السبت 29 جمادى الثّانيه 1433 - Sat 19 May 2012  
  • الصفحة الرئيسية
  • RSS
  • إتصل بنا
  • الموقع الفارسي




(86)

أدلّة القائل بصحّة الطلاق ثلاثاً

استدلّ القائل بجواز إرسال الثلاث دفعة أو مفرقة بالكتاب تارة والسنّة أُخرى والإجماع ثالثة.

أمّا الكتاب فبالآيات التالية:

1. انّ قوله سبحانه: (أَو تسريحٌ بإِحسان) يعمّ إيقاع الطلاق الثلاث دفعة.

2. وقوله: (وَإِنْ طلّقتُمُوهنّ مِنْ قَبْل أَنْ تَمَسّوهُنّ).

3. وقوله: (لا جُناح عَلَيْكُمْ ان طلّقتم النساء ما لم تمسُوهنّ).

4. وقوله تعالى: (ولِلْمُطلّقات مَتاعٌ بِالْمَعرُوف).

ولم يفرق في هذه الآيات بين إيقاع الواحدة والثنتين والثلاث.

وقد أُجيب عن الاستدلال بأنّ هذه عمومات مخصّصة وإطلاقات مقيّدة بما ثبت من الأدلة الدالّة على المنع من وقوع فوق الواحدة.(1)

والأولى أن يجاب بأنّ شرط التمسّك بالإطلاق كون المتكلّم في مقام البيان لا في مقام الإجمال والإهمال، مثلاً: لو كان المتكلّم في مقام بيان حكم الطبيعة بما هي هي بأن يقول: الغنم حلال، والخنزير حرام فلا يمكن أن يستدلّ بهما على حلية الغنم وإن كان جلاّلاً أو مغصوباً تمسّكاً بإطلاقه، وقد قرر في علم الأُصول


1 . نيل الأوطار:6/232.


(87)

انّ التمسّك بالإطلاق رهن شروط ثلاثة، أوّلها: كون المتكلّم في مقام بيان الحيثية التي نحن بصدد استنباط حكمها، فإذا سكت يتمسّك بالإطلاق، وأمّا إذا لم يكن في مقام بيان تلك الحيثية، فلا يصحّ التمسّك بالإطلاق، و هذه الآيات من هذا القبيل فانّها في مقام بيان أُمور أُخرى، فالأولى منها في مقام بيان كون المطلقة محرمة أبداً حتّى تنكح زوجاً غيره، والثانية في مقام بيان حكم المطلقة قبل المس ومثلها الثالثة و الرابعة في مقام بيان انّ للمطلقة حقّاً خاصاً باسم المتاع، فأين هذه الموضوعات من تجويز الطلاق ثلاثاً.

والحقّ انّ إغلاق باب الاجتهاد من أواسط القرن السابع إلى يومنا هذا صار سبباً لتدهور الاستنباط ، وإلاّ فلا يخفى ضعف هذا النوع من الاستدلال على المستنبط الملمّ بالأُصول.

الاستدلال بالسنّة

استدلّ القائل بصحّةة الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد بالسنّة:

1. خبر فاطمة بنت قيس

روى ابن حزم من طريق يحيى بن أبي كثير: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنّ فاطمة بنت قيس أخبرته انّ زوجَها ابن حفص بن المغيرة المخزومي طلّقها ثلاثاً، ثمّ انطلق إلى اليمن، فانطلق خالد بن الوليد في نفر فأتوا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في بيت ميمونة أُمّ المؤمنين فقالوا: انّ ابن حفص طلّق امرأته ثلاثاً فهل لها من نفقة؟ فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ليس لها نفقة، وعليها العدّة».(1)


1 . المحلى: 10/172.


(88)

فلو كانت التطليق ثلاثاً أمراً منكراً لأنكره النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

يلاحظ عليه: أنّ ابن حزم نقل الرواية على غير وجهها، فقد روى أحمد في مسنده بسنده عن فاطمة بنت قيس، قالت: كنت عند أبي عمرو بن حفص بن المغيرة، وكان قد طلّقني تطليقتين، ثمّ إنّه سار مع علي إلى اليمن حين بعثه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فبعث بتطليقتي الثالثة.(1)

وفي سنن الدارقطني بسنده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن فاطمة بنت قيس أنّها أخبرته أنّها كانت عند أبي عمرو بن حفص بن المغيرة، فطلّقها آخر ثلاث تطليقات، فزعمت أنّها جاءت رسول اللّه فاستفته في خروجها من بيتها.(2)

وما نقله المحدثان دليل على أنّ التطليقات كانت متفرقة لا مجتمعة، غير أنّ ابن حزم تغافل عن ذكر نص الحديث.

2. حديث عائشة

روى ابن حزم عن طريق البخاري عن عائشة أُمّ المؤمنين قالت: إنّ رجلاً طلّق امرأته ثلاثاً فتزوجت فطلق(3)، فسئل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أتحلّ للأوّل؟ قال: «لا حتّى يذوق عسيلتها كما ذاق الأوّل»، فلم ينكر عليه الصلاة والسلام هذا السؤال، ولو كان لا يجوز لأخبر بذلك.(4)

يلاحظ عليه: أنّ الرواية غير ظاهرة في أنّ التطليقات كانت مجتمعة لو لم نقل انّها ظاهرة في المتفرقة، بشهادة وقوع الطلاق في عصر رسول اللّه، وقد كان


1 . مسند أحمد:7/563، حديث 26789.
2 . سنن الدارقطني:4/29، كتاب الطلاق، الحديث80.
3. أي طلّقها الزوج الثاني.
4. المحلى:10/171.


(89)

الطلاق على عهد رسول اللّه وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة.(1)

3. حديث سهل

روى سهل بن سعد الساعدي قال: لاعن رسول اللّه بين الزبير العجلاني وزوجته، فلمّا تلاعنا، قال الزوج: إن أمسكتها فقد كذبت عليها، فهي طالق ثلاثاً، فقال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : لا سبيل لك عليها .(2)

وجه الاستدلال: انّ العجلاني كان قد طلق في وقت لم يكن له أن يطلق فيه، فطلق ثلاثاً فبين له النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حكم الوقت، وانّه ليس له أن يطلق فيه ولم يبين له حكم العدد، ولو كان ذلك العدد محرماً وبدعة لبيّنه.

يلاحظ عليه: بأنّه من غرائب الاستدلال فانّ الزوج إذا لاعن زوجته تحرم عليه مؤبداً.(3) فلا موضوع للنكاح والطلاق، ولمّا كان الرجل جاهلاً بحكم الإسلام وأنّها بانت عنه باللعان من دون حاجة إلى الطلاق، طلّقها ثلاثاً بزعم انّها زوجته على رسم الجاهلية.

وأمّا النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فليس في كلامه انّه انّه صحّح قوله ـ بعد اللعان ـ فهي طالق ثلاثاً، بل أشار إلى الحرمة الأبدية وانّها صارت محرمة على الزوج، وقال: «لا سبيل لك عليها»، وأين هذا من تصحيح النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حكم العدد.


1 . صحيح مسلم:2، باب الطلاق الثلاث، الحديث15.
2 . سنن البيهقي:7/328.
3. اتّفقت فقهاء المذاهب الأربع على أنّ اللعان يحرم مؤبداً فلا تحلّ له أبداً حتّى وإن أكذب نفسه، نعم قالت الحنفية بالحرمة المؤبدة إلاّ إذا أكذب نفسه.( الفقه الإسلامي وأدلّته:7/177).


(90)

الاستدلال بالإجماع

استدلّ القائل بالصحّة بالإجماع وانّ الطلاق الوارد في الكتاب منسوخ، فقال العيني في «عمدة القارئ»:

فإن قلت: ما وجه هذا النسخ وعمر لا ينسخ؟ وكيف يكون النسخ بعد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ؟

قلت: لما خاطب عمر الصحابة بذلك فلم يقع إنكار صار إجماعاً، والنسخ بالإجماع جوّزه بعض مشايخنا بطريق أنّ الإجماع موجب علم اليقين كالنصّ، فيجوز أن يثبت النسخ به، والإجماع في كونه حجّة أقوى من الخبر المشهور، فإذا كان النسخ جائزاً بالخبر المشهور فجوازه بالإجماع أولى.

فإن قلت: هذا إجماع على النسخ من تلقاء أنفسهم، فلا يجوز ذلك في حقّهم.

قلت: يحتمل أن يكون ظهر لهم نصّ أوجب النسخ، ولم ينقل إلينا ذلك.(1)

يلاحظ عليه: كيف يدّعي الإجماع وقد تواتر النصّ على أنّه كان على عهد رسول اللّه وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحداً، ومع ذلك كيف يدّعي الإجماع مع تحقّق الخلاف في المسألة وذهاب كثير من الصحابة والتابعين إلى عدم صحّة الطلاق ثلاثاً؟!

وأمّا التمسّك بسكوت الناس، فهو لا يكشف عن وجود نصّ يدلّ على النسخ، إذ لو كان هناك نص لأظهروه، ويصل من السلف إلى الخلف قطعاً، لأنّ المسألة ممّا يعمّ بها الابتلاء.


1 . عمدة القارئ:20/222.


(91)

ولو افترضنا وجود النصّ فكيف خفي في عصر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وعصر الخليفة الأوّل وسنتين من عصر الخليفة الثاني؟!

الاجتهاد تجاه النص

التحق النبيّ الأكرم بالرفيق الأعلى وقد برز بين المسلمين اتّجاهان مختلفان، وفكران متباينان، فعليّ وسائر أئمّة أهل البيت، كانوا يتعرّفون على الحكم الشرعي من خلال النصّ الشرعي آية أو رواية، ولا يعملون برأيهم بتاتاً، وفي قبالهم لفيف من الصحابة يستخدمون الرأي للتوصّل إلى الحكم الشرعي من خلال التعرّف على المصلحة ووضع الحكم وفق متطلّباتها.

إنّ استخدام الرأي فيما لا نصّ فيه، ووضع الحكم وفق المصلحة أمر قابل للبحث والنقاش، إنّما الكلام في استخدامه فيما فيه نص، فالطائفة الثانية كانت تستخدم رأيها تجاه النص، لا في خصوص ما لا نصّ فيه من كتاب أو سنّة بل حتى فيما كان فيه نصّ ودلالة.

يقول أحمد أمين المصري: ظهر لي أنّ عمر بن الخطاب كان يستعمل الرأي في أوسع من المعنى الذي ذكرناه، وذلك أنّ ما ذكرناه هو استعمال الرأي حيث لا نصّ من كتاب ولا سنّة، ولكنّا نرى الخليفة سار أبعد من ذلك، فكان يجتهد في تعرّف المصلحة التي لأجلها نزلت الآية أو ورد الحـديث، ثمّ يسترشد بتلك المصلحة في أحكامه، وهو أقرب شيء إلى ما يعبّـر عنه الآن بالاسترشاد بروح القانون لا بحرفيته. (1)

إنّ الاسترشاد بروح القانون الذي أشار إليه أحمد أمين أمر، ونبذ النص


1 . فجر الإسلام : 238، نشر دار الكتاب.


(92)

والعمل بالرأي أمر آخر، ولكن الطائفة الثانية كانت تنبذ النص وتعمل بالرأي، وما روي عن الخليفة في هذه المسألة، من هذا القبيل. وإن كنتَ في ريب من ذلك، فنحن نتلو عليك ما وقفنا عليه:

1. روى مسلم عن طاووس عن ابن عباس، قال: كان الطلاق على عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم. (1)

2. وروى مسلم عن ابن طاووس عن أبيه: أنّ أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم انّما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأبي بكر وثلاثاً من (خلافة) عمر؟ فقال: نعم. (2)

3. وروى مسلم عن طاووس أيضاً: أنّ أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول اللّه وأبي بكر واحدة؟ قال: قد كان ذلك فلمّـا كان في عهد عمر تتايع الناس في الطلاق فأجازه عليهم. (3)

وربما يقال: انّ هذه الرواية تخالف ما روي عن ابن عباس أنّه أفتى بوقوع الثلاث .قال أحمد بن حنبل: كلّ أصحاب ابن عباس رووا عنه خلاف ما رواه طاووس في هذه المسألة، أعني بهم: سعيد بن جبير و مجاهد و نافع.

قال أبو داود في سننه: صار قول ابن عباس فيما حدثنا أحمد بن صالح ، قال: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن محمد بن إياس انّ ابن عباس وأبا هريرة و عبد اللّه بن عمرو بن العاص سئلوا عن البكر يطلقها زوجها ثلاثاً فكلّهم، قال:


1 . صحيح مسلم: 4/184 باب الطلاق الثلاث، الحديث 1ـ3. التتايع: بمعنى التتابع في الشر.
2 . صحيح مسلم: 4/184 باب الطلاق الثلاث، الحديث 1ـ3. التتايع: بمعنى التتابع في الشر.
3. صحيح مسلم: 4/184 باب الطلاق الثلاث، الحديث 1ـ3. التتايع: بمعنى التتابع في الشر.


(93)

لا تحلّ له حتّى تنكح زوجاً غيره.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ المعتبر إنّما هو رواية ابن عباس و هي على بطلان الطلاق ثلاثاً، وأمّا ما نقل عنه من الرأي و هو حجّة عليه لا على غيره، ولو صحّ انّه أفتى على خلاف الرواية، فلا يكون دليلاً على ضعف الرواية، لأنّ الاحتمالات المسوّغة لترك الرواية والعدول إلى الرأي، كثيرة منها النسيان ونظائره.

ثمّ إنّ الشوكاني بعد ما ذكر هذا الجواب قال: إنّ القائلين بالتتابع (صحّة الطلاق ثلاثاً) قد استكثروا من الأجوبة على حديث ابن عباس كلّها غير خارجة عن دائرة التعسف، والحقّ أحقّ بالاتّباع.(2)

4. روى البيهقي، قال: كان أبو الصهباء كثير السؤال لابن عباس، قال: أما علمت أنّ الرجل كان إذا طلّق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدة على عهد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأبي بكر ـ رضى اللّه عنه ـ وصدراً من إمارة عمر ـ رضى اللّه عنه ـ فلمّـا رأى الناس قد تتابعوا فيها، قال: أجيزوهن عليهم. (3)

5. أخرج الطحاوي من طريق ابن عباس أنّه قال: لمّا كان زمن عمر ـ رضى اللّه عنه ـ قال: يا أيّها الناس قد كان لكم في الطلاق أناة وإنّه من تعجل أناة اللّه في الطلاق ألزمناه إياه. (4)

6. عن طاووس قال: قال عمر بن الخطاب: قد كان لكم في الطلاق أناة فاستعجلتم أناتكم، وقد أجزنا عليكم ما استعجلتم من ذلك. (5)


1 . نيل الأوطار:6/233.
2 . نيل الأوطار:6/234.
3. سنن البيهقي: 7/339; الدر المنثور: 1/279.
4. عمدة القارئ: 9/537، وقال: اسناده صحيح.
5. كنز العمال: 9/676، برقم 27943.


(94)

7. عن الحسن: أنّ عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى الأشعري: لقد هممت أن أجعل إذا طلّق الرجل امرأته ثلاثاً في مجلس أن أجعلها واحدة، ولكنّ أقواماً جعلوا على أنفسهم، فألزِمُ كلّ نفس ما ألزَمَ نفسه؟ من قال لامرأته: أنت عليَّ حرام، فهي حرام; ومن قال لامرأته: أنت بائنة، فهي بائنة; ومن قال: أنت طالق ثلاثاً، فهي ثلاث. (1)

هذه النصوص تدلّ على أنّ عمل الخليفة لم يكن من الاجتهاد فيما لا نصّ فيه، ولا أخذاً بروح القانون الذي يعبّـر عنه بتنقيح المناط وإسراء الحكم الشرعي إليالمواضع التي تشارك النصوص في المسألة، كما إذا قال: الخمر حرام، فيسري حكمه إلى كلّ مسكر أخذاً بروح القانون، وهو أنّ علّة التحريم هي الإسكار الموجود في المنصوص وغير المنصوص، وانّما كان عمله من نوع ثالث وهو الاجتهاد تجاه النص ونبذ الدليل الشرعي، والسير وراء رأيه وفكره وتشخيصه، وقد ذكروا هنا تبريرات لحكم الخليفة نذكرها تباعاً:

تبريرات لحكم الخليفة

لمّا كان الحكم الصادر عن الخليفة يخالف نصّ القرآن أو ظاهره، حاول بعض المحقّقين تبرير عمل الخليفة ببعض الوجوه حتّى يبرّر حكمه ويصحّحه ويخرجه عن مجال الاجتهاد تجاه النص، بل يكون صادراً عن دليل شرعي، وإليك بيانه:


1 . كنز العمال: 9/676، برقم 27943.


(95)

1. نسخ الكتاب بالإجماع الكاشف عن النص

إنّ الطلاق الوارد في الكتاب منسوخ.

فان قلت: ما وجه هذا النسخ وعمر ـ رضى اللّه عنه ـ لا ينسخ، وكيف يكون النسخ بعد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ؟

قلت: لمّا خاطب عمر الصحابة بذلك فلم يقع إنكار، صار إجماعاً ، والنسخ بالإجماع جوّزه بعض مشايخنا، بطريق أنّ الإجماع موجب علم اليقين كالنص فيجوز أن يثبت النسخ به، والإجماع في كونه حجّة أقوى من الخبر المشهور.

فان قلت: هذا إجماع على النسخ من تلقاء أنفسهم فلا يجوز ذلك في حقّهم.

قلت: يحتمل أن يكون ظهر لهم نص أوجب النسخ ولم ينقل إلينا. (1)

يلاحظ عليه أولاً: أنّ المسألة يوم أفتى بها الخليفة، كانت ذات قولين بين نفس الصحابة، فكيف انعقد الإجماع على قول واحد؟! وقد عرفت الأقوال في صدر المسألة. ولأجل ذلك نرى البعض الآخر ينفي انعقاد الإجماع البتة ويقول: وقد أجمع الصحابة إلى السنة الثانية من خلافة عمر على أنّ الثلاث بلفظ واحد، واحدة، ولم ينقض هذا الإجماع بخلافه، بل لا يزال في الأُمّة من يفتي به قرناً بعد قرن إلى يومنا هذا .(2)

وثانياً: أنّ هذا البيان يخالف ما برّر به الخليفة عمله حيث قال: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم ، ولو كان هناك نص عند الخليفة، لكان التبرير به هو المتعيّـن.


1 . العيني: عمدة القارئ: 9/537.
2 . تيسير الوصول: 3/162.


(96)

وفي الختام نقول: أين ما ذكره صاحب العمدة ممّا ذكره الشيخ صالح بن محمد العمري (المتوفّى 1298هـ) حيث قال: إنّ المعروف عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعند سائر العلماء المسلمين: أنّ حكم الحاكم المجتهد إذا خالف نصّ كتاب اللّه تعالى أو سنّة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وجب نقضه ومنع نفوذه، ولا يُعارض نصّ الكتاب والسنّة بالاحتمالات العقليّة والخيالات النفسية، والعصبيّة الشيطانية بأن يقال: لعلّ هذا المجتهد قد اطّلع على هذا النصّ وتركه لعلّة ظهرت له، أو أنّه اطّلع على دليل آخر، ونحو هذا ممّا لهج به فرق الفقهاء المتعصّبين وأطبق عليه جهلة المقلّدين. (1)

2. تعزيرهم على ما تعدّوا به حدود اللّه

لم يكن الهدف من تنفيذ الطلاق ثلاثاً في مجلس، إلاّ عقابهم من جنس عملهم، وتعزيرهم على ما تعدّوا حدود اللّه، فاستشار أُولي الرأي، وأُولي الأمر وقال: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم؟ فلمّـا وافقوه على ما اعتزم أمضاه عليهم وقال: أيّها الناس قد كانت لكم في الطلاق أناة وأنّه من تعجّل أناة اللّه ألزمناه إيّاه.(2)

لم أجد نصّاً ـ فيما فحصت ـ في مشاورة عمر أُولي الرأي والأمر، غير ما كتبه إلى أبي موسى الأشعري بقوله: لقد هممت أن أجعل إذا طلّق الرجل امرأته ثلاثاً في مجلس أن أجعلها واحدة .... (3)وهو يُعرب عن عزمه وهمّه لا عن استشارته له، ولو كان بصدد الاستشارة، فالأجدر به أن يستشير الصحابة من المهاجرين


1 . إيقاظ همم أُولي الأبصار : 9.
2 . مسند أحمد : 1/314، برقم 2877.
3. كنز العمال : 9/676، برقم 27944.


(97)

والأنصار القاطنين في المدينة وعلى رأسهم علي بن أبي طالب، وقد كان يستشيره في مواقف خطيرة ويقتفي رأيه.

ولا يكون استعجال الناس، مبرّراً لمخالفة الكتاب والسنّة، بل كان عليه ردع الناس عن عملهم السيّئ بقوّة ومنعة، وكيف تصحّ مؤاخذتهم بموافقتهم في عمل أسماه رسول اللّه لعباً بكتاب اللّه؟! (1)

ثمّ إنّ أحمد محمد شاكر مؤلف كتاب «نظام الطلاق في الإسلام» وإن أبدى شجاعة في هذه المسألة وأفتى ببطلان الطلاق الثلاث مطلقاً واستنبط حكم المسألة من الكتاب والسنة بوجه جدير بالاهتمام، لكنّه برّر عمل الخليفة بوجه لا يخلو من التعسّف، وقد صدر عمّا أجاب به ابن قيم الجوزية ـ كما سيوافيك كلامهـ يقول:

«ولم يكن هذا الإلزام من عمر تغييراً للحكم الظاهر من القرآن، والثابت عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ انّ الطلاق لا يلحق الطلاق، وانّ الطلقة الأُولى ليس للمطلق بعدها إلاّ الرجعة أو الفراق، وكذلك الثانية بعد رجعة أو زواج، وإنّما كان إلزاماً بحكم السياسة الشرعية في النظر إلى المصالح. ممّا جعل اللّه للحكام بعد استشارة أُولي الأمر، وهم العلماء و زعماء الناس و عرفاؤهم، فقد أراد عمر و الصحابة أن يمنعوا الناس من الاسترسال في الطلاق، ومن التعجل إلى بت الفراق، فألزموا المطلق ثلاث مرات في عدّة واحدة ما ظنّه ـ أو ما رغب فيه ـ من أنّها بانت منه بمرة، فمنعوه من رجعتها بإرادته ومن تزويجها بعقد آخر حتّى تنكح زوجاً غيره، ولذلك قال عمر: انّه من تعجل أناة اللّه في الطلاق الزمناه إياه، فجعله إلزاماً من الإمام و من أُولي الأمر. ولم يجعله حكماً بوقوع الطلاق الذي لم يقع، لأنّ الأحكام


1 . الدر المنثور : 1/283.


(98)

الثابتة بالكتاب والسنّة صريحاً لا يملك أحد تغييرها أو الخيار بينها و بين غيرها، سواء أكان فرداً أم كان أُمّة مجتمعة».

يلاحظ على(1)ه أوّلاً: أنّ للحاكم الإسلامي اتّخاذ سياسة مناسبة من أجل دفع المجتمع إلى ما فيه صلاحه وزجره عمّا فيه فساده.

فالتعزيرات الشرعية معظمها من هذا الباب ويشترط فيها قبل كلّ شيء أن تكون أمراً حلالاً لا حراماً، فلا يصحّ تعزير الناس بأمر لم يشرِّعه الشارع.

وعلى ضوء ذلك فلا يمكن أن يعد إمضاء عمر للتطليقات الثلاث سياسة شرعية، لأنّه من قبيل دفع الناس إلى ما نهاهم الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عنه وحذّرهم منه وعدّه لعباً بكتاب اللّه حيث قال غاضباً: «أيلعب بكتاب اللّه وأنا بين أظهركم؟!»

وثانياً: أنّ الصحابة والتابعين ومن تلاهم تلقوه تشريعاً قام به الخليفة لا حكماً تأديبياً، ولذلك أخذوا به عبر القرون إلى يومنا هذا، و ما خالفه إلاّ النادر من أهل السنّة، كابن تيمية في «الفتاوى الكبرى»، وابن القيم في «اعلام الموقعين» و«إغاثة اللهفان».

والحقّ أن يقال: انّ إمضاء هذا النوع من الطلاق من قبل الخليفة بأيّ داع كان، قد جرّ الويل والويلات على الأُسر والعائلات، فصار سبباً لانفصام عُقَد الزوجية في عوائل كثيرة.

وممّا ذكرنا يظهر ضعف تبرير ابن قيم الجوزية عمل الخليفة بقوله: إنّ هذا القول قد دلّ عليه الكتاب والسنّة والقياس والإجماع القديم، ولم يأت بعده إجماع يبطله، ولكن رأى أمير المؤمنين عمر ـ رضى اللّه عنه ـ أنّ الناس قد استهانوا بأمر الطلاق وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة، فرأى من المصلحة


1 . نظام الطلاق في الإسلام:80.


(99)

عقوبتهم بإمضائه عليهم ليعلموا أنّ أحدهم إذا أوقعه جملة بانت منه المرأة، وحرّمت عليه، حتى تنكح زوجاً غيره نكاح رغبة، يراد للدوام لا نكاح تحليل، فإذا علموا ذلك كفّوا عن الطلاق المحرَّم، فرأى عمر أنّ هذا مصلحة لهم في زمانه، ورأى أنّ ما كانوا عليه في عهد النبيّ وعهد الصديق، وصدراً من خلافته كان الأليق بهم، لأنّهم لم يتابعوا فيه وكانوا يتّقون اللّه في الطلاق، وقد جعل اللّه لكلّ من اتّقاه مخرجاً، فلمّـا تركوا تقوى اللّه وتلاعبوا بكتاب اللّه وطلّقوا على غير ما شرّعه اللّه ألزمهم بما التزموه عقوبة لهم فإنّ اللّه شرّع الطلاق مرّة بعد مرّة، ولم يشرّعه كلّه مرّة واحدة .(1)

وبما ذكرنا حول كلام أحمد محمد شاكر يعلم ضعفه فلا نعيد.

3. تنفيذ الطلاق ثلاثاً للحد من الكذب

وربما يقال في تبرير فعل الخليفة الثاني هو وجود الفرق بين عصر رسول اللّه وعصر الخليفة، ففي عصر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان الناس في صلاح وفلاح، وإذا قالوا: أردنا من قولنا: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، التكرير يؤخذ بقولهم، بخلاف عصر الخليفة، فقد فشا في عصره الفساد والكذب فكانوا يعتذرون بنفس ما كانت الصحابة يعتذرون به، وبما انّ قسماً كثيراً منهم يكذبون في قولهم، بالتأكيد لم يجد الخليفة بداً من الأخذ بظاهر كلامهم وهو الطلاق ثلاثاً.

وهذا الوجه نقله الشوكاني، فقال: إنّ الناس كانوا في عهد رسول اللّه وعهد أبي بكر على صدقهم وسلامتهم وقصدهم في الغالب الفضيلة والاختيار لم يظهر فيهم خب ولا خداع، وكانوا يصدقون في إرادة التوكيد، فلمّا رأى عمر في زمانه


1 . اعلام الموقعين : 3/36.


(100)

أُموراً ظهرت وأحوالاً تغيرت وفشا إيقاع الثلاث جملة بلفظ لا يحتمل التأويل ألزمهم الثلاث في صورة التكرير، إذ صار الغالب عليهم قصدها، وقد أشار إليه بقوله: «إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة».

ثمّ إنّ الشوكاني ردّه ـ بعد نقله ـ حيث قال: وقد ارتضى هذا الجواب القرطبي، وقال النووي: إنّه أصحّ الأجوبة، ولا يخفى انّ ما جاء بلفظ يحتمل التأكيد وادعى انّه نواه يُصدَّق في دعواه ولو في آخر الدهر فكيف بزمن خير القرون ومن يليهم؟!

وإن جاء بلفظ لا يحتمل التأكيد لم يصدق إذا ادّعى التأكيد من غير فرق بين عصر و عصر.(1)

أقول: إنّ هذا التبرير ـ بالإضافة إلى ما ذكره الشوكانيـ من قبيل دفع الفاسد بالأفسد، وقد زاد في الطين بلّة، حيث إنّ المجيب حاول أن يبرر عمل الخليفة ويبرّئه من الخطأ ولو على حساب كرامة قسم من الصحابة والتابعين، حيث إنّ كثيراً منهم كان يرجع إلى الخليفة، فكيف يرميهم بالكذب والخداع؟!

وفي الختام نأتي بكلمة قيمة للشوكاني، فانّه بعد ما ذكر أدلّة القائلين بوقوع الطلاق ثلاثاً، و تأويل رواية ابن عباس، و تبرير عمل الخليفة، قال: فإن كانت تلك المماشاة لأجل مذاهب الأسلاف فهي أحقر وأقل من أن تُؤثَر على السنّة المطهرة، وإن كانت لأجل عمر بن الخطاب فأين يقع المسكين من رسول اللّه، فأيَّ مسلم من المسلمين يستحسن عقله وعلمه ترجيح قول صحابي على قول المصطفى؟!(2)


1 . نيل الأوطار:6/233.
2 . نيل الأوطار:6/234.


(101)

نعم بعض علماء أهل السنّة في هذه العصور فنّدهذا النوع من الطلاق، ولأجل ذلك تغيّـر قانون محاكم مصر الشرعية وخالفمذهب الحنفية بعد استقلالها وتحرّرها عن سلطنة الدولة العثمانية. كما أنّ عدداً من مفتي أهل السنّة عمِد إلى تفنيد هذا النوع من الطلاق، في هذا الإطار يقول مؤلّف المنار بعد البحث الضافي حول المسألة: ليس المراد مجادلة المقلّدين أو إرجاع القضاة والمفتين عن مذاهبهم، فإنّ أكثرهم يطّلع على هذه النصوص في كتب الحديث وغيرها ولا يبالي بها، لأنّ العمل عندهم على أقوال كتبهم دون كتاب اللّه وسنّة رسوله. (1)

4. تغيّـر الأحكام بالمصالح

ولابن قيم الجوزية كلام مسهب في تحليل إمضاء عمر الطلاق ثلاثاً ، وهو يعتمد على تغيّـر الأحكام بالمصالح، ويخلط الصحيح بالسقيم، وإليك ملخّص كلامه:

قال: الأحكام نوعان:

نوع لا يتغيّـر عن حالة واحدة هو عليها، لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة ولا اجتهاد الأئمّة، كوجوب الواجبات وتحريم المحرّمات والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم.

والنوع الثاني: ما يتغيّـر بحسب اقتضاء المصلحة له زماناً ومكاناً وحالاً، كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها ـ ثمّ أتى بأمثلة كثيرة في باب التعزيرات ـ وقال: ومن ذلك أنّه رضى اللّه عنه ـ يريد عمر بن الخطاب ـ لمّا رأى الناس قد


1 . تفسير المنار: 2/386، الطبعة الثالثة ـ 1376هـ.


(102)

أكثروا في الطلاق، رأى أنّهم لا ينتهون عنه إلاّ بعقوبة، فرأى إلزامهم بها عقوبة لهم ليكفّوا عنها، وذلك:

إمّا من التعزير العارض الذي يفعل عند الحاجة كما كان يضرب في الخمر ثمانين ويحلق فيها الرأس.

وإمّا ظنّاً أنّ جعل الثلاث واحدة كان مشروعاً بشرط وقد زال.

وإمّا لقيام مانع قام في زمنه منع من جعل الثلاث واحدة.

ـ إلى أن قال: ـ فلمّـا رأى أمير المؤمنين أنّ اللّه سبحانه عاقب المطلِّق ثلاثاً، بأن حال بينه وبين زوجه وحرّمها عليه حتى تنكح زوجاً غيره، علم أنّ ذلك لكراهة الطلاق المحرّم، وبغضه له، فوافقه أمير المؤمنين في عقوبته لمن طلّق ثلاثاً بأن ألزمه بها وأمضاها عليه. وقال:

فإن قيل: كان أسهل من ذلك أن يمنع الناس من إيقاع الثلاث، ويحرمه عليهم ويعاقب بالضرب والتأديب من فعله لئلاّ يقع المحذور الذي يترتّب عليه.

قيل: نعم ، لعمر اللّه كان يمكنه ذلك، ولذا ندم في آخر أيامه وودَّ أنّه كان فعله، قال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في مسند عمر: أخبرنا أبو يعلى، حدثنا صالح بن مالك، حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب: ما ندمت على شيء مثل ندامتي على ثلاث: أن لا أكون حرّمت الطلاق، وعلى أن لا أكون أنكحت الموالي، وعلى أن لا أكون قتلت النوائح.

وليس مراده من الطلاق الذي حرّمه، الطلاق الرجعيّ الذي أباحه اللّه تعالى وعلم من دين رسول اللّه جوازه، ولا الطلاق المحرّم الذي أجمع المسلمون على تحريمه كالطلاق في الحيض والطهر المجامع فيه، ولا الطلاق قبل الدخول، فتبيّـن قطعاً أنّه أراد تحريم الطلاق الثلاث ـ إلى أن قال: ـ ورأى عمر أنّ المفسدة تندفع


(103)

بإلزامهم به فلمّـا تبيّـن أنّ المفسدة لم تندفع بذلك وما زاد الأمر إلاّ شدّة، أخبر أنّ الأولى كان عدوله إلى تحريم الثلاث الذي يدفع المفسدة من أصلها، واندفاع هذه المفسدة بما كان عليه الأمر في زمن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأبي بكر وأوّل خلافة عمر. (1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من تقسيم الأحكام إلى نوعين، صحيح. ولكن من أين علم أنّ حكم الطلاق الثلاث من النوع الثاني، فأيّ فرق بين حكم الواجبات والمحرّمات وقوله سبحانه: (الطلاق مرتان) وكيف يتغيّـر حكم وصفَ رسول اللّه خلافه لعباً بالدين؟

وأمّا ما ذكره من الاحتمالات الثلاثة، فالاحتمال الأوّل هو المتعيّـن وهو الموافق لكلام الخليفة نفسه، وأمّا الاحتمالان الأخيران ـ أي جعل الثلاث واحدة كان مشروعاً بشرط وقد زال، أو قام مانع عن إمضائه ـ فلا يعتمد عليهما، ويبدو أن الدافع إلى تصوّر هذين الاحتمالين هو الخضوع للعاطفة وتبرير عمل الخليفة بأي نحو كان.

5.تغيّـر الأحكام حسب مقتضيات الزمان

إنّ الأحكام التي تتغيّـر بتغيّـر الزمان وتبدّل الظروف، عبارة عن الأحكام التي حُدّد جوهرها برعاية المصالح، وتركت خصوصياتها وأشكالها إلى رأي الحاكم الإسلامي، فهذا النوع من الأحكام يتعرّض للتغيّـر دون ما قام الشارع بتحديد جوهره وشكله وكيفيته، ولم يترك للحاكم الإسلامي أيّ تدخّل فيه، والأحكام


1 . إعلام الموقعين : 3/36، وأشار إليه أيضاً في كتابه «إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان»: 1/336.


(104)

الواردة في الأحوال الشخصية من هذا القبيل، فليس للحاكم التدخل في أحكام النسب والمصاهرة والرضاع والعدد، فليس له أن يحرّم ما أحلّ اللّه عقوبة للخاطئ وبالعكس، وإنّما هي أحكام ثابتة لا تخضع لرأي حاكم وغيره.

وأمّا ما يجوز للحاكم التدخل فيه فهو عبارة عن الأحكام التي تركت خصوصياتها وأشكالها إلى الحاكم، ليصون مصالح الإسلام والمسلمين، بما تقتضيه الظروف السائدة، وإليك نزراً يسيراً منها، لئلاّ يخلط أحدهما بالآخر:

1. في مجال العلاقات الدولية الدبلوماسية: يجب على الدولة الإسلامية أن تراعي مصالح الإسلام والمسلمين، فهذا أصل ثابت وقاعدة عامة، وأمّا كيفية تلك الرعاية، فتختلف باختلاف الظروف الزمانية والمكانية، فتارة تقتضي المصلحة ، السلام والمهادنة والصلح مع العدو، وأُخرى تقتضي ضد ذلك.

وهكذا تختلف المقررات والأحكام الخاصّة في هذا المجال، باختلاف الظروف، ولكنّها لا تخرج عن نطاق القانون العام الذي هو رعاية مصالح المسلمين، كقوله سبحانه:

(ولَنْ يَجْعَلَ اللّهُ لِلكـافِرينَ على المؤمِنينَ سبيلا).(1)

وقوله سبحانه: (لا ينهاكُمُ اللّهُ عن الَّذِين لم يقاتِلوكُمْ في الدِّينِ ولَمْ يُخرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أن تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطوا إليهمْ إنَّ اللّهَ يُحِبُّ المُقْسِطين) .

(إنَّما ينهاكُمُ اللّهُ عنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُم فِي الدِّينِ وأخرَجُوكُم من ديارِكُمْ وظاهرُوا على إخراجِكُمْ أن تَولَّوهُمْ وَمَن يَتَولَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمون) .(2)

2.العلاقات الدولية التجارية: فقد تقتضي المصلحة عقد اتّفاقيات


1 . النساء:141.
2 . الممتحنة:8ـ9.


(105)

اقتصادية وإنشاء شركات تجارية أو مؤسّسات صناعية، مشتركة بين المسلمين وغيرهم، وقد تقتضي المصلحة غير ذلك. ومن هذا الباب حكم الإمام المغفور له، الفقيه المجدّد السيد الشيرازي بتحريم التدخين ليمنع من تنفيذ الاتّفاقية الاقتصادية التي عقدت في زمانه بين إيران وانجلترا، إذ كانت مجحفة بحقوق الأُمّة المسلمة الإيرانية، لأنّها خوّلت لانجلترا حقّ احتكار التنباك الإيراني.

3. الدفاع عن بيضة الإسلام وحفظ استقلال البلاد وصيانة حدودها من الأعداء، قانون ثابت لا يتغيّـر، فالمقصد الأسنى لمشرّع الإسلام، إنّما هو صيانة السيادة من خطر الأعداء وأضرارهم، ولأجل ذلك أوجب تحصيل قوة ضاربة، وإعداد جيش عارم جرّار، ضدّ الأعداء كما يقول سبحانه: (وَأَعدُّوا لَهُمْ ما استطعتُمْ مِنْ قوَّة)(1) ، فهذا هو الأصل الثابت في الإسلام الذي يؤيده العقل والفطرة، أمّا كيفيّة الدفاع وتكتيكه ونوع السلاح، أو لزوم الخدمة العسكرية وعدمه، فكلّها موكولة إلى مقتضيات الزمان، تتغيّـر بتغيّـره، ولكن في إطار القوانين العامة، فليس هناك في الإسلام أصل ثابت، حتى مسألة لزوم التجنيد الإجباري، الذي أصبح من الأُمور الأصلية في غالب البلاد.

وما نرى في الكتب الفقهية من تبويب باب أو وضع كتاب خاص، لأحكام السبق والرماية، وغيرها من أنواع الفروسية التي كانت متعارفة في الأزمنة الغابرة، ونقل أحاديث في ذلك الباب عن الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأئمّة الإسلام فليست أحكامها أصلية ثابتة في الإسلام، دعا إليها الشارع بصورة أساسية ثابتة، بل كانت نوعاً من أنواع التطبيق لذلك الحكم، الغرض منه تحصيل القوّة الكافية تجاه العدو في تلك العصور، وأمّا الأحكام التي ينبغي أن تطبّق في العصر الحاضر، فإنّها


1 . الأنفال:60.


(106)

تخضع تفرضها لمقتضيات العصر نفسه. (1)

فعلى الحاكم الإسلامي تقوية جيشه وقواته المسلحة بالطرق التي يقدر معها على صيانة الإسلام و معتنقيه عن الخطر، ويصدّ كلّ مؤامرة عليه من جانب الأعداء حسب إمكانيات الوقت.

والمقنّن الذي يتوخّى ثبات قانونه ودوامه وسيادة نظامه الذي جاء به، لا يجب عليه التعرّض إلى تفاصيل الأُمور وجزئياتها، بل الذي يجب عليه هو وضع الكليات والأُصول ليساير قانونه جميع الأزمنة بأشكالها وصورها المختلفة، ولو سلك غير هذا السبيل لصار حظّه من البقاء قليلاً جدّاً.

4. نشر العلم والثقافة واستكمال المعارف التي تضمن سيادة المجتمع مادياً ومعنوياً يعتبر من الفرائض الإسلامية، أمّا تحقيق ذلك وتعيين نوعه ونوع وسائله فلا يتحدّد بحدّ خاص، بل يوكل إلى نظر الحاكم الإسلامي، واللّجان المقررة لذلك من جانبه حسب الإمكانيات الراهنة في ضوء القوانين الثابتة.

وبالجملة: فقد ألزم الإسلام، رعاة المسلمين، وولاة الأمر نشر العلم بين أبناء الإنسان واجتثاث مادة الجهل من بينهم ومكافحة أيّ لون من الأُميّة، وأمّا نوع العلم وخصوصياته، فكل ذلك موكول إلى نظر الحاكم الإسلامي وهو أعلم


1 . قال المحقق في «الشرائع»: 152: وفائدة السبق والرماية: بعث النفس على الاستعداد للقتال والهداية لممارسة النضال وهي معاملة صحيحة.
وقال الشهيد الثاني: في «المسالك» في شرح عبارة المحقّق: لا خلاف بين المسلمين في شرعية هذا العقد، بل أمر به النبي في عدّة مواطن لما فيه من الفائدة المذكورة وهي من أهم الفوائد الدينية لما يحصل بها من غلبة العدو في الجهاد لأعداء اللّه تعالى. الذي هو أعظم أركان الإسلام ولهذه الفائدة يخرج عن اللهو واللعب المنهى عن المعاملة عليهما.
فإذا كانت الغاية من تشريعها الاستعداد للقتال والتدرّب للجهاد، فلا يفرق عندئذ بين الدارج في زمن النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وغيره أخذاً بالملاك المتيقّن.


(107)

بحوائج عصره.

فربّ علم، لم يكن لازماً، لعدم الحاجة إليه، في العصور السابقة، ولكنّه أصبح اليوم في طليعة العلوم اللازمة، التي فيها صلاح المجتمع، كالاقتصاد والسياسة.

5.حفظ النظام وتأمين السبل والطرق، وتنظيم الأُمور الداخلية ورفع المستوى الاقتصادي و... من الضروريات، فيتبع فيه وأمثاله، مقتضيات الظروف وليس فيه للإسلام حكم خاص يتبع، بل الذي يتوخّاه الإسلام، هو الوصول إلى هذه الغايات، وتحقيقها بالوسائل الممكنة، دون تحديد وتعيين لنوع هذه الوسائل وإنّما ذلك متروك إلى إمكانيات الزمان الذي يعيش فيه البشر، وكلّها في ضوء القوانين العامة.

6. قد جاء الإسلام بأصل ثابت في مجال الأموال، وهو قوله سبحانه: (ولا تَأكُلوا أَموالَكُمْ بَينَكُمْ بِالباطِلِ)، وقد فرع الفقهاء على هذا الأصل شرطاً في صحّة عقد البيع أو المعاملة فقالوا: يشترط في صحّة المعاملة وجود فائدة مشروعة وإلاّ فلا تصح المعاملة، ومن هنا حرّموا بيع (الدم) وشراءه.

إلاّ أنّ تحريم بيع الدم وشرائه ليس حكماً ثابتاً في الإسلام، بل التحريم كان في الزمان السابق صورة إجرائية لما أفادته الآية من حرمة أكل المال بالباطل، وكان بيع الدم في ذلك الزمان مصداقاً له، فالحكم يدور مدار وجود الفائدة (التي تخرج المعاملة عن كونها أكل المال بالباطل) وعدم تحقّق الفائدة (التي تخرج المعاملة عن كونها أكل المال بالباطل) فلو ترتّبت فائدة معقولة على بيع الدم أو شرائه فسوف يتبدّل حكم الحرمة إلى الحلّية، والحكم الثابت هنا هو قوله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) .


(108)

وفي هذا المضمار ورد أنّ علياً ـ عليه السَّلام ـ سئل عن قول الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : غيّـروا الشيب ولا تشبّهوا باليهود؟ فقال ـ عليه السَّلام ـ : «إنّما قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ذلك والدين قُلٌّ، فأمّا الآن فقد اتّسع نطاقه وضرب بجرانه فامْرؤٌ وما اختار». (1)

هذا ولمّا كان الحكم بصحة الطلاق ثلاثاً، مثيراً للفساد، عبر التاريخ، قام ابن قيم ـ مع تبريره عمل الخليفة بما ذكر ـ ببيان ما ترتّب عليه من شماتة أعداء الدين به، وها نحن ننقل نصّ كلامه:

جزاء الانحراف عن الطريق المهيع

إنّ ابن القيم ـ كما عرفت ـ كان من المدافعين المتحمّسين عن فتيا الخليفة، وقد برّر حكمه بأنّ المصلحة يومذاك كانت تقتضي الأخذ بما التزم به المطلّق على نفسه، وقد عرفت ضآلة دفاعه ووهن كلامه، ولكنّه ذكر في آخر كلامه بأنّ المصلحة في زماننا هذا على عكس ما كان عليه زمن الخليفة، وأنّ تصحيح التطليق الثلاث، جرّ الويلات على المسلمين في أجوائنا وبيئاتنا، وصار سبباً لاستهزاء الأعداء، بالدين وأهله، وأنّه يجب في زماننا هذا الأخذ بمُرّ الكتاب والسنّة، وهو أنّه لا يقع منه إلاّ واحد.

ولكنّه غفل عمّـا هو الحق في المقام وأنّ المصلحة في جميع الأزمنة كانت على وتيرة واحدة، وأنّ ما حدّه سبحانه من الحدود، هو المطابق لمصالح العباد ومصائرهم، وأنّ الشناعة والاستهزاء اللَّتين يذكرهما ابن قيم الجوزية إنّما نجمتا من الانحراف عن الطريق المهيَع والاجتهاد تجاه النص بلا ضرورة مفضية إلى العدول ومن دون أن يكون هناك حرج أو كلفة، ولأجل ذلك نأتي بكلامه حتى يكون عبرة


1 . نهج البلاغة، الحكمة رقم 16. لاحظ كتابنا مفاهيم القرآن : 3/265 ـ 275.


(109)

لمن يريد في زماننا هذا أن يتلاعب بالأحكام الشرعية بهذه المصالح المزعومة، وإليك نصّ كلامه:

هذه المسألة ممّا تغيّـرت الفتوى بها بحسب الأزمنة وأمّا في هذه الأزمان التي قد شكت الفروج فيها إلى ربّها من مفسدة التحليل، وقبح ما يرتكبه المحلّلون ممّا هو رمد بل عمىً في عين الدين، وشجىً في حلوق المؤمنين، من قبائح تشمّت أعداء الدين بها، وتمنع كثيراً ممّن يريد الدخول فيه بسببه، بحيث لا يحيط بتفاصيلها خطاب، ولا يحصرها كتاب، يراها المؤمنون كلّهم من أقبح القبائح ويعدّونها من أعظم الفضائح، قد قلبت من الدين رسمه، وغيّـرت منه اسمه، وضمخ التيس المستعار فيها المطلّقةَ بنجاسة التحليل، وقد زعم أنّه قد طيّبها للحليل، فيا للّه العجب ! أيّ طيب أعارها هذا التيس الملعون؟! وأيّ مصلحة حصلت لها ولمطلِّقها بهذا الفعل الدون؟!

أترى وقوف الزوج المطلِّق أو الولي على الباب، والتيس الملعون قد حلّ أزارها وكشف النقاب، وأخذ في ذلك المرتع، والزوج أو الولي يناديه: لم يُقدَّم إليك هذا الطعام لتشبع، فقد علمت أنت والزوجة ونحن والشهود والحاضرون والملائكة الكاتبون، وربّ العالمين، أنّك لست معدوداً من الأزواج، ولا للمرأة أو أوليائها بك رضاً ولا فرح ولا ابتهاج، وإنّما أنت بمنزلة التيس المستعار للضراب، الذي لولا هذه البلوى لما رضينا وقوفك على الباب، فالناس يُظهرون النكاح ويُعلنونه فرحاً وسروراً ، ونحن نتواصى بكتمان هذا الداء العضال، ونجعله أمراً مستوراً بلا نثار ولا دف ، ولا خوان ولا اعلان، بل التواصي بهس ومس والاخفاء والكتمان، فالمرأة تنكح لدينها وحسبها ومالها وجمالها.

والتيس المستعار لا يسأل عن شيء من ذلك، فانّه لا يُمسك بعصمتها، بل


(110)

قد دخل على زوالها، واللّه تعالى قد جعل كل واحد من الزوجين سكناً لصاحبه، وجعل بينهما مودة ورحمة ليحصل بذلك مقصود هذا العقد العظيم، وتتم بذلك المصلحة التي شرّعه لأجلها العزيز الحكيم.

فسل التيس المستعار: هل له من ذلك نصيب، أو هو من حكمة هذا العقد ومقصوده ومصلحته أجنبي غريب؟! وسله: هل اتّخذ هذه المصابة حليلة وفراشاً يأوى إليه؟ هل رضيت به قط زوجاًوبعلاً تعول في نوائبها عليه؟! وسل أُولي التمييز والعقول: هل تزوّجت فلانة بفلان؟! وهل يعد هذا نكاحاً في شرع أو عقل أو فطرة إنسان؟ وكيف يلعن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ رجلاً من أُمّته نكح نكاحاً شرعياً صحيحاً، ولم يرتكب في عقده محرماً ولا قبيحاً؟! وكيف يشبهه بالتيس المستعار، وهو من جملة المحسنين الأبرار؟! وكيف تعيّـر به المرأة طول دهرها بين أهلها والجيران، وتظل ناكسة رأسها إذا ذكر ذلك التيس بين النسوان؟! وسل التيس المستعار: هل حدّث نفسه وقت هذا العقد الذي هو شقيق النفاق، بنفقة أو كسوة أو وزن صداق؟! وهل طمعت المصابة منه في شيء من ذلك، أو حدّثت نفسها به هنالك؟! وهل طلب منها ولداً نجيباً واتّخذته عشيراً وحبيباً؟!

وسل عقول العالمين وفطرهم: هل كان خير هذه الأُمّة أكثرهم تحليلاً، وكان المحلّل الذي لعنه اللّه ورسوله أهداهم سبيلاً؟ وسل التيس المستعار ومن ابتليت به: هل تجمّل أحد منهما لصاحبه كما يتجمّل الرجال بالنساء والنساء بالرجال، أو كان لأحدهما رغبة في صاحبه بحسب أو مال أو جمال؟ وسل المرأة: هل تكره أن يتزوّج عليها هذا التيس المستعار أو يتسرّى، أو تكره أن تكون تحته امرأة غيرها أُخرى، أو تسأله عن ماله وصنعته أو حسن عشيرته وسعة نفقته؟! وسل التيس المستعار: هل سأل قط عمّـا يسأله عنه مَن قصد حقيقة النكاح، أو يتوسل إلى بيت أحمائه


(111)

بالهدية والحمولة، والنقد الذي يتوسّل به خاطب الملاح؟ وسله: هل هو «أبو يأخذ» أو «أبو يعطي»؟ وهل قوله عند قراءة أبي جاد هذا العقد: خذي نفقة هذا العرس أو حطي؟ وسله: هل تحمّل من كلفة هذا العقد خذي نفقة هذا العرس أو حطي؟

وسله عن وليمة عرسه، هل أولم ولو بشاة؟ وهل دعا إليها أحداً من أصحابه فقضى حقّه وأتاه؟ وسله: هل تحمّل من كلفة هذا العقد ما يتحمّله المتزوّجون، أم جاءه ـ كما جرت به عادة الناس ـ الأصحاب والمهنئون؟ وهل قيل له بارك اللّه لكما وعليكما وجمع بينكما في خير وعافية، أم لعن اللّه المحلِّل والمحلَّل له لعنة تامة وافية؟ (1)

يلاحظ عليه: أنّ العار الذي ـ على زعمه ـ دخل الإسلام رهن تصحيح الطلاق ثلاثاً، وأنّ الطلاق الواحد حقيقة يعد ثلاثاً، وأمّا ما شرّعه الذكر الحكيم من توقّف صحّة النكاح بعد التطليقات الثلاث على المحلّل فهو من أفضل قوانينه المشرقة، وأرسخها وأتقنها فلا يدخل العار من جانبه على الإسلام أبداً، وذلك:

أوّلاً: أنّه يصد الزوج عن الطلاق الثالث لما يعلم أنّ النكاح بعده يتوقّف على التحليل الذي لا يتحمّله أكثر الرجال.

وثانياً: أنّه لا يقوم به إلاّ إذا يئس من التزويج المجدّد، لأنّ التجارب المتكرّرة، أثبتت أنّ الزوجين ليسا على شاكلة واحدة من جانب الأخلاق والروحيات فلا يُقدِم على الطلاق إلاّ إذا كان آيساً من الزواج المجدّد وقلّما يتّفق تجدد الجنوح إلى بناء البيت بالزوجة التي طلّقها ثلاثاً لو لم نقل إنّه يندر جداً ـ


1 . اعلام الموقّعين: 3/41ـ43. ولاحظ إغاثة اللهفان له أيضاً: 1/312.


(112)

فعند ذاك تقل الحاجة إلى المحلّل جداً، وهذا بخلاف تصحيح الطلاق الواحد، ثلاثاً، فكثيراً ما يندم الزوج من الطلاق ويريد إعادة بناء البيت الذي هدمه بالطلاق ـ وهو حسب الفرض يتوقّف على المحلّل الذي يلصق العار بهما ويترتّب عليه ما ذكره ابن قيم الجوزية في كلامه المسهب.

وفي كلامه ملاحظات أُخرى تركناها خصوصاً في تصويره المحلّل كأنّه الأجير للتحليل، ويتزوّج لتلك الغاية، وهو تصوير خاطئ جداً، بل يتزوج بنفس الغاية التي يتزوّج لأجلها سائر النساء ،غير أنّه لو طلّق الزوجة عن اختيار يصير حلالاً للزوج السابق، وأين ذلك ممّا جاء في كلامه؟!