الاثنين 12 ربيع الاوّل 1433 - Mon 06 February 2012  
  • الصفحة الرئيسية
  • RSS
  • إتصل بنا
  • الموقع الفارسي




(386)

3
النزاع في البداء لفظي

لم يزل النزاع بين الشيعة والسنّة في وصف اللّه سبحانه بالبداء قائماً على قدم وساق، فالشيعة الإمامية تعتبر البداء من صميم الدين بحجّة انّه بمعنى تغيّر المصير بصالح الأعمال وطالحها، وتنكره بمعنى الظهور بعد الخفاء كما سيوافيك; والسنّة ترفض البداء بالمعنى المحال وهو ظهور الشيء بعد الخفاء، وتكفّر القائل به لاستلزامه نسبة الجهل إلى اللّه سبحانه وتنسبه إلى الشيعة.

ومن الواضح انّ المقبول لدى الشيعة يغاير موضوعاً و محمولاً مع ما هو المرفوض لدى السنّة، فلا يرد مثل ذلك الإيجاب والسلب على مورد واحد، حيث لا نجد بين الأُمّة الإسلامية من ينكر علم اللّه سبحانه وإحاطته بما في الأرض والسماء، كما لا نجد فيهم من ينكر تغير المصير بصالح الأعمال.

فالفريقان يتنازعان ولكنّهما يتفقان في المعنى الإيجابي، كما أنّهما يتّفقان في المعنى السلبي.

وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ المسألة لم تطرح في جوّ هادئ حتّى تقف كلّ طائفة على ما لدى الطائفة الأُخرى من المعنى لهذا الأصل. ونحن ندعو إلى عقد مؤتمر علمي لدراسة هذه المسألة بدقة لإزالة الشكّ والالتباس فيها وفي غيرها من المسائل المختلف فيها .


(387)

نصوص علماء الإمامية في البداء

1. قـال الصـدوق(306ـ381هـ) فـي «باب الاعتقاد بالبداء»: إنّ اليهود قالوا: إنّ اللّه تبارك وتعالى قد فـرغ من الأمر، قلنا: بل هو تعالى «كلّ يوم هو في شـأن» لا يشغله شـأن عن شأن، يحيي ويميت، ويخلق ويرزق ويفعل ما يشاء، وقلنـا: «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ»(1).(2)

2. قال الشيخ المفيد(336ـ413هـ): معنى البداء ما يقوله المسلمون بأجمعهم في النسخ وأمثاله من: الإفقار بعد الإغناء، والإمراض بعد الإعفاء، والإماتة بعد الإحياء، وما يذهب إليه أهل العدل خاصة، من الزيادة في الآجال والأرزاق والنقصان منها بالأعمال.(3)

3. قال السيد المرتضى(355ـ 436هـ): البداء في لغة العرب هو الظهور من قوله: «بدا الشيء: إذا ظهر وبان، والمتكلّمون تعرّفوا فيما بينهم أن يسمّوا ما يقتضي هذا البداء باسمه، فقالوا: إذا أمر اللّه تعالى بالشيء في وقت مخصوص على وجه معيّن ومكلّف واحد، ثمّ نهى عنه، فهو بداء، والبداء على ما حدّدناه لا يجوز على اللّه تعالى لأنّه علم بنفسه، ولا يجوز له أن يتجدّد كونه عالماً ، ولا أن يظهر له من المعلومات ما لم يكن ظاهراً.

وقد وردت أخبار آحاد لا توجب علماً، ولا تقتضي قطعاً بإضافة البداء إلى اللّه، وحملها محقّقو أصحابنا على أنّ المراد بلفظة البداء فيها النسخ للشرائع ولا


1 . الرعد:39.
2 . عقائد الإمامية، المطبوع في ذيل شرح الباب الحادي عشر:73.
3 . أوائل المقالات:53، باب القول في البداء والمشيئة.


(388)

خلاف بين العلماء في جواز النسخ للشرائع.(1)

ترى أنّ السيد الشريف يتبرّأ من البداء بمعنى ظهور الشيء بعد خفائه، ويفسّر الروايات بمعنى النسخ وهو صحيح، لكن يجب أن يضاف إليه بأنّ النسخ يستعمل في التشريع والبداء في التكوين.

4. وقال الشيخ الطوسي(385ـ 460هـ): البداء حقيقة في الظهور، ولذلك يقال: بدا لنا سور المدينة، وبدا لنا وجه الرأي و قال اللّه تعالى: «وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا»(2) و «وبدا لَههُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا».(3)

فأمّا إذا أُضيفت هذه اللفظة إلى اللّه تعالى، فمنه ما يجوز إطلاقه عليه ومنه ما لا يجوز; فأمّا ما يجوز من ذلك، فهو ما إذا أفاد النسخ بعينه، ويكون إطلاق ذلك عليه ضرباً من التوسّع، وعلى هذا الوجه يحمل جميع ما ورد عن الصادقينـ عليهما السَّلام ـ من الأخبار المتضمّنة لإضافة البداء إلى اللّه، دون ما لا يجوز عليه من حصول العلم بعد أن لم يكن.

ووجه إطلاق ذلك فيه تعالى، هو أنّه إذا كان منه ما يدلّ على النسخ، يظهر به للمكلّفين مالم يكن ظاهراً، ويحصل لهم العلم به بعد أن لم يكن حاصلاً لهم، أطلق على ذلك لفظ البداء.(4)

ترى أنّ شيخ الطائفة أيضاً يفسّر البداء بالنسخ، ولكن نضيف إلى ما ذكره أنّ النسخ يستعمل في نسخ الحكم والبداء في نسخ التكوين، أعني: تغيير المصير


1 . رسائل الشريف المرتضى، مسألة5، ص 117، المسألة الرازيّة. وقد نقل العلاّمة المجلسي خلاصة نظرية السيد في بحار الأنوار:4/129، ومرآة العقول:2/131 حيث قال: الرابع ما ذكره السيد المرتضى.
2 . الجاثية:33.
3 . الزمر:47ـ48.
4 . عدة الأُصول:2/29. ولاحظ كتاب الغيبة للشيخ الطوسي، ص 263.


(389)

بصالح الأعمال وطالحها .

5. وقال الشيخ أيضاً في كتاب «الغيبة»: إنّه لا يمتنع أن يكون اللّه تعالى قد وقّت هذا الأمر (الحادثة المعيّنة) في الأوقات التي ذكرت، فلما تجدّد ما تجدّد، تغيّرت المصلحة واقتضت تأخيره إلى وقت آخر ـ إلى أن قال : ـ و على هذا يُتأوّل ما روي في تأخير الأعمار عن أوقاتها و الزيادة فيها عند الدعاء وصلة الأرحام، وما روي في تنقيص الأعمار عن أوقاتها إلى ما قبله عند فعل الظلم وقطع الرحم، وغير ذلك،وهو تعالى و إن كان عالماً بالأمرين، فلا يمتنع أن يكون أحدهما معلوماً بشرط، والآخر بلا شرط، و هذه الجملة لا خلاف فيها بين أهل العدل، وعلى هذا يتأوّل أيضاً ما روي من أخبارنا المتضمّنة للفظ البداء ويبيّن أنّ معناها النسخ على ما يريده جميع أهل العدل، فيما يجوز فيه النسخ أو تغيّر شروطها، إن كان طريقها الخبر عن الكائنات.(1)

6. وقال السيّد المحقّق الداماد(...ـ1041هـ): البداء منزلته في التكوين منزلة النسخ في التشريع، فما في الأمر التشريعي والأحكام التكليفية فهو نسخ وفي الأمر التكويني والمكوّنات الزمانية بداء، فالنسخ كأنّه بداء تشريعي، والبداء كأنّه نسخ تكويني، ولا بداء في القضاء ولا بالنسبة إلى جناب القدّوس الحق.

ـ إلى أن قال: ـ و كما حقيقة النسخ عند التحقيق انتهاء الحكم التشريعي وانقطاع استمراره، لا رفعه وارتفاعه عن وعاء الواقع، فكذلك حقيقة البداء انبتات (2) استمرار الأمر التكويني وانتهاء اتصال الإفاضة.(3)


1 . الغيبة للشيخ الطوسي، ص 262ـ 264، طبعة النجف.
2 . انقطاع.
3 . نبراس الضياء، ص 56.


(390)

7. قال العلاّمة المجلسي(1037ـ1110هـ): إنّ أئمّة أهل البيتـ عليهم السَّلام ـ بالغوا في البداء ردّاً على اليهود الذين يقولون: إنّ اللّه قد فرغ من الأمر، وردّاً على النظّام وبعض المعتزلة الذين يقولون: إنّ اللّه خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه وإنّما التقدّم يقع في ظهورها لا في حدوثها ووجودها، فنفت أئمّة أهل البيت ذلك المعنى وأثبتوا انّه تعالى كلّ يوم في شأن، في إعدام شيء وإحداث آخر، وإماتة شخص وإحياء آخر، إلى غير ذلك، لئلاّ يترك العباد التضرّع إلى اللّه ومسألته وطاعته والتقرّب إليه ما يصلح أُمور دنياهم وعقباهم، وليرجوا عند التصدّق على الفقراء وصلة الأرحام وبر الوالدين والمعروف والإحسان ما وُعدوا عليها من طول العمر وزيادة الرزق وغير ذلك.(1)

8.وقال السيد عبد اللّه شبّر(...ـ 1241هـ): للبداء معان، بعضها يجوز عليه، وبعضها يمتنع، وهو بالفتح والمدّ أكثر ما يطلق في اللغة على ظهور الشيء بعد خفائه، وحصول العلم به بعد الجهل، واتّفقت الأُمّة على امتناع ذلك على اللّه سبحانه إلاّ من لا يعتدّ به، ومن نسب إلى الإماميّة فقد افترى عليهم كذباً، والإمامية براء منه، وقد يطلق على النسخ، وعلى القضاء المجدّد، وعلى مطلق الظهور، وعلى غير ذلك من المعاني.

ثمّ استشهـد على هـذا بما ورد من أنّ الصدقة والدعاء يغيّران القضاء، إلى غير ذلك ممّا روي في هذا المضمار.(2)

هذا هو قول علماء الشيعة وأكابرهم، ترى أنّ الجميع يفسّر البداء بما


1 . بحار الأنوار:4/130.
2 . مصابيح الأنوار:1/33.


(391)

يقارب النسخ الذي اتّفق المسلمون على جوازه، غير أنّ مجال النسخ هو التشريع ومجاله هو التكوين.

كلام الإمام شرف الدين في البداء

وهناك كلامٌ للإمام شرف الدين (1290ـ 1377هـ) قد كشف اللثام عن حقيقة البداء بوجه يقنع كلّ باحث يرتاد الحقيقة، وبما أنّ كلامه فصل حاسم نأتي به تفصيلاً ليقف القارئ على مدى اضطهاد الشيعة، قال: إنّ اللّه قد ينقص من الرزق وقد يزيد فيه، وكذا الأجل والصحّة والمرض والسعادة والشقاء، والمحن والمصائب والإيمان والكفر وسائر الأشياء كما يقتضيه قوله تعالى: «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ».

وهذا مذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود وأبي وائل وقتادة، وقد رواه جابر عن رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وكان كثير من السلف الصالح يدعون ويتضرّعون إلى اللّه تعالى أن يجعلهم سعداء لا أشقياء، وقد تواتر ذلك عن أئمّتنا في أدعيتهم المأثورة وورد في السنن الكثيرة، أنّ الصدقة على وجهها، وبرّ الوالدين، واصطناع المعروف يحوّل الشقاء، سعادة ويزيد في العمر، وصحّ عن ابن عباس انّه قال: لا ينفع الحذر من القدر ولكنّ اللّه يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر.

هذا هو البداء الذي تقول به الشيعة، تجوّزوا في إطلاق البداء عليه بعلاقة المشابهة، لأنّ اللّه عزّ وجلّ أجرى كثيراً من الأشياء التي ذكرناها على خلاف ما كان يظنّه الناس فأوقعها مخالفة لما تقتضيه الأمارات والدلائل، وكان مآل الأُمور فيها مناقضاً لأوائلها، واللّه عز ّوجلّ هو العالم بمصيرها ومصير الأشياء كلّها، وعلمه بهذا كلّه قديم أزليّ، لكن لمّا كان تقديره لمصير الأُمور يخالف تقديره لأوائلها. كان


(392)

تقدير المصير أمراً يشبه «البداء» فاستعار له بعض سلفنا الصالح هذا اللّفظ مجازاً، أو كأنّ الحكمة قد اقتضت يومئذ هذا التجوّز.

وبهذا ردّ بعض أئمّتنا قول اليهود: إنّ اللّه قدّر في الأزل مقتضيات الأشياء، وفرغ اللّه من كلّ عمل إذا جرت الأشياء على مقتضياته، قالـ عليه السَّلام ـ : بأنّ للّه عزّ وجلّ في كلّ يوم قضاءً مجدّداً بحسب مصالح العباد لم يكن ظاهراً لهم، وما بدا للّه في شيء إلاّ كان في علمه الأزلي، فالنزاع في هذه بيننا و بين أهل السنّة لفظيّ لأنّ ما ينكرونه من البداء الذي لا يجوز على اللّه عزّ وجلّ تبرّأ الشيعة منه، وممّن يقول به، براءتها من الشرك باللّه ومن المشركين.

وما يقوله الشيعة من البداء بالمعنى الذي ذكرناه يقول به عامّة المسلمين، وهو مذهب عمر بن الخطّاب وغيره كما سمعت، وبه جاء التنزيل «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ»(1) ، و «يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن»(2) ، أي كلّ وقت وحين يُحدث أُموراً ويجدّد أحوالاً من إهلاك وإنجاء وحرمان وإعطاء ، وغير ذلك كما روي عن رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وقد قيل له: ما ذلك الشأن؟ فقال: من شأنه سبحانه وتعالى أن يغفر ذنباً ويفرّج كرباً ويرفع قوماً، ويضع آخرين.

هذا هو الذي تقول به الشيعة وتسمّيه بداءً، وغير الشيعة يقولون به، لكنّهم لا يسمّونه بداءً، فالنزاع في الحقيقة إنّما هو في تسميته بهذا الاسم وعدم تسميته به، ولو عرف غير الشيعة أنّ الشيعة إنّما تُطلِق عليه هذا الاسم مجازاً لا حقيقة، لتبيّن ـ حينئذ ـ لهم أنّه لا نزاع بيننا و بينهم حتّى في اللفظ، لأنّ باب المجاز واسع عند العرب إلى الغاية، و مع هذا كلّه فان أصرّ غيرنا على هذا النزاع اللفظي وأبى


1 . الرعد:39.
2 . الرحمن:29.


(393)

التجوّز بإطلاق البداء على ما قلناه، فنحن نازلون على حكمه فليبدل لفظ البداء بما يشاء «وليتّق اللّه ربّه» في أخيه المؤمن «ولا يبخس منه شيئاً» «ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشياءَهُمْ وَلا تَعْثَوا فِي الأَرضِ مُفْسِدينَ * بَقِيتُ اللّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنين»(1).(2)

كلام المصلح الكبير كاشف الغطاء في البداء

وممّن صرّح بأنّ النزاع بين الشيعة والسنة نزاع لفظي، وأنّ الإيجاب والسلب من الطرفين لا يتوجهان على موضوع واحد، هو العلاّمة المصلح الكبير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء حيث يقول في كتاب«الدين والإسلام»:

يحسب عامّة المسلمين (جمع اللّه كلمتهم) أنّ هذه الكلمة (البداء) ممّا انفردت به الإمامية واعتدُّوها شناعة عليهم، ولو تمحصّت الحقائق واستوضحت المقاصد وزالت أغشيةُ الأوهام التي تحول بين الحقيقة والأفهام لانكسرت السورة وانكبحت الشرّة، ولعرف الجميع أنّهم متّفقون على مقالة واحدة وأنّ النزاع بينهم لم يكن إلاّ لفظياً .

وهكذا أكثر الخلافيات التي تضارب فيها المسلمون، التضاربَ الذي جرّ عليهم الويلات وآل بجمعهم إلى الشتات وصيّرهم بالحالة التي تراها وتسمع بها اليوم، وكلّ تلك المنازعات إلاّ الطفيف قد عملت فيها عوامل الشدّة ونظر الشنآن والحدّة وعدم التروّي والأناة في تبلُّغ المقاصد وتفهُّم المرامي والغايات، حتّى بلغ الأمر إلى أوخم عاقبة وأسود مغبّة، وإلى اللّه المشتكى والرغبةُ في إدالة هذه الحال والنزوع عن تلك الضرايب فإنّه الحريّ بالإجابة إن شاء اللّه.(3)


1 . هود:85ـ 86.
2 . أجوبة مسائل جار اللّه: 101ـ 103.
3 . الدين والإسلام:1/168ـ169.


(394)

فذلكة البحث

هذه بعض نصوص علماء الإمامية (1) قديماً وحديثاً أتينا بها ليقف القارئ على أنّ البداء عقيدة مشتركة بين المسلمين، وإنّما يستوحش منه من يستوحش لأجل عدم وقوفه على معناه، ولتصوّره أنّ المراد هو ظهور الأمر للّه بعد الخفاء عليه. وقد عرفت اتّفاق علمائنا تبعاً للقرآن والسنّة على امتناع إطلاقه على اللّه سبحانه، وإنّما المراد تغيير ما قدِّر بالدعاء والعمل، وهناك كلمات لسائر مشايخنا لم نذكرها وإنّما نشير إلى أسمائهم فمن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى مؤلفاتهم نظراء:

1. ميرزا رفيع النائيني في شرح الكافي، و قد نقله العلاّمة المجلسي في البحار: 4/129.

2. المحدّث الكبير محمد محسن الفيض الكاشاني في علم اليقين:1/177، والوافي:1/507، الباب الخامس.

3. شيخنا المجيز الشيخ آقا بزرگ الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة:3/51ـ53.

4. المحقّق العلاّمة الشيخ فضل اللّه الزنجاني في تعليقاته على كتاب «أوائل المقالات»، ص 94.

5. السيد حسين مكي في كتابه«عقيدة الشيعة في الإمام الصادق وسائر الأئمّة».(2)

إلى غير ذلك من المحقّقين العظام.


1 . وقد تركنا ذكر كثير من النصوص في هذا المجال لخوف الاطالة.
2 . الإمام الصادقـ عليه السَّلام ـ :47ـ48، ط دار الأندلس، بيروت.


(395)

4
التفسير الخاطئ للبداء عند مشايخ السنّة

قد تعرّفت في صدر البحث على أنّ للبداء معنى إيجابياً وقد اتّفق عليه الفريقان، ومعنى سلبيّاً، قد نفاه الفريقان بحماس، فكان المتوقّع عدم وجود النقاش والجدال في تلك المسألة كسائر المسائل التي اتّفق الفريقان عليها، ولكن يا للأسف كان في حياة المسلمين عوامل خاصّة تزرع بذور الخلاف بين الفريقين، وبالتالي لا تحصد الأُمّة منها إلاّ التناحر والدماء، ومن هذه المسائل، مسألة البداء، فنذكر كلمات بعضهم لترى أنّهم يتّبعون ظاهر حرفية «بدا للّه» ثمّ يشنّعون على الشيعة ويرمونهم بالأباطيل التي لا أساس لها بزعم انّ مرادهم منه هذا المعنى، منهم:

1. البلخي(المتوفّى 317هـ)

إنّ الشيخ البلخي فسّر البداء من قبل نفسه وافترى على الشيعة ثمّ ردّ عليه، وقد حكى كلامه شيخنا الأكبر شيخ الطائفة الطوسي في تبيانه إذ قال: قال قوم ـ ليس ممّن يعتبرون ولكنّهم من الأُمة على حال ـ انّ الأئمّة المنصوص عليهم ـ بزعمهم ـ مفوض إليهم نسخ القرآن وتدبيره، وتجاوز بعضهم حتّى خرج من


(396)

الدين بقوله: إنّ النسخ قد يجوز على وجه البداء، وهو أن يأمر اللّه عز ّوجلّ عندهم بالشيء ولا يبدو له، ثمّ يبدو له فيغيّره، ولا يريد في وقت أمره به أن يغيّره هو ويبدله وينسخه، لأنّه عندهم لا يعلم الشيء حتّى يكون، إلاّ ما يقدره فيعلمه علم تقدير، وتعجرفوا فزعموا انّ ما نزل بالمدينة ناسخ لما نزل بمكة.(1)

هذا كلام البلخي الذي هو من أئمّة المعتزلة.

وكلامه يعرب عن أنّه تبع ظاهر حرفية البداء ولم يرجع فيه إلى تأليف شيعي أو رواية مرويّة عن أئمّتهم، ولذلك قال الشيخ الطوسي بعد كلامه:

وأظن انّه عنى بهذا أصحابنا الإمامية، لأنّه ليس في الأُمّة من يقول بالنصّ على الأئمّةـ عليهم السَّلام ـ سواهم. فإن كان عناهم فجميع ما حكاه عنهم باطل وكذب عليهم، لأنّهم لا يجيزون النسخ على أحد من الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ ، ولا أحد منهم يقول بحدوث العلم.(2)

2. أبو الحسن الأشعري(260ـ 324هـ)

إنّ الشيخ أبا الحسن الأشعري تربّى في أحضان الاعتزال طيلة أربعة عقود، ولكنّه عدل عن الاعتزال والتحق عام 305هـ بركب إمام الحنابلة أحمد بن حنبل في تفكيره وعقيدته وألّف كتاباً باسم «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» وقد ذكر فيه عقائد الشيعة وقال: وكلّ الروافض إلاّ شرذمة قليلة يزعمون انّه يريد الشيء ثمّ يبدو له.

وتبعه محقّق الكتاب وفسّر كلامه وقال: أي يظهر له وجه المصلحة بعد


1 . التبيان:1/13ـ 14، ط النجف عام 1376.
2 . التبيان:1/13ـ14.


(397)

خفائه عليه فيتغيّر رأيه.

ثمّ ذكر الإمام الأشعري بعد صفحتين قوله: افترقت الرافضة هل الباري يجوز أن يبدو له إذا أراد شيئاً أم لا؟ على ثلاث مقالات ثمّ فسرها.(1)

إنّ الإمام الأشعري كان يعيش في البصرة وبغداد ويتردد بينهما، والبصرة مرفأ الكلام والمقالات، ولو رجع إلى علماء الشيعة فيها وفي بغداد لكشفوا له عن حقيقة البداء.

والعجب انّه ينسب البداء بالمعنى الباطل إلى كلّ الشيعة ثمّ يأتي بخلافه بعد صفحتين ويقول:

والفرقة الثانية منهم يزعمون أنّه لا يجوز وقوع النسخ في الأخبار، وأن يخبر اللّه سبحانه انّ شيئاً يكون ثمّ لا يكون، لأنّ ذلك يوجب التكذيب في أحد الخبرين.

إنّ المتوقّع من شيخ الأشاعرة هو نزاهة القلم ورعاية الأدب، فكان اللائق أن لا يعبّر عن الشيعة بالرافضة، فانّه من أوضح مصاديق قوله سبحانه: «وَلاَ تَنابَزوا بالأَلقَابِ».(2)

وأسوأ من ذلك ما ارتكبه المعلّق في تعاليقه من لعن الرافضة وتقبيحهم.

غفر اللّه ذنوب الجميع .

إنّ الشيعة ليسوا إلاّ نفس المسلمين في صدر الإسلام، ويمتازون عمّن سواهم بأنّهم بقوا على وصية الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حقّ أئمّة أهل البيتـ عليهم السَّلام ـ أحد الثقلين وعدل القرآن الكريم كما جاء على لسان الصادق الأمين ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حديث الثقلين


1 . لاحظ مقالات الإسلاميين:107، 109، 119.
2 . الحجرات:11.


(398)

الذي رواه أصحاب الصحاح والسنن(1)، وتبعهم التابعون منهم إلى يومنا هذا، فلا وجه لتفريقهم عن المسلمين بهذه الكلمات اللاذعة.

3. فخر الدين الرازي (المتوفّى 606هـ)

إنّ الإمام الرازي كأسلافه تبع ظاهر حرفية لفظ «البداء» ونسبه إلى الشيعة ثمّ ناقشه، بل ردّ عليه بعنف، مع أنّه كان رازي المولد وكان موطنه معقل الشيعة، ومن مقاربي عصره المفسرّ الكبير أبو الفتوح الرازي مؤلف «روض الجنان في تفسير القرآن» في عشرة أجزاء (المتوفّى حوالي سنة 550هـ)، ومن معاصريه الشيخ محمود الحمصي المتكلّم الكبير الذي يذكر اسمه في تفسيره عند تفسير قوله سبحانه: «أَطيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولىِ الأَمْرِ مِنْكُمْ».(2)

ومع ذلك فقد وضع من عنده للبداء تفسيراً خاطئاً جعله أساساً للردّ على الشيعة وأتى في خاتمة المحصل بما يحكى عن سليمان بن جرير الزيدي أنّه قال: إنّ أئمّة الرافضة وضعوا مقالتين لشيعتهم، لا يظفر معهما أحد عليهم، الأوّل: القول بالبداء، فإذا قالوا: إنّه سيكون لهم قوّة وشوكة ثمّ لا يكون الأمر على ما أخبروه قالوا: بدا اللّه تعالى فيه.(3)

إنّ المترقّب من فخر الدين الرازي أن لا يصدر إلاّ عن دليل، وهذا التفسير الذي وضعه للبداء ممّا اخترعه خصوم الشيعة، ولا يحتجّ به وقد علمت نصوص


1 . راجع صحيح الترمذي:5/328 ح3874; مسند أحمد:5/182و 189; المستدرك على الصحيحين للحاكم:3/148، و غيرها كثير.
2 . مفاتيح الغيب:10/145. والآية 59 من سورة النساء.
3 . تلخيص المحصّل: 421.


(399)

علمائهم.

وأعجب من ذلك تعبيره اللاذع بأنّ أئمّة الشيعة وضعوا مقالتين لشيعتهم، فهل يريد بذلك أئمّة أهل البيتـ عليهم السَّلام ـ من الباقر والصادق والكاظم والرضاـ عليهم السَّلام ـ الذين هم أتقى الناس وأعلاهم شأناً، وأبرأ الناس من الكذب والحيلة والخدعة، وقد أثنى فخر الدين نفسه على أئمّة الشيعة في كتابه عند تفسير سورة الكوثر حيث قال:

الكوثر أولاده، لأنّ هذه السورة إمّا نزلت ردّاً على من عابهـ عليه السَّلام ـ بعدم الأولاد، فالمعنى أنّه يعطيه نسلاً يبقون على مرّ الزمان، فانظر كم قتل من أهل البيت ثمّ العالم ممتلئ منهم، ولم يبق من بني أُمّية في الدنيا أحد يعبأ به، ثمّ انظر كم كان فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر والصادق والكاظم والرضاـ عليهم السَّلام ـ والنفس الزكية وأمثالهم.(1) وبذلك يصدق المثل السائر: «لا ذاكرة لكذوب»!!

4. أبو زهرة وهفوته في تفسير البداء

ولعلّ خطأ البلخي والأشعري والرازي في تفسير البداء ليس بخطير، لأنّ ظروفهم كانت تحكم ضد الشيعة وتعكس عقائدهم حسب ميول الحكام والخلفاء، ولكن بعد ما انكشفت الحقائق وارتفعت الحواجز وسهل الاطّلاع على عقائد الآخرين لا تُغتفر أيّة زلّة في تفسير عقائد الآخرين.

وهذا هو العلاّمة المفضال الشيخ أبو زهرة المصري خريج الأزهر والباحث الكبير في القرن الماضي ( المتوفّـى 1396هـ) فقد خدم المكتبة العربية ببيانه وقلمه وكتبه، وخدماته مشكورة، غير أنّ له ردّاً هادئاً بالنسبة إلى البداء في


1 . مفاتيح الغيب:31/124.


(400)

عقيدة الشيعة حيث إنّه نقل نظريّتهم عـن تعليقة المحقّق الزنجاني على كتاب «أوائلالمقالات في المذاهب المختارات»(1) ، وعلّق عليه بما نذكره بنصّه:

إنّ البداء بمعنى أن ينزل بالناس ما لم يحتسبوا ويقدّروا كالغنى بعد الفقر، والمرض بعد العافية، فهذا موضع اتّفاق بين الشيعة والسنّة ولكنّهم يقولون: من البداء الزيادة في الآجال، والأرزاق والنقصان منها بالأعمال، ولا شكّ أنّ الزيادة في الآجال إن أُريد بالزيادة ما قدّره اللّه تعالى في علمه الأزلي، والزيادة عمّا قدّر، فذلك يقتضي تغيير علم اللّه، وإن أُريد بالزيادة عمّا يتوقّعه الناس فذلك ممّا ينطبق عليه قول اللّه تعالى: «وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُون».(2)

وعلى ذلك نقول: إن كان البداء في ما يحتسبه الناس و يقدّرونه فيجيء الأمر على خلاف ما توقّعوا فانّ ذلك موضع إجماع، وإن كان البداء هو التغيير في المقدور فذلك مالم يقله أحد من أهل السنّة، لأنّه تغيير لعلمه وذلك لا يجوز.(3)

يلاحظ على ما ذكره : من أنّ ما يدّعيه الشيعة الإمامية من زيادة الآجال والأرزاق والنقصان بالأعمال ممّا لا يتفردون به، فقد عرفت أنّ أهل السنّة قالوا به كما يظهر من الروايات التي رواها أئمّة أهل الحديث ومن كلمات المفسّرين، وقد مرّ قول بعضهم من أنّ قوله سبحانه: «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ ويُثْبتُ» عام وليس بخاص هذا أوّلاً.

وثانياً: أنّ الزيادة في الآجال والأرزاق تغيّر التقدير ولكن لا تحدث التغيّر في علم اللّه، ومنشأ الخلط هو جعل تقديره سبحانه نفس علمه تعالى، وتوهّم انّ التغيير في الأوّل يوجب التغيير في الثاني، مع أنّ مركز التغيير هو لوح المحو


1 . لاحظ ص 94 ترى فيها نصّه.
2 . الزمر:47.
3 . الإمام الصادقـ عليه السَّلام ـ : 238ـ 239.


(401)

والإثبات وهو لوح مخلوق للّه لا نعلم كنهه، وأمّا علمه سبحانه فهو قائم بذاته بل عين ذاته، لا يتغيّر ولا يتبّدل وهو سبحانه حينما يقدّر التقدير الأوّل في كتاب المحو والإثبات يعلم عن مصير ذلك التقدير وانّه هل يثبت ولا يمحى لتمادي العبد على ما كان عليه، أو انّه يتغيّر بحسب حياة العبد وطروء التغير إلى أفعاله.

ولأجل إيضاح الحقّ نأتي بما ألقيناه في سالف الزمان في ذلك المجال ونقتبس منه ما يلي:

إنّ العبد الفارغ من الدعاء والعمل الصالح التارك لهما، قُدّر له قصر العمر، وقلّة الرزق; كما أنّ العبد المقبل على الدعاء والعمل الصالح كتب عليه طول العمر وسعة الرزق، وكلا التقديرين تقدير من اللّه سبحانه.

فلو كان الرجل في أبّان شبابه غير متفرّغ للدعاء والعمل الصالح فهو داخل تحت التقدير الأوّل ، فقد قدر في حقّه قصر العمر ونقصان الأرزاق بشرط البقاء على تلك الحالة.

ولكنّه إذا تحول إلى حالة أُخرى في أُخريات حياته وأقبل على الدعاء والعمل الصالح، انقلب التقدير الأوّل إلى خلافه وضده، فيكتب في حقّه الزيادة في الأجل والرزق وغيرهما.

نعم هو سبحانه يعلم من الأزل أنّ أيَّ عبد يختار أيَّ واحد من التقديرين طول حياته، أو انّ أيّ عبد ينتقل من تقدير إلى تقدير آخر، فليس هاهنا تقدير واحد، وقضاء فارد، لا ينفك عنه الإنسان ولا مناص له منه، وإن كان هناك علم واحد أزلي غير متغيّر.


(402)

لا تخصيص في القاعدة العقلية

والعجب من أبي زهرة، حيث يتفاعل مع الشيعة في معنى البداء في موضع دون موضع آخر، فقال: إنّ البداء بمعنى أن ينزل بالناس ما لم يحتسبوا ويقدروا كالغنى بعد الفقر والمرض بعد العافية، فهذا موضع اتّفاق بين الشيعة والسنة.

فنسأله أيّ فرق بين تغيير الفقر إلى الغنى والمرض إلى العافية وبين الزيادة في الآجال والأرزاق والنقصان منها بالأعمال، حيث جوّز الأوّل دون الثاني، مع أنّ الجميع في تغيير ما قُدِّر سيّان، حيث كان المقدّر هو الفقر والمرض، فتغيّرا إلى ضدهما، ولو كان التغير في المقدَّر مستلزماً للتغيّر في علمه سبحانه فما هو الفرق بين الموردين، ولماذا تمسّك بالقاعدة العقلية في مورد دون مورد؟

وزان التقديرين وزان الأجلين

وهذا مثل قوله سبحانه:«هُوَ الَّذي خَلَقَكُمْ مِنْ طين ثُمَّ قَضى أَجلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُون».(1)

والمراد من الأجل الأوّل، هو القابليّة الطبيعيّة لأفراد النوع الإنساني، والعمر الطبيعي لنوع الإنسان.

وأمّا الأجل المسمّى، فهو الأجل القطعي الذي لا يتجاوزه الفرد، وإليه يشير سبحانه بقوله: «فَإِذا جاءَ أَجلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُون».(2)

نعم الأجل المسمّى كثيراً ما ينقص عن الأجل المطلق، فلو جعلنا مقدار


1 . الأنعام:2.
2 . النحل:61.


(403)

الأجل المطلق لطبيعة الإنسان مائة وعشرين سنة، فقلّما يتّفق أن يبلغ الإنسان إلى ذلك الحدّ من العمر، فإنّ هناك موانع وعراقيل تمنعه ـ في العادة ـ من الوصول إليه.

نعم قلّما يزيد هذا الأجل على الأجل المطلق إذا توفّرت لذلك مقتضيات وقابليّات خارجة عن المتعارف تؤثّر في طول العمر وامتداده.

وعلى كلّ، فكما أنّ وجود الأجلين لا يوجب تغييراً في علم اللّه سبحانه، فهكذا وجود التقديرين.

وتغيير التقدير الأوّل بالتقدير الثاني مثل تغيير الأجل المطلق بالأجل المسمّى في ناحيتي الزيادة والنقصان، بل لا معنى للأجلين إلاّ التقديرين.

ثمّ إنّ المراد من تغيير المقدّر هو تغيير المكتوب في لوحي المحو والإثبات، فإنّ للّه سبحانه لوحين:

الأوّل: اللوح المحفوظ الذي لا يتطرّق إليه التغيير، وقد أشار إليه سبحانه بقوله: «ما أَصابَ مِنْ مُصيبَة فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ في كتاب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرأَها إِنَّ ذلِكَ عَلى اللّهِ يَسيرٌ».(1)

الثاني: لوح المحو والإثبات، فيكتب فيه التقدير الأوّل، وهو وإن كان بظاهره مطلقاً وظاهراً في الاستمرار، إلاّ أنّه مشروط بشروط، فإذا تغيّرت الشروط انتهى أمر التقدير الأوّل، وحان وقت التقدير الثاني، وإلى هذا اللوح أشار سبحانه بقوله: «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ».(2)


1 . الحديد:22.
2 . الرعد:39.


(404)

ومثل هذا التغيّر في التقدير لا يمسّ كرامة العلم الإلهي الأزلي أبداً.

أحد أعلام السنّة يصحر بالحقيقة

انّ الشيخ عبد العزيز البلوشي من أعضاء مجلس الخبراء لكتابة الدستور للجمهورية الإسلامية الإيرانية، اجتمع بي وسألني عن حقيقة البداء، وقد شرحت له مغزى المسألة ، واستمع لما نقوله بهدوء وتفهم، فقال: لو كان البداء بهذا المعنى فهو ممّا يعتقده أهل السنّة أجمع غير أنّكم لا تريدون من البداء هذا، وإنّما تريدون معنى آخر يلازم جهله سبحانه وظهور الحقيقة بعد الخفاء.

ثمّ قال: لو أتيت بكتاب من قدماء الشيعة يتبنّى هذه العقيدة كما شرحتها لصدّقت كلامك وآمنت بالبداء، فنزلت عند رغبته، وآتيت له كتاب«أوائل المقالات» و «شرح عقائد الصدوق» للعلاّمة الشيخ المفيد، فأخذ الكتاب وطالعه بدقّة وقلّبه ظهراً لبطن، وجاء بعد أيّام قائلاً: لو كان البداء بنفس المعنى الذي فسّره معلم الشيعة الشيخ المفيد، فأهل السنّة قاطبة معه في هذه العقيدة من لدن ضرب الإسلام بجرانه في الأرض.


(405)

5
الأثر التربوي للإيمان بالبداء

إذا كان البداء هو تمكّن العبد من تغيير المصير بنواياه الصادقة وأعماله الطاهرة، فهو يبعث الرجاء في نفس العبد ويكون نظيرَ تشريع قبول التوبة والشفاعة وتكفير الصغائر بالاجتناب عن الكبائر، فتشريع الكلّ لأجل بعث الرجاء وإيقاد نوره في قلوب المكلّفين حتّى لا ييأسوا من روح اللّه، ولا يتنكّبُوا عن الصراط المستقيم، بتصوّر انّهم بأعمالهم السابقة صاروا من الأشقياء وكتبت عليهم النار تقديراً حتمياً لا تبديل فيه.

فلو علم الإنسان أنّه سبحانه لم يجفّ قلمُه في لوح المحو والإثبات، وله أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، يُسعِد من يشاء ويُشقي من يشاء، لسعى في إسعاده وإخراجه من ديوان الأشقياء، وتسجيله في قائمة السعداء، إذ ليست مشيئته جزافية غير تابعة لضابطة خاصّة، بل إذا تاب وعمل بالفرائض وتمسّك بالعروة الوثقى يخرج من سلك الأشقياء ويدخل في صنف السعداء وبالعكس،وهكذا كلّ ما قدر في حقّه من الأجل والمرض والفقر والشقاء، يمكن تغييره بالدعاء والصدقة وصلة الرحم وإكرام الوالدين وغير ذلك، فالكلّ لأجل بثّ الأمل في قلب الإنسان، وعلى هذا فالاعتقاد بذلك من ضروريات


(406)

الكتاب وصريح آياته وأخبار الأئمّة الهداة.

وبهذا يظهر أنّ البداء من المعارف العليا التي اتّفقت عليه كلمة المسلمين وإن غفل عن معناه الجمهور (ولو عرفوه لأذعنوا له).

وأمّا اليهود ـ خذلهم اللّه ـ فقالوا باستحالة تعلّق المشيئة بغير ما جرى عليه القلم، ولأجل ذلك قالوا: يد اللّه مغلولة عن القبض والبسط، والأخذ والإعطاء.

وبعبارة أُخرى: أنّ للإنسان عندهم مصيراً واحداً لا يمكن تغييره ولا تبديله، وأنّه ينال ما قُدِّر له من الخير والشر بلا استثناء.

ولو صحّ ذلك لبطل الدعاء والتضرّع، ولبطل القول بأنّ للأعمال الصالحة وغير الصالحة ممّا عددناه تأثيراً كبيراً في تغيير مصير الإنسان.

وعلى ضوء هذا البيان نتمكّن من فهم ما جاء في فضيلة البداء وأهميته في الروايات عن أئمّة أهل البيتـ عليهم السَّلام ـ ، مثل ما روى زرارة عن أحدهما (الباقر أو الصادقـ عليهما السَّلام ـ ): «ما عُبدِ اللّه عز ّوجلّ بشيء مثل البداء».(1)

ولقد أدرك قوم يونس إمكان تغيير التقدير بالتوبة والعمل الصالح، فلمّـا نزل بهم العذاب مشوا إلى رجل من علمائهم، فقالوا: علّمنا دعاءً ندعُو به لعلّ اللّهَ يكشفُ عنّا العذابَ، فقال: قولوا: يا حيّ، حينَ لا حيَّ، يا حيّ محيي الموتى، يا حي لا إله إلاّ أنت، قال: فكشف عنهم العذاب.(2)

ويظهر ممّا رواه السيوطي أنّهم وقفوا بين يدي اللّه سبحانه بحالة تستنزل الرحمة وتدفع النقمة، قال: أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس (رضي اللّه عنه) قال:


1 . البحار:4/107، باب البداء، الحديث19.
2 . تفسير ابن كثير:3/530.


(407)

لما دعا يونس على قومه أوحى اللّه إليه انّ العذاب مُصْبحهم. فقالوا: ما كذب يونس وليُصبحنا العذاب، فتعالوا حتّى نُخرج سخالَ كلّ شيء فنجعلها مع أولادنا فلعلّ اللّه أن يرحمهم. فأخرجوا النساء معهن الولدان، وأخرجوا الإبل معها فَصلانها، وأخرجوا البقر معها عجاجيلها، وأخرجوا الغنم معها سخالها فجعلوه أمامهم، وأقبل العذاب فلما أن رأوه جأروا إلى اللّه ودعوا، وبكت النساء والولدان، ورغت الإبل وفصلانها، وخارت البقر وعجاجيلها، وثغت الغنم وسخالها، فرحمهم اللّه، فصرف عنهم العذاب.(1)


1 . الدر المنثور:4/393.


(408)

6
الحوادث التي بدا للّه تبارك وتعالى فيها

تفسير البداء بتغيير المصير بالأعمال الصالحة والطالحة تفسير له في مقام الثبوت. وهناك مصطلح آخر للبداء نعبّر عنه بالبداء في مقام الإثبات وهو انّه ربّما يلهم النبي أو يوحى إليه وقوع شيء ولكنّه لا يقع، وهذا ما يعبّر عنه بأنّه بدا للّه في تلك الحادثة.

أمّا استعمال كلمة «بدا للّه» فسيوافيك انّه مجاز. وقد تبع المسلمون في هذا النوع من الاستعمال سنّةَ النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في أبرص وأقرع وأعمى كما مرّ.(1)

إنّما الكلام في كيفية الإلهام أو الوحي إلى النبي وأخباره للناس وعدم وقوعه، فبيانه:

انّه ربما تقتضي المصلحةُ اطّلاعَ النبي على المقتضي للشيء دون العلّة التامة لوقوعه، فيخبر استناداً إلى المقتضي مع عدم الوقوف على العلّة التامة التي من أجزائها عدم المانع من تأثير المقتضي.

فإخباره يستند إلى وجود المقتضي للشيء، وأمّا عدم وقوعه فلاستناده إلى وجود المانع من تأثير المقتضي، وها نحن نذكر شيئاً من هذه الإخبارات الواردة في الكتاب والسنّة والتي بدا للّه فيها :


1 . راجع ص 370 من هذا الكتاب.


(409)

1. حادثة رفع العذاب عن قوم يونس

أخبر يونسُ قومَه بنزول العذاب ثمّ ترك القوم وكان في وعده صادقاً معتمداً على مقتضي العذاب الذي اطّلع عليه، لكن نزول العذاب كان مشروطاً بعدم المانع، أعني: التوبة والتضرّع، إذ مع المانع لا تجتمع العلة التامة للعذاب، قال سبحانه: «فَلَولا كانت قَريةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوم يُونُسَ لمّا آمنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الخِزْيِ فِي الحَياةِ الدُّنيا ومَتَّعناهُمْ إلى حِين».(1)

أخرج عبد الرزاق عن طاووس في قوله: «وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرسَلينَ * إِذْ أَبَقَ إِلى الفُلْكِ الْمَشْحُون»(2) قال: قيل ليونسـ عليه السَّلام ـ : إنّ قومك يأتيهم العذاب يوم كذا وكذا... فلمّا كان يومئذ، خرج يونسـ عليه السَّلام ـ ففقده قومه، فخرجوا بالصغير والكبير والدواب وكلّ شيء، ثمّ عزلوا الوالدة عن ولدها، والشاة عن ولدها، والناقة والبقرة عن ولدها، فسمعت لهم عجيجاً فأتاهم العذاب حتّى نظروا إليه ثمّ صرف عنهم فلما لم يصبهم العذاب، ذهب يونسـ عليه السَّلام ـ مغاضباً فركب في البحر في سفينة مع أناس... الخ.(3)

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: لمّا بعث اللّه يونسـ عليه السَّلام ـ إلى أهل قريته، فردوا عليه ما جاءهم به، فامتنعوا منه، فلمّا فعلوا ذلك أوحى اللّه إليه إنّي مرسل عليهم العذاب في يوم كذا وكذا، فأخرج من بين أظهرهم، فأعلم قومه الذي وعد اللّه من عذابه إيّاهم، فقالوا: ارمقوه فإن هو خرج من بين أظهركم فهو واللّه كائن ما وعدكم، فلمّا كانت الليلة التي وُعِدُوا


1 . يونس:98.
2 . الصافات:139ـ 140.
3 . الدر المنثور:7/121.


(410)

العذاب في صبيحتها، أدلج فرآه القوم، فحذروا فخرجوا من القرية إلى براز من أرضهم وفرقوا بين كلّ دابة وولدها، ثمّ عجّوا إلى اللّه وأنابوا واستقالوا فأقالهم، وانتظر يونس عليه خبر القرية وأهلها، حتّى مرّ مارّ فقال: ما فعل أهل القرية؟ قال:فعلوا أنّ نبيهم لمّا خرج من بين أظهرهم عرفوا أنّه قد صدقهم ما وعدهم من العذاب، فخرجوا من قريتهم إلى براز من الأرض، ثمّ فرقوا بين كلّ ذات ولد وولدها، ثمّ عجُّوا إلى اللّه، وتابوا إليه فقُبِل منهم وأخّر عنهم العذاب.(1)

2. حادثة الإعراض عن ذبح إسماعيل

قد تضافر في الآثار انّ رؤية الأنبياء رؤيا صادقة وربّما يكون وحياً.(2) وقد رأى إبراهيم في منامه انّه يذبح إسماعيل، وأعلم ابنه بذلك، ليكون أهون عليه، وليختبر صبره وجلده وعزمه على طاعة اللّه وطاعة أبيه، يقول سبحانه: «فَبَشَّرناهُ بِغُلام حَليم * فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنّي أَرى فِي المَنامِ أَنّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللّهُ مِنْ الصّابِرين».(3)

فقوله: «أَنّي أَذْبَحُك» يحكي عن حقيقة ثابتة وواقعية مسلّمة، وهو أمر اللّه لإبراهيم بذبح ولده أوّلاً، وتحقّق ذلك في عالم الوجود ثانياً، وكأنّ قوله سبحانه: «إِنّي أَرى فِي المَنامِ أَنّي أَذْبَحُك» يكشف عن أمرين:

1. الأمر بذبح الولد وهو أمر تشريعي.

2. الكناية عن تحقّق ذلك في الواقع الخارجي.


1 . الدر المنثور:7/122.
2 . الدر المنثور:5/280 .
3 . الصافات:101ـ 102.


(411)

فقد أخبر إبراهيمـ عليه السَّلام ـ بذلك، بطريق من طرق الوحي، وأخبر هو ولده بذلك، ومع ذلك كلّه لم يتحقّق ونُسخ نسخاً تشريعياً، كما لم يتحقّق ذبح إبراهيم إسماعيل في الخارج فكان نسخاً تكوينياً.

ويحكي عن كلا الأمرين قوله سبحانه: «وَفَدَيْناهُ بِذبح عَظيم».(1)

وسيوافيك انّ اخبار الأنبياء عن حوادث مستقبلية مع عدم وقوعها لا يستلزم كذبهم ولا يمسّ كرامتهم بشيء، وذلك لدلالة القرائن على وجود المقتضي للحوادث وإنّما لم يقع لأجل موانع حالت بين المقتضي وتأثيره.

ثمّ إنّه سبحانه يحكي لنا عزمَ إبراهيم لذبح ولده، وانّ الوالد والولد سلّما ما أُمرا به، ووضع إبراهيم وجهه للأرض«وتلّه للجبين» فلمّا أخذ الشفرة وأراد أن يذبحه، نودي مِن خلفه أن يا إبراهيمُ قد صدّقتَ الرؤيا وخرجتَ من الاختبار مرفوع الرأس، قال سبحانه:

«فَلَمّا أَسلَما وَتلَّهُ لِلْجَبِين * وَنادَيْناهُ أَنْ يا ابراهيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤيا إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُِبينُ * وَفَدَيْناهُ بِذِبح عَظيم * وَتَرَكْنا عَليهِ فِي الآخِرينَ * سَلامٌ عَلى إِبْراهيمَ * كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبادنَا الْمُؤْمِنينَ».(2)

3. حادثة إكمال ميقات موسى ـ عليه السَّلام ـ

ذكر المفسّرون انّه سبحانه واعد موسى ثلاثين ليلة، فصامها موسىـ عليه السَّلام ـ وطواها، فلمّا تمّ الميقات استاك بلحاء شجرة فأمره اللّه تعالى أن يُكْمل بعشر، يقول


1 . الصافات:107.
2 . الصافات:103ـ111.


(412)

سبحانه: «وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْر فَتَمَّ مِيقاتُ رَبّهِ أَرْبَعينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لأخيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفسِدين».(1)

إنّه سبحانه لمّا واعد موسى ثلاثين ليلة، كلّم بما وعده اللّه سبحانه قومه الذين صحبوه إلى الميقات، فلمّا طوى موسىـ عليه السَّلام ـ ثلاثين ليلة أمر بإكمال بأربعين ليلة.

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في تفسير الآية: انّ موسى قال لقومه: انّ ربّي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه وأخلف هارون فيكم، فلمّا فصل موسى إلى ربّه زاده اللّه عشراً، فكانت فتنتهم في العشر التي زاده اللّه.(2)

فكان هناك إخباران:

الأوّل بأنّه يمكث في الميقات ثلاثين ليلة، ثمّ نسخه خبر آخر بأنّه يمكث أربعين ليلة، وكان موسى صادقاً في كلا الأخبارين، حيث كان الخبر الأوّل مستنداً إلى جهات يقتضي إقامة ثلاثين ليلة، لولا طروء ملاك آخر يقتضي أن يكون الوقوف أزيد من ثلاثين.

هذه جملة الحوادث التي تنبّأ أنبياء اللّه بوقوعها في الذكر الحكيم إلاّ أنّها لم تقع، وهذا ما يعبّر عنه بأنّه بدا للّه فيها.

وسيوافيك وجه استعمال لفظة «بدا» في المقام وكيفية نسبته إلى اللّه.


1 . الأعراف:142.
2 . الدر المنثور:3/335.


(413)

حوادث بدا للّه تعالى فيها في الأحاديث

المتتبع في الآثار والروايات يجد نظائر هذه الحوادث فيها، ونذكر نزراً قليلاً منها:

1. مر يهوديّ بالنبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: السام عليك، فقال النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ له: «وعليك»، فقال أصحابه: انما سلّم عليك بالموت، فقال: الموت عليك؟ فقال النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «وكذلك رددت»، ثمّ قال النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لأصحابه:«إنّ هذا اليهودي يعضّه أسود في قفاه فيقتله». قال: فذهب اليهودي فاحتطب حطباً كثيراً فاحتمله، ثمّ لم يلبث أن انصرف.

فقال له رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ «ضعه»، فوضع الحطب فإذا أسود في جوف الحطب عاض على عود، فقالـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «يا يهوديّ ما عملت اليوم؟» قال: ما عملت عملاً إلاّ حطبي هذا حملته فجئت به، وكان معي كعكتان فأكلت واحدة وتصدّقت بواحدة على مسكين، فقال رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «بها دفع اللّه عنه»، وقال : «إنّ الصدقة تدفع ميتة السوء عن الإنسان».(1)

2. انّ المسيح مرّ بقوم مجلبين، فقال: ما لهؤلاء؟ قيل: يا روح اللّه فلانة بنت فلانة تُهدى إلى فلان في ليلته هذه، فقال: يُجلَبُون اليوم ويَبكوُن غداً، فقال قائل منهم: ولم يا رسول اللّه؟ قال: لأنّ صاحبتهم ميتة في ليلتها هذه، فلما أصبحوا وجدوها على حالها، ليس بها شيء، فقالوا : يا روح اللّه إنّ التي اخبرتَنا أمس انّها ميتة لم تمت، فدخل المسيح دارها فقال: ما صنعت ليلتك هذه؟ قالت: لم أصنع شيئاً إلاّ وكنت أصنعه فيما مضى، انّه كان يعترينا سائل في كلّ ليلة جمعة فننيله ما


1 . بحار الأنوار:4/121.


(414)

يقوته إلى مثلها. فقال المسيح: تنحّ عن مجلسك فإذا تحت ثيابها أفعى مثل جذعة، عاضّ على ذنبه، فقالـ عليه السَّلام ـ : بما صنعت، صرف عنك هذا.(1)

أقول: إنّ الأخبارات الصادرة من الأنبياء لأجل اتّصالهم باللوح الثاني الذي في معرض التغيّر والتبدّل كثيرة مبثوثة في الكتب، فيخبرون لمصالح حسب ما يقتضي المقتضي مع احتمال تغيّرها حسب توفّر الشروط وعدمها أو الموانع وعدمها.

وفي هذا المجال يقول العلاّمة المجلسي في عالم الإثبات:

اعلم أنّ الآيات والأخبار تدلّ على أنّ اللّه خلق لوحين أثبت فيها ما يحدث في الكائنات:

أحدهما: اللوح المحفوظ الذي لا تغيّر فيه أصلاً و هو مطابق لعلمه تعالى.

والآخر: لوح المحو والإثبات، فيثبت فيه شيئاً ثمّ يمحوه، لحكم كثيرة لا تخفى على أُولي الألباب.


1 . بحار الأنوار:4/94.