الاثنين 12 ربيع الاوّل 1433 - Mon 06 February 2012  
  • الصفحة الرئيسية
  • RSS
  • إتصل بنا
  • الموقع الفارسي




(360)

كلمة شيخ الأزهر
الشيخ سليم البشري(1)
حول الصفات الخبريّة

ونحن نختم هذا البحث بذكر كلمة شيخ الأزهر الشيخ سليم البشري كتبه حول سؤال رفعه إليه الشيخ أحمد علي بدر شيخ معهد «بلصفورة» وإليك خلاصة السؤال:

ما قولكم ـ دام فضلكم ـ في رجل من أهل العلم يتظاهر باعتقاد ثبوت جهة الفوقية للّه سبحانه و تعالى و يدّعي انّ ذلك مذهب السلف، وتبعه على ذلك بعض الناس وجمهور أهل العلم ينكرون ذلك، والسبب في تظاهره بهذا المعتقد عثوره على كتاب لبعض علماء الهند نقل فيه صاحبه كلاماً كثيراً عن ابن تيمية في إثبات الجهة للباري سبحانه وتعالى و يخطئ أبا البركات ـ رضي اللّه عنه ـ في قوله: في خريدته:

منزه عن الحلول والجهة      والاتصال الانفصال والسفه


1 . تولّى مشيخة الأزهر مرّة بعد أُخرى، توفّي عام 1335هـ.ق.


(361)

يخطئه في موضعين من البيت قوله: والجهة وقوله: والانفصال.

والشيخ اللقاني في قوله:

ويستحيل ضدّ ذي الصفات      في حقّه كالكون في الجهات

وبالجملة هو مخطئ لكلّ من يقول بنفي الجهة مهما كان قدره.

ولا يخفى على فضيلتكم أنّ الكلام في مسألة الجهة شهير، إلاّ أنّه من المعلوم أنّ قول فضيلتكم سيما في مثل هذا الأمر هو الفصل، وأرجو أن يكون عليه إمضاؤكم بخطكم والختم ولا مؤاخذة، لازلتم محفوظين ولمذهب أهل السنّة والجماعة ناصرين آمين.

نصّ الجواب

وقد كتب إليه شيخ الأزهر جواباً لسؤاله وهذا نصّه:

إلى حضرة الفاضل العلاّمة الشيخ أحمد علي بدر خادم العلم الشريف ببلصفورة:

قد أرسلتم بتاريخ 22محرم سنة 1325هـ مكتوباً مصحوباً بسؤال عن حكم من يعتقد ثبوت الجهة له تعالى، فحررنا لكم الجواب الآتي وفيه الكفاية لمن اتّبع الحق وأنصف، جزاكم اللّه عن المسلمين خيراً.

«اعلم أيدك اللّه بتوفيقه وسلك بنا وبك سواء طريقه، أنّ مذهب الفرقة الناجية وما عليه أجمع السنّيون أنّ اللّه تعالى منزّه عن مشابهة الحوادث، مخالف لها في جميع سمات الحدوث، و من ذلك تنزهه عن الجهة والمكان كما دلّت على ذلك البراهين القطعية، فانّ كونه في جهة يستلزم قدم الجهة أو المكان وهما من العالم،


(362)

وهو ما سوى اللّه تعالى، وقد قام البرهان القاطع على حدوث كلّ ما سوى اللّه تعالى بإجماع من أثبت الجهة ومن نفاها، ولأنّ المتمكن يستحيل وجود ذاته بدون المكان مع أنّ المكان يمكن وجوده بدون المتمكن لجواز الخلاء، فيلزم إمكان الواجب ووجوب الممكن، وكلاهما باطل، ولأنّه لو تحيز لمكان جوهراً لاستحالة كونه عرضاً، ولو كان جوهراً فامّا أن ينقسم وإمّا أن لا ينقسم، وكلاهما باطل، فانّ غير المنقسم هو الجزء الذي لا يتجزأ وهو أحقر الأشياء، تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً.

والمنقسم جسم وهو مركّب والتركيب ينافي الوجوب الذاتي، فيكون المركّب ممكناً يحتاج إلى علّة مؤثرة، وقد ثبت بالبرهان القاطع أنّه تعالى واجب الوجود لذاته، غنيّ عن كلّ ما سواه، مفتقر إليه كلّ ما عداه، سبحانه ليس كمثله شيء وهو السّميع البصير....

هذا وقد خذل اللّه أقواماً أغواهم الشيطان وأزلّهم، اتّبعوا أهواءهم وتمسّكوا بما لا يجدي فاعتقدوا ثبوت الجهة تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً.

واتّفقوا على أنّها جهة فوق إلاّ أنّهم افترقوا; فمنهم من اعتقد أنّه جسم مماس للسطح الأعلى من العرش، وبه قال الكرامية واليهود، وهؤلاء لا نزاع في كفرهم.

ومنهم من أثبت الجهة مع التنزيه، وأنّ كونه فيها ليس ككون الأجسام، وهؤلاء ضلاّل فسّاق في عقيدتهم، وإطلاقهم على اللّه ما لم يأذن به الشارع، ولا مرية أنّ فاسق العقيدة أقبح وأشنع من فاسق الجارحة بكثير سيما من كان داعية أو مقتدى به. وممّن نسب إليه القول بالجهة من المتأخّرين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي من علماء القرن الثامن، في ضمن


(363)

أُمور نسبت إليه خالف الإجماع فيها عملاً برأيه وشنع عليه معاصروه بل البعض منهم كفروه، ولقى من الذل والهوان ما لقى، وقد انتدب بعض تلامذته للذب عنه وتبرئته ممّا نسب إليه وساق له عبارات أوضح معناها، وأبان غلط الناس في فهم مراده.

واستشهد بعبارات له أُخرى صريحة في دفع التهمة عنه، وأنّه لم يخرج عمّا عليه الإجماع، وذلك هو المظنون بالرجل لجلالة قدره ورسوخ قدمه، وما تمسّك به المخالفون القائلون بالجهة أُمور واهية وهمية، لا تصلح أدلّة عقلية ولا نقلية، قد أبطلها العلماء بما لا مزيد عليه، وما تمسكوا به ظواهر آيات وأحاديث موهمة:

كقوله تعالى: «الرَّحْمنُ عَلى الْعَرش اسْتَوى»وقوله: «إِليهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّب» وقوله: «تَعرجُ المَلائكة وَالرُّوح إِليه» وقوله: «أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماء أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرض» وقوله: «وَهُوَ الْقاهِرُ فَوقَ عِبادِهِ».

وكحديث:«إنّه تعالى ينزل إلى سماء الدنيا كلّ ليلة».

وفي رواية « في كلّ ليلة جمعة فيقول هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟».

و كقوله للجارية الخرساء: «أين اللّه فأشارت إلى السماء» حيث سأل بأين التي للمكان ولم ينكر عليها الإشارة إلى السماء، بل قال إنّها مؤمنة.

ومثل هذه يجاب عنها بأنّها ظواهر ظنيّة لا تعارض الأدلّة القطعية اليقينيّة الدالّة على انتفاء المكان والجهة، فيجب تأويلها وحملها على محامل صحيحة لا تأباها الدلائل والنصوص الشرعية، إمّا تأويلاً إجمالياً بلا تعيين للمراد منها كما هو مذهب السلف، وإمّا تأويلاً تفصيلياً بتعيين محاملها وما يراد منها كما هو رأي الخلف، كقولهم: إنّ الاستواء بمعنى الاستيلاء كما في قول القائل:


(364)

قد استوى بشر على العراق      من غير سيف ودم مُهراق

وصعود الكلم الطيب إليه قبوله إياه ورضاه به، لأنّ الكلم عرض يستحيل صعوده، وقوله: من في السماء: أي أمره وسلطانه أو ملك من ملائكته موكّل بالعذاب.

وعروج الملائكة والروح إليه صعودهم إلى مكان يتقرب إليه فيه. وقوله: فوق عباده أي بالقدرة والغلبة، فإنّ كلّ من قهر غيره وغلبه فهو فوقه أي عال عليه بالقهر والغلبة، كما يقال: أمر فلان فوق أمر فلان، أي أنّه أقدر منه وأغلب.

ونزوله إلى السماء محمول على لطفه ورحمته وعدم المعاملة بما يستدعيه علوّ رتبته وعظم شأنه على سبيل التمثيل، وخصّ الليل لأنّه مظنّة الخلوة والخضوع وحضور القلب.

وسؤاله للجارية بـ«أين» استكشاف لما يظن بها اعتقاده من أينية المعبود كما يعتقده الوثنيون، فلمّا أشارت إلى السماء فهم أنّها أرادت خالق السماء، فاستبان أنّها ليست وثنية، وحكم بإيمانها. وقد بسط العلماء في مطولاتهم تأويل كلّ ما ورد من أمثال ذلك، عملاً بالقطعي وحملاً للظني عليه، فجزاهم اللّه عن الدين وأهله خير الجزاء.

ومن العجيب أن يدع مسلم قول جماعة المسلمين وأئمّتهم ويتمشدق بتُرهات المبتدعين وضلالتهم. أما سمعوا قول اللّه تعالى: «وَمَنْ يَتَّبع غَير سَبيلِ المُؤْمنين نُولّه ماتَولّى وَنُصْلهِ جَهَنَّم وَساءَتْ مَصيراً» فليتب إلى اللّه تعالى من تلطخ بشيء من هذه القاذورات ولا يتبع خطوات الشيطان فانّه يأمر بالفحشاء والمنكر، ولا يحملنه العناد على التمادي والإصرار عليه فانّ الرجوع إلى الصواب


(365)

عين الصواب والتمادي على الباطل يفضي إلى أشدّ العذاب «مَنْ يَهْدي اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتد وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدْ لَهُ وَلِيّاً مُرشِداً» نسأل اللّه تعالى أن يهدينا جميعاً سواء السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلّى اللّه تعالى و سلّم على سيّدنا محمّد وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أملاه الفقير إليه سبحانه (سليم البشري) خادم العلم والسادة المالكية بالأزهر عفى عنه آمين آمين.(1)

اقتراح

وفي الختام نوصي رؤساء الطوائف الإسلامية بالابتعاد عن العصبية وعن الآراء التي ورثوها عن أُناس غير معصومين، وإجراء الحوار الهادئ فيم اختلف فيه كلمة المحقّقين من العلماء حتّى يرتفع كثير من الخلافات النابعة من تقديم الهوى على الحقّ.

قال أمير المؤمنين عليـ عليه السَّلام ـ : «إنّ أخوف ما أخاف عليكم اثنان :اتّباع الهوى و طول الأمل; فأمّا اتباع الهوى فيصدّ عن الحقّ، وأمّا طول الأمل فينسي الآخرة».(2)


1 . فرقان القرآن:74ـ 76.
2 . نهج البلاغة: الخطبة42، طبعة عبده.


(366)


(367)

الفصل الثامن

البداء
في
الكتاب والسنّة


(368)


(369)

البداء
في حديث الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

تمهيد

البداء في اللغة هو ظهورُ ما خفي. يقول سبحانه: «وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ماعَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُون»(1) ، أي ظهر لهم آثار ما عملوا من السيّئات وأحاط بهم ما كانوا به يستهزئون.

وقال عزّ من قائل: «ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حتّى حِين»(2) ، أي ظهر لهم بعد ما رأوا الآيات الدالّة على براءة يوسف أن يسجنوه إلى حين ينقطع فيه كلام النّاس، وإلى غيرهما من الآيات التي تدلّ على أنّ البداء عبارة عن ظهور ما خفي.

وعلى ذلك فالبداء بهذا المعنى من خصائص من كان جاهلاً بعواقب الأُمور ثمّ يبدو له ما خفي عليه، ولأجل ذلك نسب البداء في القرآن إلى غيره سبحانه.

كما نرى أنّ النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يستعمل كلمة البداء وينسبها إلى اللّه سبحانه، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة:


1 . الجاثية:33.
2 . يوسف:35.


(370)

إنّه سمع من رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّ ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى «بدا للّه » أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرصَ، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، قد قذّرني الناس، قال فمسحه فذهب عنه فأُعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: الإبل أو قال: البقر ـ هو شك في ذلك أنّ الأبرص والأقرع، قال أحدهما: الإبل، وقال الآخر: البقر ـ فأُعطي ناقة عُشراء، فقال: يبارك اللّه لك فيها.

وأتى الأقرع، فقال: أي شيء أحبّ إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عنّي هذا قد قذرني الناس قال: فمسحه، فذهب، وأُعطي شعراً حسناً، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر. قال: فأعطاه بقرة حاملاً، وقال: يبارك لك فيها.

وأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: يرد اللّه إليّ بصري، فأبصر به الناس، قال: فمسحه فردّ اللّه إليه بصره. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه شاة والداً. فأُنتج هذان وولّد هذا، فكان لهذا واد من إبل، ولهذا واد من بقر، ولهذا واد من الغنم.

ثمّ إنّه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين تقطّعت بي الحبال في سفري، فلابلاغ اليوم إلاّ باللّه ثمّ بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيراً أتبلّغ عليه في سفري; فقال له: إنّ الحقوق كثيرة. فقال له: كأنّي أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيراً فأعطاكاللّه؟ فقال: لقد ورثت لكابر عن كابر؟ فقال: إن كنت كاذباً فصيّرك اللّه إلى ما كنت.

وأتى الأقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا فرد عليه مثلما رد عليه هذا، فقال: إن كنت كاذباً فصيّرك اللّه إلى ما كنت.

وأتى الأعمى في صورته فقال: رجل مسكين وابن سبيل وتقطّعت بي


(371)

الحبال في سفري، فلابلاغ اليوم إلاّ باللّه، ثمّ بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك، شاة أتبلّغ بها في سفري; فقال: قد كنت أعمى فرد اللّه بصري، وفقيراً فقد أغناني، فخذ ما شئت، فواللّه لاأجحدك اليوم بشيء أخذته للّه ، فقال: أمسك مالك فإنّما ابتليتم فقد رضي اللّه عنك وسخط على صاحبيك.(1)

هذا هو كلام الرسول الأعظمـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وقد استعمل لفظ البداء في حقّه سبحانه، ومن الطبيعي انّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يستعمل هذا اللفظ في معناه اللغوي لاستلزامه ـ و العياذ باللّه ـ الجهل على اللّه سبحانه، بل استعمله في معنى آخر لمناسبة بينه وبين المعنى اللغوي.

وكم له من نظير في الكتاب والسنّة، وقد اشتهر انّ كلام البلغاء مشحون بالمجاز.

إنّ البراهين العقلية الرصينة والآيات الباهرة القرآنية قد أسفرت عن إحاطة علمه سبحانه بكلّ شيء في الأرض والسماء و ما مضى وما يأتي على نحو لا يتصوّر في مثله الظهور بعد الخفاء، ولنتبرك بذكر بعض الآيات وترك ذكر البراهين العقلية إلى محلها. قال عزّ من قائل:

«إِنَّ اللّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيءٌ فِي الأَرضِ وَلا فِي السَّماء».(2)

«وَما يَخْفى على اللّهِ مِنْ شَيْء فِي الأرضِ وَلا فِي السَّماء».(3)

«ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ في كِتاب مِنْ قَبلِ أَن نَبْرأََها إِنّ ذلكَ عَلى اللّهِ يَسِير».(4)


1 . البخاري: الصحيح4/172، كتاب الأنبياء، باب حديث أبرص وأعمى وأقرع في بني إسرائيل.
2 . آل عمران:5.
3 . إبراهيم:38.
4 . الحديد:22.


(372)

كيف يمكن طروء الخفاء عليه سبحانه مع أنّه محيط بالعالم صغيره وكبيره، مادّيه ومجرّده، والأشياء كلّها قائمة به قياماً قيّومياً كقيام المعنى الحرفي بالاسمي؟! وغيبوبة المعنى الحرفي عن المعنى الاسمي تساوي فناءه.

كلّ ذلك يقودنا إلى التفتيش عن تفسير آخر للبداء ينسجم مع ما جاء في الحديث المنقول عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وإلاّ فالرسول وخلفاؤه وقاطبة علماء المسلمين أجل من أن ينسبوا إلى اللّه سبحانه البداء بالمعنى اللغوي الآنف الذكر.

وهذه الرسالة الماثلة بين يديك عزيزي القارئ الكريم أخذت على عاتقها بيان التفسير الصحيح للبداء والمنسجم مع حديث الرسولـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

ويأتي كلّ ذلك ضمن أُمور:


(373)

1
تغيير المصير بالأعمال الصالحة والطالحة

ذهبت اليهود إلى استحالة تعلّق مشيئة اللّه بغير ما جرى عليه قلم القضاء والقدر، فيمتنع تغيير ما قُدِّر إلى خلافه، وقد تبلورت تلك العقيدة في كلامهم بأنّ يد اللّه مغلولة، قال سبحانه حاكياً عنهم: «وَقالَتِ اليَهُود يَدُ اللّه مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيديهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاء وَلَيزيدَنَّ كَثيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفراً».(1)

وعلى هذا الأساس قالوا يد اللّه مغلولة عن القبض والبسط والأخذ والعطاء، وانّه إذا جرى قلمه وتقديره على شيء لا يبدّل ولا يغيّر فيخرج عن إطار قدرته.

واستنتجوا من هذا الأصل، امتناع نسخ الأحكام الشرعية أيضاً.

ثمّ إنّه سبحانه يردّ على تلك العقيدة في غير واحدة من الآيات ويقول:

«الحَمْدُ للّهِ فاطِر السَّموات وَالأَرْضِ... يَزِيدُ فِي الخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللّهَ عَلى كُلّ شَيء قَدير».(2)


1 . المائدة:64.
2 . فاطر:1.


(374)

«وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّر وَلا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كتاب إِنَّ ذلكَ عَلى اللّه يَسير».(1)

فاللّه سبحانه كما هو المقدِّر للمصير الأوّل، هو المقدّر أيضاً للمصير الثاني، فهو في كلّ يوم في شأن، وانّه جلّ و على يبدئ و يعيد، و يحيي ويميت، يزيد في الرزق والعمر ويُنقص، كلّ ذلك حسب مشيئته الحكمية والمصالح الكامنة. فكما هو عالم بالتقدير الأوّل، عالم ـ في نفس ذلك الوقت ـ بأنّه سوف يزول و يخلفه تقدير آخر، لكن لا بمعنى وجود الفوضى في التقدير، بل بتبعية كلّ تقدير لملاكه وسببه.

إذا كان في هذه الآيات إلماع إلى إخلاف تقدير مكان تقدير، ففي الآيات التالية تصريحات بأنّ الإنسان هو الذي يستطيع أن يغيّر مصيره بصالح أعماله وطالحها، وأنّ التقدير الأوّل الذي نجم عن سبب في حياة العبد ليس تقديراً قطعياً لا يغيّـر، بل هو تقدير معلّق سيتغيّر إذا تغيّر سببه.

يقول سبحانه: «وَلَوْ أَنّ أَهلَ القُرى آمنوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَركات مِنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ وَلكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُون»(2) وليست هذه الآية، آية فريدة، بل هناك آيات كثيرة تُبيّن بأنّ للإنسان مقدرة واسعة على إخلاف تقدير مكان تقدير و قضاء مكان قضاء، كلّ ذلك بمشيئته سبحانه و إرادته حيث زوّد العبدَ بحرية ومشيئة على أن يُخلف تقديراً مكان تقدير آخر، وها نحن نقتصر على نزر قليل منها حتّى يتّضح الحال.

1. «استغفروا ربَّكُم إِنّهُ كانَ غَفّاراً * يُرسِل السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدراراً * و


1 . فاطر:11.
2 . الأعراف:96.


(375)

يمدِدْكم بِأَمْوال وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَكُمْ جَنّات وَيَجْعَل لَكُمْ أَنهاراً».(1)

2. «إِنَّ اللّه لا يُغَيّرُ ما بِقَوْم حتّى يُغَيّرُوا ما بأَنْفُسِهِمْ».(2)

3. «ذلِكَ بأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغيِّراً نِعْمة أَنعَمَها عَلى قَوم حَتّى يُغَيّروا ما بِأَنْفُسِهِمْ».(3)

4.«وَمَنْ يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرجاً * وَيَرْزُقهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب».(4)

5. «وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابي لَشديد».(5)

6. «وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبل فاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهله مِنَ الكَربِ العَظيم».(6)

7.«وَأَيُّوبَ إِذْ نادى ربَّهُ أَنّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمين * فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرّ».(7)

8.«فَلولا أَنّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحينَ * لَلَبِثَ في بَطْنهِ إِلى يَوم يُبْعَثُون * فَنَبَذناهُ بِالعَراء وَهُوَ سَقِيم * وَأَنْبَتْنا عَلَيهِ شَجرةً مِنْ يَقطين».(8)

إنّ هذه الآيات تعرب عن أنّ الأعمال الصالحة مؤثّرة في مصير الإنسان وانّه يقدر بعمله الصالح على تغيير التقدير وتبديل القضاء ـ غير المبرم ـ ، لأنّه ليس في أفعال الإنسان الاختيارية مقدَّر محتوم حتّى يكون العبد في مقابله مكتوف الأيدي والأرجل.


1 . نوح:10ـ12.
2 . الرعد:11.
3 . الأنفال:53.
4 . الطلاق:2ـ3.
5 . إبراهيم:7.
6 . الأنبياء:76.
7 . الأنبياء:83ـ84.
8 . الصافات:143ـ 146.


(376)

تغيير المصير بالأعمال في الروايات

دلّ غير واحد من الروايات على أنّ الأعمال الصالحة أو غيرها تُغيّـر التقدير، كما ورد عن أئمّة أهل البيتـ عليهم السَّلام ـ انّ الصدقة والاستغفار والدعاء وصلة الرحم وما أشبه ذلك يغير التقدير.

وما هذا إلاّ لأنّ التقدير لم يكن تقديراً قطعياً، بل تقديراً معلّقاً على عدم الإتيان بصالح الأعمال أو بطالحها، فإذا وجد المعلّق عليه يتبدّل التقدير بتقدير آخر، كلّ ذلك بعلم ومشيئة منه سبحانه، فهو عندما يقدر عالم ببقاء التقدير أو بتبدّله ـ في المستقبل ـ إلى تقدير آخر، فلو كان هناك جهل فإنّما هو في جانب العباد لا في ساحة المقدِّر، فانّه عالم بعامة الأشياء والتقديرات ثابتها ومتغيّرها.

سنّة اللّه الحكيمة في عباده

إنّه سبحانه حسب حكمته الحكيمة جعل تقدير العباد على قسمين نذكرهما بالتفصيل التالي:

1. تقدير قطعي لا يقبل المحو والتغيير، وذلك كسنّته سبحانه في موت الإنسان وفنائه، فقوله سبحانه: «إِنّكَ مَيّتٌ وَإِنّهُمْ مَيّتُون»(1) من السنن القطعية التي لا تتغيّر ولا تتبدّل، وكم له من نظير كقوله سبحانه: «أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ».(2)

2. تقدير معلق غير قطعي مشروط بشرط خاص، فلو قدّر الصلاح فهو مشروط بعدم ارتكاب ما يخرجه من الصلاح، وإذا قدّر الضلال فهو أيضاً


1 . الزمر:30.
2 . الأنبياء:105.


(377)

مشروط بعدم تعاطيه ما يدخله مدخل الهدى، كلّ ذلك لحكمة.

إنّ تلك السنّة ـ الّتي تُمكّن الإنسان من تغيير مصيره ـ بصيص أمل للمذنبين، لئلاّ يقنطوا، ولئلاّ ينقطع رجاؤهم من رحمته سبحانه، بل تبقى اضبارة أعمالهم مفتوحة حتّى السنين الأخيرة من أعمارهم، كما هي إنذار للصالحين بأن لا يغتروا بأعمالهم الصالحة، وذلك لأنّ العبرة بخواتيم الأعمال، فلو صدر منهم في فترة أُخرى من حياتهم ما يغضب الرب فسوف يتغيّر تقديره سبحانه من صلاح إلى طلاح.

وبما انّ لهذه السنة أثراً تربوياً في الأُمّة، نرى أنّ الروايات كالآيات تركّز على تمكّن الإنسان من تغيير مصيره من خير إلى شر و من شر إلى خير، وقد تضافرت الروايات عن النبيّ الأعظمـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأئمّة أهل البيتـ عليهم السَّلام ـ في هذا المقام نذكر فيما يلي نماذج منها.

أثر الدعاء في تغيير المصير

أخرج الحاكم عن ابن عباس(رضي اللّه عنه) قال: لا ينفع الحذر عن القدر ولكن اللّه يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر.(1)

وأخرج ابن أبي شيبة في «المصنّف» وابن أبي الدنيا في الدعاء عن ابن مسعود (رضي اللّه عنه): قال: ما دعا عبد بهذه الدعوات إلاّ وسّع اللّه له في معيشته:

«يا ذا المن ولا يُمنّ عليه، يا ذا الجلال والإكرام يا ذا الطول، لا إله إلاّ أنت ظهر اللاجين وجار المستجيرين، ومأمن الخائفين إن كنت كتبتني


1 . الدر المنثور:4/661.


(378)

عندك في أُمّ الكتاب شقياً فامح عني اسم الشقاء واثبتني عندك سعيداً،وإن كنت كتبتني عندك في أُمّ الكتاب محروماً مقتراً على رزقي، فامح حرماني ويسّر رزقي وأثبتني عندك سعيداً موفقاً للخير، فإنّك تقول في كتابك الذي أنزلت «يمحوا اللّه ما يشاء ويثبت وعنده أُم الكتاب».(1)

روى الكليني بسنده عن حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّهـ عليه السَّلام ـ قال: سمعته يقول: «إنّ الدعاء يرد القضاء ينقضه كما يُنقض السلك وقد أُبرم إبراماً».(2)

وروى الكليني بسند عن أبي الحسن موسىـ عليه السَّلام ـ : «عليكم بالدعاء، فانّ الدعاء للّه والطلب إلى اللّه يردّ البلاء وقد قدّر وقضى ولم يبق إلاّ إمضاؤه، فإذا دعي اللّه عز ّوجلّ وسئل صرف البلاء صرفة».(3)

أثر الصدقة في تغيير المصير

روى السيوطي في «الدر المنثور» عن عليـ عليه السَّلام ـ : انّه سأل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن هذه الآية«يمحو اللّه»؟ فقال له: «لأقرّنّ عينيك بتفسيرها ولأقرّنّ عين أُمّتي بعدي بتفسيرها: الصدقة على وجهها، وبرّ الوالدين، واصطناع المعروف يحوّل الشقاء سعادة،ويزيد في العمر ، ويقي مصارع السوء».(4)

وكما أنّ للأعمال الصالحة أثراً في المصير وحسن العاقبة، وشمول الرحمة وزيادة العمر وسعة الرزق، كذلك الأعمال الطالحة والسيئات في الأفعال فانّ لها تأثيراً ضد أثر الأعمال الحسنة.

ويدلّ على ذلك من الآيات قوله سبحانه:


1 . الدر المنثور:4/661.
2 . الكافي:2/169، باب انّ الدعاء يردّ البلاء والقضاء، الحديث1.
3 . الكافي:2/470، باب انّ الدعاء يرد البلاء، الحديث8.
4 . الدر المنثور:4/661.


(379)

«وَضَرَب اللّهُ مَثلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَان فَكَفَرتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالْخَوفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ».(1)

وقال سبحانه: «وَلَقَدْ أَخذْنا آلَ فِرعَونَ بِالسّنِينَ وَنَقْص مِنَ الثَّمرات لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ».(2)


1 . النحل:112.
2 . الأعراف:130.


(380)

2
البداء
في الكتاب العزيز

لقد عرفت أنّه ليس للإنسان مصير واحد لا يُردّ ولا يبُدّل، بل ما كتب وقدّر يتغيّر بصالح الأعمال وطالحها، فليس الإنسان في مقابل التقدير مسيّراً، ولكنّه بعدُ مخيّر في أن يغيّـر التقدير بصالح أفعاله أو بسيّئاتها.

ومن حسن الحظ انّ الكتاب يركّز على ذلك ويعرب عن أنّ للّه سبحانه لوحين:

1. لوح المحو والإثبات.

2. أُمّ الكتاب.

فما في اللوح الأوّل خاضع للتغيير والتبديل، فليس ما كتب فيه أمراً قطعياً لا يغيّر ولا يتبدّل، قال سبحانه: «وَمَا كَانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتِيَ بآية إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ لِكُلِّ أَجَل كِتَابٌ * يَمْحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ».(1)

وهذه الآية هي الأصل في البداء في الشريعة الإسلامية، وها نحن ننقل


1 . الرعد:38ـ 39.


(381)

بعض كلمات المحقّقين من المفسّرين حتّى يقف القارئ على المعنى الصحيح للبداء ويعلم أنّه ممّا أصفقت عليه الأُمّة ولا يوجد بينهم أيُّ خلاف في ذلك.

1. روى الطبري(المتوفّى310هـ) في تفسير الآية عن لفيف من الصحابة والتابعين أنّهم كانوا يدعون اللّه سبحانه بتغيير المصير وإخراجهم من الشقاء ـ إن كتب عليهم ـ إلى السعادة مثلاً: كان عمر بن الخطاب ـ رضي اللّه عنه ـ يقول وهو يطوف بالكعبة: اللّهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبتني على الذنب[ الشقاوة] فامحني وأثبتني في أهل السعادة، فإنّك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أُمّ الكتاب.

وروى نظير هذا الكلام عن ابن مسعود، وابن عباس، وشقيق وأبي وائل.(1)

وروى عن ابن زيد أنّه قال في قوله سبحانه: «يمحوا اللّه ما يشاء» بما يُنزِّلُ على الأنبياء ،ويُثبت ما يشاء مما ينزله إلى الأنبياء وقال وعنده أُمّ الكتاب لايُغيّر ولايُبدَّل.(2)

2. قال الزمخشرى(المتوفّى 528هـ): « يمحوا اللّه ما يشاء» ينسخ ما يستصوب نسخه ويثبت بدله ما يرى المصلحة في إثباته أو ينزله غير منسوخ.(3)

3. ذكر الطبرسي(470ـ548هـ): لتفسير الآية وجوهاً متقاربة وقال: «الرابع: أنّه عامٌّ في كل شيء فيمحو من الرزق ويزيد فيه، ومن الأجل، ويمحو السعادة والشقاوة ويثبتهما.(روي ذلك ) عن عمربن الخطاب، وابن مسعود وأبي وائل، وقتادة. وأُمّ الكتاب أصل الكتاب الذي أُثبتت فيه الحادثات والكائنات.


1 . الطبري: التفسير (جامع البيان ): 13 /112ـ114.
2 . الطبري: التفسير(جامع البيان): 13 /112ـ114.
3 . الكشاف:2/169.


(382)

وروى أبو قلابَة عن ابن مسعود أنّه كان يقول: اللّهمّ إن كنت كتبتني في الأشقياء فامحنى من الأشقياء...».(1)

4. قال الرازي(المتوفّى 608هـ): إنّ في هذه الآية قولين:

القول الأوّل: إنّها عامّة في كل شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ، قالوا: إنّ اللّه يمحو من الرزق ويزيد فيه، وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر، وهو مذهب عمر و ابن مسعود، والقائلون بهذا القول كانوا يدعون ويتضرّعون إلى اللّه تعالى في أن يجعلهم سعداء لا أشقياء. وهذا التأويل رواه جابر عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

والقول الثاني: إنّ هذه الآية خاصّة في بعض الأشقياء دون البعض.

ثم قال: فإن قال قائل: ألستم تزعمون إنّ المقادير سابقة قد جفَّ بها القلم وليس الأمر بأنف، فكيف يستقيم مع هذا المعنى، المحو والإثبات؟

قلنا: ذلك المحو والإثبات أيضاً مما جفّ به القلم، فلأنّه لايمحو إلا ما سبق في علمه وقضائه محوه.(2)

5. وقال القرطبي(المتوفّى671هـ) ـ بعد نقل القولين وإن المحو والإثبات هل يعمّـان جميع الأشياء أو يختصان ببعضها ـ: مثل هذا لايدرك بالرأي والاجتهاد ، وإنّما يؤخذ توقيفاً فإن صحَّ فالقول به يجب أن يوقف عنده، وإلاّ فتكون الآية عامّة في جميع الأشياء، وهو الأظهر ـ ثم نقل دعاء عمر بن الخطاب في حال الطواف ودعاء عبداللّه بن مسعود ثم قال: روى في الصحيحين عن أبي


1 . مجمع البيان:6/398.
2 . تفسير الرازي:10/64ـ65.


(383)

هريرة قال: سمعت النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: «مَن سرَّه أن يبسط له في رزقهِ ويُنسَأ له في أثره (أجله) فليصل رحمه».(1)

6. قال ابن كثير (المتوفّـى774هـ) بعد نقل قسم من الروايات: ومعنى هذه الروايات أنّ الأقدار ينسخ اللّه ما يشاء منها ويثبت منها ما يشاء ،وقد يُستأنس لهذا القول بما رواه الإمام أحمد عن ثوبان قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : « إن ّ الرجل ليُحْرَمُ الرزقَ بالذنب يصيبه ولايرد القَدَرُ إلاّ بالدعاء، ولايزيد في العمر إلا البر». ثم نقل عن ابن عباس: الكتاب كتابان: فكتاب يمحو اللّه منه ما يشاء ويثبت عنده ما يشاء،وعنده أُمّ الكتاب.(2)

7. روى السيوطي(المتوفّى911هـ) عن ابن عباس في تفسير الآية: هو الرجل يعمل الزمان بطاعة اللّه، ثم يعود لمعصية اللّه فيموت على ضلالة فهو الذي يمحو ، والذي يثبت: الرجل يعمل بمعصية اللّه تعالى وقد سبق له خير حتى يموت وهو في طاعة اللّه سبحانه وتعالى. ثم نقل ما نقلناه من الدعاء عن لفيف من الصحابة والتابعين.(3)

8. ذكر الألوسي( المتوفّى1270هـ) عند تفسير الآية قسماً من الآثار الواردة حولها وقال: أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن عليّ ـ كرم اللّه وجهه ـ أنّه سأل رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن قوله تعالى: «يمحوا اللّه ما يشاء...» الآية فقال له عليه الصلاة والسلام: «لأقرَّنَّ عينك بتفسيرها، ولأُقرَّنَّ عين أُمّتي بعدي بتفسيرها: الصدقه على وجهها، وبر الوالدين واصطناع المعروف، محوِّل الشقاء سعادة، ويزيد في العمر،


1 . الجامع لأحكام القرآن: 5/329.
2 . ابن كثير: التفسير 2/520.
3 . الدر المنثور 4/660. لاحظ ما نقله في المقام من المأثورات كلّها تحكي عن تغيير التقدير بالأعمال والأفعال.


(384)

ويقي مصارع السوء». ثم قال: دفع الإشكال عن استلزام ذلك، بتغير علم اللّه سبحانه، ومن شاء فليرجع.(1)

9. وقال صديق حسن خان(المتوفّى1307هـ) في تفسير الآية: وظاهر النظم القرآني العموم في كل شيء ممّا في الكتاب، فيمحو ما يشاء محوه من شقاوة أو سعادة أو رزق أو عمر أو خير أو شرّ ، ويبدل هذا بهذا ،ويجعل هذا مكان هذا. لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون وإلى هذا ذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس وأبو وائل وقتادة والضحاك وابن جريج وغيرهم...(2)

10. وقال القاسمي(المتوفّى1332هـ): تمسك جماعة بظاهر قوله تعالى: « يمحوا اللّه ما يشاء ويثبت»فقالوا: إنّها عامَّة في كل شيء كما ـ يقتضيه ظاهر اللفظ ـ قالوا : يمحو اللّه من الرزق ويزيد فيه، وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر.(3)

11.وقال المراغي(المتوفّى1371هـ) في تفسير الآية: وقد أُثر عن أئمة السلف أقوال لاتناقض فيها، بل هي داخلة فيما سلف. ثم نقل الأقوال بإجمال.(4)

وهذه الجمل والكلم الدرّية المضيئة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، والمفسرين تعرب عن الرأي العام بين المسلمين في مجال إمكان تغيير المصير بالأعمال الصالحة والطالحة ومنها الدعاء والسؤال، وأنّه ليس كل تقدير حتمياً


1 . روح المعاني13/111.
2 . فتح البيان5/171.
3 . محاسن التأويل: 9/372.
4 . تفسير المراغي :5/155.


(385)

لايُغيّر ولايبدّل، وإنّ للّه سبحانه لوحين: لوح المحو والإثبات، ولوح «أُمّ الكتاب». والذي لايتطرق التغيير إليه هو الثاني دون الأوّل ، وإنّ القول بسيادة القدر على اختيار الإنسان في مجال الطاعة والمعصية، قول بالجبر، الباطل بالعقل والضرورة، ومحكمات الكتاب. ومن جنح إليه لزمه القول بلغوية إرسال الرسل وإنزال الكتب «ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ».(1)


1 . ص: 27.