشاعرة، لأجل توجّه الدور


1 . المستصفى:2/109.
2 . فوائد الأُصول للكاظمي:1/252.


(596)

إليه، لأنّه إذا لم يكن للّه سبحانه فيما لا نصّ فيه حكم معيّن فما معنى الطلب وبذل الجهد؟ فالطلب موقوف على وجود الحكم للّه سبحانه، والمفروض انّه تابع لرأي المجتهد.

وهذا بخلاف القول الثاني فالمفروض فيه: انّ فيه حكماً معيناً يتوجّه إليه الطلب لكن المجتهد غير مكلّف بإصابته، فلذلك يكون مصيباً وإن كان قد أخطأ ذلك الحكمَ المعين الذي لم يؤمر بإصابته .

ثمّ إنّ الغزالي في «المستصفى» نسب التصويب بالمعنى الثاني إلى الشافعي وقال: أمّا المصوبة فقد اختلفوا فيه، فذهب بعضهم إلى إثباته وإليه تشير نصوص الشافعي لأنّه لابدّ للطالب من مطلوب، وربّما عبروا عنه بأنّ مطلوب المجتهد الأشبه عند اللّه تعالى والأشبه معين عند اللّه.(1)

وقال الخضري:لكن المجتهد لم يكلّف بإصابته، فلذلك كان مصيباً وإن أخطأ ذلك المعين الذي لم يؤمر بإصابته.(2)

قول ثالث في التصويب

ولمّا كان القول بإنكار الحكم الإلهي في الوقائع التي لا نصّ فيها، يحبط من جامعية الإسلام في مجالي العقيدة والشريعة، حاول بعض أهل السنّة تفسير التصويب بمعنى لا يخالف ذلك، ومجمل ما أفاد: انّ القول بالتصويب ليس بمعنى نفي حكم اللّه في الواقع، وانّ حكم اللّه تابع لرأي المفتي، بل هو في قبال القول بالتأثيم وانّ المجتهد إذا أخطأ يأثم، فصار القائل بالتصويب يعني نفي الإثم لا إصابة الواقع، فعليه يصير النزاع في التصويب والتخطئة لفظياً.


1 . المستصفى:2/116.
2 . أُصول الفقه للخضري:336.


(597)

وعلى ضوء ذلك فالمراد من التصويب هو نفي القول بالإثم الذي أصرّ عليه بشر المريسيّ لا إصابة كلّ مجتهد للحق الملازم لنفي الحكم المشترك، وكيف يمكن نسبة القول بالتصويب بمعنى نفي حكم اللّه في الواقعة مع أنّهم رووا في كتبهم عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر.(1)

وممّن جزم بالمعنى الثالث الشوكاني فقال: إنّ المجتهد لا يأثم بالخطأ، بل يؤجر على الخطأ بعد أن يُوفي الاجتهاد حقّه، ولم نقل انّه مصيب للحقّ الذي هو حكم اللّه في المسألة، فإنّ هذا خلاف ما نطق به رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في الحديث حيث قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إن اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر».

فتلخص من ذلك انّ الأقوال في تخطئة المجتهد وتصويبه لا يتجاوز عن أربع.

1. انّ للّه سبحانه في كلّ واقعة حكماً واقعياً بلّغه الرسول مباشرة أو غير مباشرة، والمجتهد إمّا يصيبه أو يخطأه، وهذا ما عليه الإمامية، وهو مقتضى إكمال الدين.

2. ليس للّه تعالى في الواقعة التي ليس فيها نصّ حكم معيّن . وهذا هو المنسوب إلى الأشاعرة واختاره الغزالي، وقد أطال الكلام في تقريبه ودفع ما يورد عليه من الشبه، وقد تصعّد و تصوب ولكنّه لم يتمكن من رفع الدور المتوجه إلى هذه النظرية.

3. انّ للّه سبحانه في كلّ واقعة حكماً معيناً يتوجه إلى الطلب، إذ لابدّ


1 . صحيح البخاري:4/268 ; صحيح مسلم: 3/122; و سنن أبي داود: 3/307; المستدرك:4/88


(598)

للطلب من مطلوب لكن المجتهد لم يكلّف إصابته، فلذلك كان مصيباً وإن أخطأ. وهذا هو المنسوب إلى الإمام الشافعي وفي الكتب الأُصولية للمعتزلة كما مرّ.(1)

4. انّ المراد من التصويب هو رفع الإثم لا إصابة المجتهد، وفي الحقيقة يتفق هو مع الإمامية في أنّ للّه سبحانه في كلّ واقعة حكماً معيناً لكن خطأ المجتهد لا يستلزم الإثم.

وهناك قول خامس، وهو: انّ المجتهد الذي أخطأ الدليل القطعي آثم غير فاسق ولا كافر. وهذا قول بشر المريسي، ونسبه الغزالي والآمدي إلى ابن عليّه وأبي بكر الأصم، وهؤلاء هم المؤثمة.(2)

وقد عرفت مقتضى الأدلّة هو التخطئة مطلقاً، و أمّا الأجر مع التخطئة فهو رهن ثبوت الدليل على الأجر ولعلّه غير بعيد حسب ما مرّ.

وأمّا ما هو الحافز للقول بالتصويب بالمعنيين الأوّلين فيُكْمُن في أمرين:

الأوّل: قلة النصوص بين أهل السنّة فاستنتج منهاعدم الحكم.

يقول الغزالي: أمّا المسائل التي لا نصّ فيها فيعلم أنّه لا حكم فيها، لأنّ حكم اللّه تعالى خطابُه، وخطابه يعرف بأن يُسمع من الرسول، أو يدلّ عليه دليل قاطع من نقل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أو سكوته، فانّه قد يعرفنا خطاب اللّه من غير استماع صيغة، فإذا لم يكن خطاب لا مسموع ولا مدلول عليه فكيف يكون فيه حكم؟ فقليل النبيذ إن اعتقد فيه كونه عند اللّه حراماً فمعنى تحريمه انّه قيل فيه لا تشربوه، وهذا خطاب والخطاب يستدعي مخاطباً، والمخاطب به هم الملائكة أو الجن أو الآدميون، ولابدّ أن يكون المخاطب به هم المكلّفون من الآدميين، ومتى


1 . فوائد الأُصول للكاظمي:1/142.
2 . المستصفى:2/361.


(599)

خوطبوا ولم ينزل فيه نصّ، بل هو مسكوت عنه غير منطوق به ولا مدلول عليه بدليل قاطع سوى النطق، فإذن لا يعقل خطاب لا مخاطب به، كما لا يعقل علم لا معلوم له وقتل لا مقتول له، ويستحيل أن يخاطب من لا يسمع الخطاب ولا يعرفه بدليل.(1)

فاستنتج من عدم ورود النص في الصحاح والسنن والمسانيد، عدم ورود النصّ من الشارع، ولكنّه لو رجع إلى أحاديث أئمّة أهل البيت المروية عن النبي بأسانيد لا غبار عليها، لوقف على النصّ في أكثر المسائل ووجود الإطلاقات والعمومات والعمل في غيره.

هذا ما لدى الأشاعرة.

الثاني: انّ الحافز عند الشافعي الذي ذهب إلى وجود الحكم في كلّ واقعة للّه سبحانه ولكنّه لم يكلّف بإصابته هو وجود الإشكال في الجمع بين الحكم الواقعي عند اللّه سبحانه والأمارات الظنية التي ثبتت حجّيتها مع العلم، وذلك لأنّ بعضها يخالف الحكم الواقعي المعيّن عند اللّه، فلم يجد بدّاً لأجل الجمع بين الحكم الواقعي وحجّية هذه الأمارات بالقول بعدم تكليف المجتهد بإصابة الواقع وعندئد يرفع اليد عن الأحكام الواقعية المعيّنة عند اللّه.

وهذا ما يعبّر عنه في علم الأُصول الإمامي بانقلاب الحكم الواقعي إلى ما في الأمارات والأُصول، ولنا حول الجمع بين الحكم الواقعي، ومفاد الأمارات والأُصول العملية بحوث رائعة لا يسع المجال لإيرادها، ومن حاول التوسع فليرجع إلى المصدرين التاليين.(2)


1 . المستصفى:2/116.
2 . المحصول في علم الأُصول:3/110; إرشاد العقول إلى علم الأُصول:3/112.


(600)

الفصل التاسع

انفتاح باب الاجتهاد
عند الشيعة
وانسداده عند السنّة

1. الاجتهاد لغة واصطلاحاً

الاجتهاد مأخوذ من الجُهد ـ بضم الجيم ـ بمعنى الطاقة والوسع، وبفتحها بمعنى المشقة، فإذا كان من باب الافتعال يراد به إمّا بذل الوسع والطاقة في طلب الشيء، أو تحمّل المشقّة.(1)

وأمّا في اصطلاح الأُصوليّين فعرّفه الغزّالي بأنّه بذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة، والاجتهاد التام هو أن يبذل الوسع بحيث يحسّ من نفسه بالعجز من مزيد الطلب.(2)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه مشتمل على الدور الواضح حيث أُخذ المعرّف في التعريف.


1 . لاحظ لسان العرب: مادة جهد.
2 . المستصفى:2/350.


(601)

وثانياً: أنّ الغاية من الاجتهاد تارة يكون تحصيل العلم بالحكم الشرعي وأُخرى تحصيل الحجّة القطعية عليه، وكون الشيء حجّة قطعية لا يلازم كون مفاده قطعياً وعلماً واقعياً بالحكم الشرعي، كما في الخبر الواحد القائم على حكم من الأحكام، فقد قام الدليل القطعي على حجّيته، فهو حجّة قطعاً ومع ذلك لا يفيد العلم بالحكم الشرعي.

وأفضل التعاريف ما عرّفه الشيخ بهاء الدين العاملي في «زبدة الأُصول» وقال: بأنّه ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي من الأصل، فعلاً أو قوّة قريبة من الفعل.(1)

وقوله:«فعلاً أو قوة» قيدان للاستنباط لا للملكة للزوم فعلية الملكة.

نعم يرد عليه: انّ الغاية من الاجتهاد أعمّ من استنباط الحكم الشرعي الفرعي أو الوظيفة الفعلية، كالبراءة والاشتغال عند اليأس عن الدليل الاجتهادي.

2. الاجتهاد المطلق والاجتهاد في مذهب خاص

المراد من الاجتهاد المطلق هو أن يجتهد على وفق الأُصول والمعايير التي حصلها قبل الاستنباط و اعتمد عليها في علم الأُصول وغيره وأثبت حجّيتها.

وبعبارة أُخرى: أن يستنبط الحكم الشرعي على وفق المنهاج الذي اختاره بنفسه، والمراد من الاجتهاد في المذهب هو الاجتهاد على وفق الأُصول التي قررها إمام مذهبه ويلتزم بمنهاجه وأُصوله التي اعتبرها.

نعم ربما يخالف الواحد منهم مذهب إمامه في بعض الأحكام الفرعية،


1 . زبدة الأُصول:150، المنهج الرابع في الاجتهاد والتقليد .


(602)

ومن هؤلاء الحسن بن زياد من الحنفية، وابن القاسم وأشهب من المالكية، والبويطي والمازني من الشافعية.(1)

ثمّ إنّ مهمة الصنف الثاني تتلخص في الأُمور التالية التي ذكرها «عبد الوهاب خلاف » في كتابه بالنحو التالي:

1. الاجتهاد في المسائل التي لا رواية فيها عن إمام المذهب وفق الأُصول المجعولة من قبله وبالقياس على ما اجتهد فيها من الفروع، كالخصاف والطحاوي والكرخي من الحنفية، واللخمي وابن العربي وابنُ رشيد من المالكية، والغزالي والاسفراييني من الشافعية .

2. الاجتهاد الذي لا يتجاوز تفسير قول مجمل من أقوال أئمتهم أو تعيين وجه معين لحكم يحتمل وجهين فإليهم المرجع في إزالة الخفاء والغموض الذي يوجد في بعض أقوال الأئمّة وأحكامهم، كالجصاص وأضرابه من علماء الحنفية.

3. اجتهاد أهل الترجيح بمعنى الموازنة بين ما روي عن أئمّتهم من الروايات المختلفة، وترجيح بعض على بعض من جهة الرواية أو من جهة الدراية، كأن يقول المجتهد منهم: هذا أصحّ رواية وهذا أولى النقول بالقبول، أو هذا أوفق للقياس أو أرفق للناس، و من هؤلاء القدوري وصاحب الهداية وأضرابهما من علماء الحنفية.(2)

3. لزوم فتح باب الاجتهاد

إنّ الاجتهاد رمز خلود الدين وبقاء قوانينه، لأنّه يحفظ غضاضة الدين


1 . خلاصة التشريع الإسلامي:342
2 . خلاصة التشريع الإسلامي:342.


(603)

وطراوته، ويجدّده ويصونه عن الاندراس، ويغني المسلمين عن موائد الأجانب، بإعطائه كلّ موضوع ما يقتضيه من حكم.

أمّا لزوم فتح هذا الباب في أعصارنا هذه فلا يحتاج إلى البرهنة والدليل، إذ نحن في زمن تتوالى فيه الاختراعات والصناعات، وتستجدّ الحوادث التي لم يكن لها مثيل فيما غبر، وتجعلنا هذه المجالات امام أحد أُمور:

إمّا بذل الوسع في استنباط أحكام الموضوعات الحديثة، من الأُصول والقواعد الإسلامية أو اتبّاع المبادئ الأُوروبية، من غير نظر إلى مقاصد الشريعة، وإمّا الوقوف من غير إعطاء حكم.(1)

وليس الاجتهاد من البدع المحدثة، فانّه كان مفتوحاً في زمن النبوة وبين أصحابه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فضلاً عن غيرهم وفضلاً عن سائر الأزمنة التي بعده، نعم غايته انّ الاجتهاد يومئذ كان خفيف المؤونة جدّاً لقرب العهد وتوفر القرائن وإمكان السؤال المفيد للعلم القاطع، ثمّ كلّما بعد العهد من زمن الرسالة وكثرت الآراء والأحاديث والروايات، ربّما قد دخل فيها الدسّ والوضع، وتوفرت دواعي الكذب على النبي، أخذ الاجتهاد ومعرفة الحكم الشرعي، يصعب ويحتاج إلى مزيد من المؤونة واستفراغ الوسع.(2)

ولم يزل هذا الباب مفتوحاً عند الشيعة، من زمن صاحب الرسالة إلى يومنا هذا، وقد تخرج منهم الآلاف من المجتهدين والفقهاء، قد أحيوا الشريعة وأنقذوها من الانطماس، وأغنوا بذلك الأُمّة الإسلامية في كلّ مصر وعصر، عن التطلّع إلى موائد الغربييّن، وألّفوا مختصرات ومطوّلات لا يحصيها إلاّ اللّه سبحانه.


1 . رسالة الإسلام: السنة الثالثة، العدد الثاني عن مقال أحمد أمين المصري.
2 . أصل الشيعة وأُصولها:119.


(604)

وقد اقتدى الشيعة في فتح هذا الباب على مصراعيه في وجه الأُمّة بأئمّة دينهم وخلفاء رسولهم الذين حثُّوا شيعتهم بأقوالهم وأفعالهم على التفقّه في الدين والاجتهاد فيه، وانّه «مَن لم يتفقه فهو اعرابي»، وأرشدوهم إلى كيفية استخراج الفروع المتشابكة من الآيات والقواعد المتلقاة عنهم، بالتدبّر فيهما، وأمروا أصحابهم بالتفريع، وقد بلغت عنايتهم بذلك إلى حد دفعهم إلى تنصيب بعض من يعبأ بقوله ورأيه، لمنصب الإفتاء، إلى غير ذلك.

غير انّ أهل السنّة قد أقفلوا باب الاجتهاد إلاّ الاجتهاد في مذهب خاص، وبما انّ الفتاوى المنقولة عن الأئمّة مختلفة، أخذ علماء كلّ مذهب يبذلون جهدهم لتشخيص ما هو رأي كلّ إمام في هذا الباب.

ولا أدري لماذا أقفل هذا الباب المفتوح من زمن الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وإن تفلسف في بيان وجهه بعض الكتّاب من متأخّريهم، وقال: ولم يكن مجرّد إغلاق باب الاجتهاد باجتماع بعض العلماء وإصدار قرار منهم، وإنّما كان حالة نفسية واجتماعية، ذلك انّهم رأوا غزو التتر لبغداد وعسفهم بالمسلمين، فخافوا على الإسلام، ورأوا انّ أقصى ما يصبون إليه هو أن يصلوا إلى الاحتفاظ بتراث الأئمة ممّا وضعوه واستنبطوه.(1)

ولا يخفى ما في اعتذاره من الإشكال، وسوف يوافيك بيان الأسباب الّتي أدّت إلى الاغلاق.

وأمّا زمان إقفاله فيظهر من المقريزي في خططه انّه أقفل عام 665هـ، قال:

إنّه تولّى القاضي أبو يوسف القضاء من قبل هارون الرشيد بعد سنة 170 إلى ان صار قاضي القضاة، فكان لا يولّي القضاء إلاّ من أراده، ولمّا كان هو من


1 . رسالة الإسلام: العدد الثالث من السنة الثالثة عن مقال أحمد أمين المصري.


(605)

أخصّ تلاميذ أبي حنيفة فكان لم ينصب للقضاء ببلاد خراسان والشام والعراق وغيرهما إلاّ من كان مقلّداً لأبي حنيفة، فهو الذي تسبّب في نشر مذهب الحنفية في البلاد.

وفي أوان انتشار مذهب الحنفية في المشرق نشر مذهب مالك في إفريقية المغرب، بسبب زياد بن عبد الرحمن، فانّه أوّل من حمل مذهب مالك إليها، وأوّل من حمل مذهب مالك إلى مصر سنة 160هـ هو عبد الرحمن بن القاسم.

قال: ونشر مذهب محمد بن إدريس الشافعي في مصر بعد قدومه إليها سنة 198 وكان المذهب في مصر لمالك والشافعي إلى أن أتى القائد «جوهر» بجيوشِ مولاه المعز لدين اللّه أبي تميم معد الخليفة الفاطمي إلى مصر سنة 358 فشاع بها مذهب الشيعة حتّى لم يبق بها مذهب سواه(أي سوى مذهب الشيعة).

ثمّ إنّ المقريزي بيّن بدء انحصار المذاهب في أربعة فقال:

فاستمرت ولاية القضاة الأربعة من سنة 665 حتّى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب الإسلام غير هذه الأربعة، وعودي من تمذهب بغيرها، وأُنكر عليه، ولم يُولّ قاض ولا قُبلت شهادة أحد ما لم يكن مقلّداً لأحد هذه المذاهب، وأفتى فقهاؤهم في هذه الأمصار في طول هذه المدة بوجوب اتّباع هذه المذاهب وتحريم ماعداها والعمل على هذا، إلى اليوم.(1)

وهذه الكلمة أعني: «وتحريم ماعداها» تكشف عن أعظم المصائب التي واجه بها الإسلام، حيث إنّه قد مضى على الإسلام ما يقرب من سبعة قرون ومات فيها على دين الإسلام ما لا يحصي عددهم إلاّ ربهم، ولم يسمع أحد من أهل القرنين الأوّلين اسم المذاهب أبداً، و فيما بعد القرنين كان المسلمون بالنسبة إلى


1 . راجع الخطط المقريزية:2/333 و 334 و 344.


(606)

الأحكام الفرعية في غاية من السعة والحرية، كان يقلّد عامّيهم من اعتمد عليه من المجتهدين، وكان المجتهدون يستنبطون الأحكام عن الكتاب والسنّة على موازينهم المقررة عندهم في العمل بالسنّة النبوية، فأي شيء أوجب في هذا التاريخ على عامّة المسلمين: «العامّي المقلّد والفقيه المجتهد» أن لا يخرج أحد في الأحكام الشرعية عن حد تقليد الأئمة الأربعة؟! وبأي دليل شرعي صار اتّباع أحد المذاهب الأربعة واجباً مخيراً، والرجوع إلى ما ورائها حراماً معيناً مع علمنا بأحوال جميع المذاهب من بدئها وكيفية نشرها وتأثير العوامل في تقدّم بعضها على غيرها، بالقهر والغلبة من الدولة والحكومة، كما أوضح عن بعض ذلك ما ذكره ابن الفوطي في الحوادث الجامعة، ص 216 في وقائع سنة 645، يعني قبل انقراض بني العباس بإحدى عشرة سنة في أيام المستعصم الذي قتله هولاكو، سنة 656، فلاحظ ذلك الكتاب.(1)

وقد خلّف هذا الوضع أثراً سلبياً عجيباً، وهو انّ انتصار كلّ حاكم من الحكام لمذهب من المذاهب، صار سبباً لانقراض كثير من المذاهب; كمذهب سفيان الثوري، وسفيان بن عينية، وعبد اللّه بن مبارك، وابن عمر، والأوزاعي، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وليث بن سعد، وداود بن علي، وأبي ثور، وابن جرير الطبري، وغيرهم.

فقد كانت الدولة العباسية تثبّت دعائم مذهب أبي حنيفة، فيولّى القضاء من كان متّبعاً لهذا المذهب، ولمّا استولى الفاطميون على مصر نشروا المذهب الإسماعيلي ومنعوا التفقّه على مذهب أبي حنيفة، لأنّه مذهب الدولة العباسية وسمحوا بالتفقّه على المذهب المالكي والشافعي والحنبلي.


1 . رسالة الاجتهاد للطهراني:104.


(607)

4. ما هي العوامل التي سببت الإغلاق؟

ثمّ إنّ المهم هو كشف العوامل التي سبّبت إغلاق باب الاجتهاد. فقد ذكر الأُستاذ مصطفى أحمد الزرقاء عوامل ثلاثة نأتي بها بنصها:

أ. التعصّب المذهبي

فقد تعصّب التلاميذ لآثار أساتذتهم من الأئمّة المجتهدين الّذين أناروا العصر السابق، وكشفوا ظلمات المسائل بنور عقولهم الساطع.

إنّ التعصّب لفكرة تحمل الإنسان على الجمود عليها والتعلّق بأهدابها، ودعوة الناس إليها دون سواها، وهكذا فعل أُولئك الذين جاءوا بعد الأئمة السابقين، فقد عنوا بدراسة مذاهبهم ونشرها بدلاً من السير على منهاجها، والاجتهاد كما اجتهد أصحابها، فوثق الناس بالسابقين وشكّوا في أنفسهم.

ب. ولاية القضاء

فقد كان الخلفاء يختارون القضاة أوّل الأمر من المجتهدين لا من مقلّديهم، ولكنّهم فيما بعدُ آثروا اختيارهم من المقلّدين، ليقيدوهم بمذهب معين، ويعيّنوا لهم ما يحكمون على أساسه بحيث يكونون معزولين عن كلّ قضاء يخالف ذلك المذهب، ولأنّ بعض القضاة المجتهدين كان يتعرض الفقهاء المذهبيون لتخطئته، فيكون حكمه مثاراً لنقد الناس لا سبب اطمئنان لهم.

وهكذا كان تقيّد القاضي بمذهب يرتضيه الخليفة سبباً في اكتفاء أكثر الناس به وأقبالهم عليه.


(608)

ج. تدوين المذاهب

إنّ تدوينها قد سهل على الناس تناولها، والناس دائماً يطلبون السهل اليسير دون الصعب العسير، وقد كان يدفع الناس إلى الاجتهاد في العصور السابقة ضرورة ملجئة إلى تعرّف أحكام حوادث وشؤون جديدة لا يعرفون حكمها الشرعي.

فلمّا جاء المجتهدون في الأدوار السابقة ودوّنوا أحكام الحوادث التي عرضت والتي يحتمل عروضها، صار الناس كلّما عرضت لهم مسألة وجدوا السابقين قدتعرّضوا لها، فاكتفوا بمقالهم في شأنها، فسدّت حاجتهم بما وجدوا، فلا حافز يحفزهم إلى بحث جديد.

وساعد على ذلك ما للأقدمين من موقع علمي كبير جدير بالتقدير، وما يكسبهم تفوقهم على مضي الزمن من إجلال، وما يكون من عناية الأُمم بتكريم سلفها الصالح ليرتبط حاضرها بماضيها برباط متين.

لهذا كلّه انصرف الناس إلى التقليد، اللّهمّ إلاّ في تعرّف علل الأحكام المذهبية، أوترجيح بعض الآراء في المذهب نفسه على غيرها.

ويسمّى من أُوتي القدرة العلمية على ذلك: مجتهداً في المذهب، أي انّه ليس مجتهداً مطلقاً ذا مذهب مستقل، بل هو من أتباع إمام مجتهد، ولكنّه ذو رأي معتبر في ضمن مذهب إمامه، وفي البناء على أُصوله.(1)

هذه العوامل الثلاثة وإن سببت ركود الحركة الاجتهادية، ولكنّها عوامل جانبية على ما يبدو، بل هناك سبب آخر وهو المهم في شلِّ الحركة العلمية الفقهية، وهو تأثير السياسة التي اتّخذها القادر باللّه الخليفة العباسي للحد من


1 . المدخل الفقهي العام:1/177ـ179.


(609)

نشاط الحركة الاجتهادية حيث تصدّى للخلافة ما يقرب عن 41 عاماً.(1) ساد في هذه الفترة الطويلة فكرة التقشّف والتنسّك وذم الفكر والاجتهاد في الدين، ويعرف ذلك عن ما ذُكر من حالاته وأفعاله، فقد عرفوا القادر باللّه بأنّه: صنّف كتاباً ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب مذهب أصحاب الحديث، وأورد في كتابه فضائل عمر بن عبد العزيز، وأفكار المعتزلة، والقائلين بخلق القرآن، وكان الكتاب يقرأ في كلّ جمعة في حلقة أصحاب الحديث بجامع المهدي، ويحضر الناس سماعه، ذكر محمد بن عبد الملك الهمداني انّ القادر باللّه كان يلبس زي العوام ويقصد الأماكن المعروفة بالبركة، كقبر معروف وتربة ابن بشار.(2)

وقد بلغ كبح جماح الفكر حداً انّه استتاب القادر باللّه سنة 408هـ فقهاء المعتزلة والحنفية، فأظهروا الرجوع وتبرّأوا من الاعتزال، ثمّ نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام، وأخذ خطوطهم بذلك وانّهم متى خالفوه حلّ بهم من النكال والعقوبة ما يتّعظ به أمثالهم، وامتثل يمين الدولة وأمين الملّة أبو القاسم محمود أمرَ أمير المؤمنين،واستنّ بسننه في أعماله التي استخلفه عليها في خراسان وغيرها في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة وصلبهم وحبسهم ونفاهم،وأمر بلعنهم على منابر المسلمين، وإبعاد كلّ طائفة من أهل البدع وطردهم عن ديارهم، وصار ذلك سنّة في الإسلام.(3)

فإذا كان هذا حال أمير المؤمنين وحال وزيره في أصقاع كبيرة من الأرض


1 . بويع بالخلافة عام 381هـ وتوفّي عام 422هـ. لاحظ المنتظم:14/353 و15/217.
2 . المنتظم:14/354.
3. المنتظم: 15/125ـ 126.


(610)

كخراسان، فكيف يستطيع أيّ متكلم بارع أو فقيه متضلّع أن يفكّر في تجديد الهيكلية الفقهية أو العقائدية، أو يطرح وجهات نظره الخاصة ، إذ لا يؤمن من أن يؤخذ باتّهام مخالفته لأهل السنّة والجماعة، فينكل به أو يحبس أو يصلب على أعواد المشانق؟!

وقد مضى انّه كتب كتاباً عرف باسم «الاعتقاد القادري»، وكأنّه وحي منزل يجب أن يقرأ في كلّ جمعة، وقد امتد ذلك طول خلافته الطويلة، ومع أنّه توفّي عام 422هـ، ولكن السياسة التي ابتدعها للدولة دامت بعد موته في خلافة ابنه القائم بأمر اللّه، وهذا هو ابن الجوزي يذكر في حوادث عام 433هـ انّه قرأ الاعتقاد القادري في الديوان، وحضر الزهّاد والعلماء، وممّن حضر الشيخ أبو الحسن علي بن عمر القزويني، فكتب خطه تحته قبل أن يكتب الفقهاء، وكتب الفقهاء خطوطهم فيه: إنّ هذا اعتقاد المسلمين ومن خالفه فقد فسق وكفر، ثمّ ذكر نص الاعتقاد القادري.(1)

ويقول في آخره: هذا هو قول أهل السنّة والجماعة الذي من تمسّك به كان على الحق المبين، وعلى منهاج الدين، و الطريق المستقيم، ورجا به النجاة من النار ودخوله الجنة.(2)

وقد ذكر عبد الوهاب خلاف في «خلاصة التشريع الإسلامي» عوامل أربع ربما تتداخل بعض ما ذكره فيما نقلناه عن الأُستاذ مصطفى أحمد الزرقاء، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى «خلاصة التشريع الإسلامي».(3)


1 . المنتظم: 15/279، حوادث سنة 433هـ.
2 . المنتظم:15/281.
3. خلاصة التشريع الإسلامي: 341 ومابعدها.


(611)

5. اجتهاد الشيعة اجتهاد مطلق

إنّ اجتهاد فقهاء الشيعة من أوّل يومهم، اجتهاد مطلق، وكلّ مجتهد، يجتهد حسب الميزان والمنهاج الذي انتخبه.

لكن يظهر من الشيخ أبي زهرة انّ اجتهاد الشيعة، من قبل الاجتهاد المنتسب (الاجتهاد في مذهب خاص)، وذلك لأنّ اجتهادهم حسب ما رسمت لهم المناهج من بيان أحكام النسخ والعموم، وطريق الاستنباط والتعارض بين الأخبار وحكم العقل وإن لم يكن نصّ، و كلّ هذا يقتضي أن يطبق في اجتهاده، لا أن يرسم ويخطِّط، فهو يسير في اجتهاده على خط مرسوم لا يعدوه ولا يبتعد عنه يمنة ولا يسرة، وبهذا النظر يكون في درجة المجتهد المنتسب.(1)

يلاحظ عليه بأمرين:

أوّلاً: أنّ قسماً من الخطط التي يسر عليها مجتهد الشيعة ومستنبطهم، أمر حصّله من الكتاب والسنّة النبوية القطعية والسيرة المستمرة إلى عهد الرسول والعقل الحاسم إلى غير ذلك من الأُمور التي تكون السنة والشيعة أمامها سواء.

وثانياً : أنّ الخطط الكلّية التي أخذوها عن أئمّة أهل البيت انّما وصلت إليهم عن النبي، فهم حفظة سنّة النبي وعيبة علمه، وأعدال الكتاب وقرناؤه، معصومون من الضلال والخطأ كنفس القرآن من دون أن يكونوا أنبياء، وهم يصدرون من عين صافية، لا كدر فيها، ومن أخذ عنهم فقد صدر أيضاً عن عين صافية. غير أنّ أبا زهرة زعم انّ أئمّة أهل البيت، مجتهدون كالأئمّة الأربعة أو غيرهم، لهم آراء وتفكّرات، شأن كلّ عالم مفكّر، ورتّب على ذلك بأنّ اجتهاد فقهاء


1 . الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ : 540.


(612)

الشيعة اجتهاد في مذهب وليس اجتهاداً مطلقاً.........لكنّه زعم خاطئ، يضاد كلماتهم وإرشاداتهم، كما مرّ في صدر البحث فما رسموا من الخطوط، والضوابط، فإنّما هو مقتبس من أحاديث الرسول، وكلماته رواها كابر عن كابر.

***

(الحمد للّه الذي بنعمته تتمّ الصالحات)

نحمده سبحانه ونشكره ونستعين به ونصلّي على

خاتم أنبيائه وخلفائه الطاهرين

فرغ المؤلّف من تبييض هذه الأوراق

عشية يوم العشرين من شهر رمضان المبارك

من شهور عام 1423هـ