(415)
7
شبهات وحلول
تثار حول البداء شبهات عديدة تطلب لنفسها الإجابة، ونحن بدورنا نذكر المهم منها:
الأُولى: استحالة إطلاق البداء على اللّه سبحانه
إنّ البداء في اللغة هو الظهور بعد الخفاء، وهو يلازم العلم بعد الجهل، واللّه سبحانه عالم بكلّ شيء قبل الخلقة ومعها وبعدها فكيف يقال بدا للّه في هذه الحادثة؟
والجواب: انّ هذه الشبهة صارت ذريعة لإنكار البداء حتّى بالمعنى الصحيح، غير انّا نُلفت نظر القارئ الكريم إلى أنّ النزاع ليس في إطلاق لفظ «البداء» على اللّه، وإنّما النزاع في المسمّى، فسواء أصحت تسميته بالبداء أم لم تصحّ، فالبداء عبارة عن تغيير المصير بالعمل الصالح والطالح، فلو كان إطلاق البداء عليه غير صحيح عند شخص فليسمّه بلفظ آخر، على أنّ إطلاقه على اللّه صحيح لإحدى الجهات التالية أو جميعها:
1. انّ الشيعة الإمامية اقتفوا أثر النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في إطلاق البداء على اللّه سبحانه
(416)
حيث جاء في حديث الأقرع والأبرص والأعمى قولهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : (بدا للّه عزّ وجلّ أن يبتليهم)(1) وقد قال سبحانه: «لَقَد كانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللّهَ وَاليَومَ الآخِر وذَكَرَ اللّهَ كَثِيراً».(2)
2. انّ وصفه سبحانه بهذا الوصف من باب المشاكلة، وهو باب واسع في كلام العرب، فانّه سبحانه في مجالات خاصة يعبّر عن فعل نفسه بما يعبّر به الناس عن فعل أنفسهم، وما ذلك إلاّ لأجل المشاكلة الظاهرية، وقد صرّح بها القرآن الكريم في مواضع عديدة، نذكر منها:
يقول سبحانه: «إِنَّ الْمُنافِقينَ يُخادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خادِعُهُم».(3)
ويقول تعالى: «وَمَكَرَوُا وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الماكِرين».(4)
وقال عزّ من قائل: «وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّه وَاللّهُ خَيْرُ الماكِرين».(5)
وقال عزّ اسمه :«وَقِيلَ الْيَومَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَومِكُمْ هذا».(6)
وقال عزّ وجلّ: «فَاليَوم نَنساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَومِهِمْ هذا».(7)
إذ لا شكّ انّه سبحانه لا يخدع ولا يمكر ولا ينسى، لأنّها من صفات الإنسان الضعيف، ولكنّه سبحانه وصف أفعاله بما وصف به أفعال الإنسان من باب المشاكلة، والجميع كناية عن إبطال خدعتهم ومكرهم وحرمانهم من مغفرة اللّه سبحانه وبالتالي عن جنّته ونعيمها.
وعلى ضوء ذلك فلا غرو في أن نعبّر عن فعله بما نعبّر عن أفعالنا، إذا كان
1 . تقدم تخريجه: انظر ص370ـ 371 من هذا الكتاب.
2 . الأحزاب:21.
3 . النساء:142.
4 . آل عمران:54.
5 . الأنفال:30.
6 . الجاثية:34.
7 . الأعراف:51.
(417)
التعبير مقروناً بالقرينة الدالّة على المراد، فإذا ظهر الشيء بعد الخفاء، فبما انّه بداء بالنسبة إلينا نوصف فعله سبحانه به أيضاً وفقاً للمشاكلة، وإلاّ فهو ـ في الحقيقة ـ بداء من اللّه للناس، ولكنّه يتوسّع كما يتوسّع في غيره من الألفاظ، ويقال بدا للّه تمشّياً مع ما في حسبان الناس وأذهانهم وقياس أمره سبحانه بأمرهم، ولا غرو في ذلك إذا كانت هناك قرينة على المجاز والمشاكلة.
3. انّ اللام هنا بمعنى «من» فقوله: «بدا للّه» أي بدا من اللّه للناس، يقول العرب: قد بدا لفلان عمل صحيح أو بدا له كلام فصيح، كما يقولون بدا من فلان كذا، فيجعلون اللام مقام «من»، فقولهم: بدا للّه أي بدا من اللّه سبحانه.(1)
فعلى ضوء هذه الجهات يصحّ إطلاق البداء على اللّه سبحانه ووصفه به، حتّى لو قلنا بتوقيفية الأسماء والصفات وما ينسب إليه تعالى من الأفعال، لوروده في الحديث النبوي الآنف الذكر.
الثانية: استلزام البداء في مقام الإثبات الكذب
قد عرفت أنّ للبداء مجالين: مقام الثبوت ومقام الإثبات، والمراد من الثاني كما تقدّم هو إخبار النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن حادثة وعدم وقوعها لانتفاء شرطها، فحينئذ تطرح الشبهة التالية بأنّه إذا أخبر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولم يتحقّق ما أخبر به يلزم حينها كذبه وزوال الاعتماد على قوله.
والجواب: إنّ مصدر خبر النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إمّا الوحي كما هو الحال في الإخبار عن أمره سبحانه بذبح إسماعيل أو نزول العذاب على قوم يونس، أو اتّصال النبي بلوح المحو والإثبات، أو الألواح التي يكتب فيها الحوادث الثابتة والمتغيّرة، فربّما
1 . أوائل المقالات:53.
(418)
يكتب فيها الموت بالنظر إلى مقتضياته فيتّصل به النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فيطلع على موته مع أنّه كان مشروطاً بشرط لم يتحقّق.
غير أنّ هذا النوع من الإخبار لا يستلزم كذب النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وذلك لدلالة القرائن على صدق النبي، وهو وجود المقتضي للحادثة وانّها لم تقع لأجل فقدان الشرط، مثلاً:
إنّه سبحانه ـ بعد ما نسخ ذبح إسماعيل ـ أمر إبراهيم بالفداء عنه بذبح عظيم وقال: «وَفَدَيْناهُ بِذبح عَظيم»(1)، ففي هذه الفدية دليل على صدق ما أخبر به النبي من الرؤيا، وقد كانت هناك مصلحة للأمر بالذبح، غير أنّه نسخ لمصلحة فيه.
ونظير هذا قصة يونس حيث أخبر عن العذاب وقد تقدّم أنّ القوم رأوا طلائعه، فقال لهم عالمهم: افزعوا إلى اللّه فلعلّ اللّه يرحمكم، ويرد العذاب عنكم، فاخرجوا إلى المفازة، وفرّقوا بين النساء والأولاد وبين سائر الحيوان وأولادها ثمّ إبكوا وادعوا، ففعلوا فصرف عنهم العذاب.(2)
وقد مضى في قصة المسيح انّه أخبر بهلاك العروس ولم يقع، لكنّه برهن على صحّة إخباره بقوله لها: «تنحّي عن مجلسك» فإذا تحت ثيابها أفعى مثل جذعة عاض على ذنبه، فقالـ عليه السَّلام ـ : «بما صنعت صرف عنك هذا».(3)
كما أنّ في إخبار النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بهلاك اليهودي كان مقروناً بمشاهدة الأسود في جوف الحطب عاض على عود.
1 . الصافات:107.
2 . مجمع البيان:3/153.
3 . تقدم تخريجه.
(419)
وبالجملة: إنّ تنبّؤات الأنبياء والأولياء بوقوع حوادث مستقبلية تتحقّق غالباً، وعند ما تتخلّف يكون الإخبار مقروناً بأمارات دالّة على صدقه كما تقدّم.
الثالثة: استلزام البداء للتشكيك في مطلق ما أخبر
إذا كان إخبار النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خاضعاً للبداء فلا يبقى أيُّ اعتماد بتنبّؤات الأنبياء والأولياء، فإذا أخبر المسيح بمجيء نبي بعده اسمه أحمد، أو أخبر النبي عن كونه خاتم الأنبياء، أو عن ظهور المهدي في آخر الزمان، وكان الجميع خاضعاً للبداء والتغيير فلا يبقى وثوق بما أخبر.
والجواب: انّ البداء إنّما يتعلّق بموارد جزئية وحوادث خاصّة، كما عرفت من ذبح إسماعيل ونزول البلاء على قوم يونس وموت العروس واليهودي بالأسود، فهذا القسم من التنبؤات تقتضي المصلحة وقوع البداء فيها، وهي أُمور نادرة بالنسبة إلى ما جاء به الأنبياء من السنن والقضايا والسياسات، فلا يورث البداء في مورد أو موارد لا تتعدى عن عدد الأصابع، شكاً وترديداً فيما أخبر به الأنبياء أو جاءوا به من الأحكام، وإن شئت التفصيل فنذكر بعض ما لا يتطرّق إليه البداء فنقول:
1. السنن الكونية لاتخضع للبداء
إنّ للّه سبحانه تبارك وتعالى سنناً كونية غير محددة بزمان ومكان، وهي ثابتة لا تخضع للبداء، لأنّها سنة، والسنّة بطبعها تقتضي الشمول والعموم وتأبى التخصيص والتبعيض، قال اللّه سبحـانه:«وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّهِ تَبديلاً»(1)
1 . الأحزاب:62.
(420)
وإليك نزراً من هذه السنن.
1. يقول سبحانه حاكياً عن شيخ الأنبياء نوح «فَقُلتُ استَغْفِروا ربّكم إِنَّه كانَ غفّاراً * يُرسِلِ السَّماء عَلَيْكُمْ مِدراراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَموال وَبَنينَ وَيَجْعَل لَكُمْ جَنّات وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً».(1)
فهل يتصوّر طروء البداء إلى هذه السنن الكونية التي لا تقصر عن السنن الطبيعية؟ كلا و لا.
2. يقول سبحانه: «وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابي لَشديد».(2)
فالآية تتكفّل ببيان سنّتين إلهيّتين: ايجابية وسلبية.
فلا يتطرق إليهما البداء ولا النسخ.
3. يقول سبحانه: «وَمَنْ يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرزُقهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب».(3)
4. ويقول عزّ وجلّ:«وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكرِ أنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِي الصّالِحُون».(4)
فهذه السنن قد أخذ اللّه على ذمته أن تكون ثابتة في عامّة الأجيال والأزمان لا تخضع للتغيّر لمنافاته للسنّة الإلهية.
2. التنبّؤ بالنبوّة والإمامة لا يخضع للبداء
قد تقتضي المصلحة تنبّؤ النبي بنبيّ لاحق بعده كما تنبّأ عيسىـ عليه السَّلام ـ بظهور
1 . نوح:10ـ12.
2 . إبراهيم:7.
3 . الطلاق:2ـ3.
4 . الأنبياء:105.
(421)
نبيّ بعده اسمه أحمد، يقول سبحانه حاكياً عن المسيح: «وَإِذْ قالَ عِيسى ابنُ مَريمَ يا بَنِي إِسرائيلَ إنّي رَسُولُ اللّهِ إِليكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْن يَدَيَّ مِنَ التَّوراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُول يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسمُهُ أَحْمَد فَلَمّا جاءَهُمْ بِالبَيِّنات قالُوا هذا سِحْرٌ مُبين».(1)
فهذا النوع من التنبّؤ لا يخضع للبداء، لأنّه على طرف النقيض من مصالح النبوّة، إذ معنى ذلك إيجاد الفوضى عند ظهور النبيّ اللاحق. وقس على هذين المورد، ما ورد عنهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حول المهدي وظهوره وبسطه العدل والقسط.
وبذلك يعلم أنّ ما يخضع للبداء في مقام الإثبات أُمور نادرة تتعلّق بأُمور خارجة عن النظام التشريعي والعقائدي ونسبتها إلى غيرها كنسبة الواحد إلى الأُلوف، فلا يُورِث البداء في مثل تلك الأُمور أيّ شك وترديد في تنبّؤات الأنبياء.
أضف إلى ذلك انّه يشترط في صحّة البداء وقوعه في حياة المخبر، كما هو الحال في قصة الخليل ويونس والمسيح والنبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وعلى ذلك فما أخبر به النبي والوصي يحدد احتمال ظهور الخلاف بحياتهم، فإذا انقضت آجالهم فلا يبقى أيّ موضوع للبداء.
فنخرج بالحصيلة التالية: انّ كلّ ما ورد في القرآن والسنّة والآثار بعد رحيل النبيّ من الأخبار أُمور محتومة لا يتطرّق إليها البداء.
الرابعة: البداء ومسألة جفّ القلم
إذا كـان البداء بمعنـى تغييـر المصيـر بالأعمال الصالحـة والطالحـة فهو لا يجتمع مع ما روي عن النبي من أنّه قال لأبي هريرة: «جفّ القلم بما
1 . الصف:6.
(422)
أنت لاق» (1)، فانّ الحديث يعرب عن تماميّة الأُمور والفراغ عن الأمر دون أي تجديد في المصير بالعمل وغيره.
أقول: إذا كان الميزان في صحّة العقيدة هو تطابقها مع كتاب اللّه العزيز والسنّة النبويّة المتضافرة أو المتواترة فيجب أن نعتمد عليهما لا على أخبار الآحاد وإنْ رواها الإمام البخاري في صحيحه، وقد عرفت دلالة الكتاب العزيز على انّه سبحانه «كُلَّ يَوم هُوَ في شَأْن».(2) وقال سبحانه: «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتاب».(3)
إلى غير ذلك من الآيات الصحيحة في تمكّن الإنسان من تغيير ما قدّر.
وأمّا ما رواه أبو هريرة فلو أخذنا بحديثه فيُحمل على ما قدر في أُمّ الكتاب وفي علمه الذاتي سبحانه لا ما قُدِّر في لوح المحو والإثبات وفي مقام علمه الفعلي.
ويؤيّد ما ذكرنا ما رواه البخاري في باب أسماه «العمل بالخواتيم» ، وقد ورد في أحاديث الباب قولهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :وإنّما الأعمال بالخواتيم.(4)
فإذا كانت العبرة بخواتيم الأعمال، فمعنى ذلك انّ المصير يتغيّر، ولو كان ما قدر ثابتاً كانت العبرة بالأوائل لا بالخواتيم.
إنّ القول بجفاف القلم وانّ اللّه سبحانه فرغ من الأمر عقيدة مستوردة، انتحلتها اليهود كما أشار إليها سبحانه في القرآن الكريم بقوله: «قالَتِ اليَهُود يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قَالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاء»(5) ،والآية وإن وردت في مورد الإنفاق،ولكن العبرة بعموم اللفظ(«يد اللّه
1 . صحيح البخاري:4/230، كتاب القدر، الحديث 6596.
2 . الرحمن:29.
3 . الرعد:39.
4 . نفس المصدر: برقم 6607.
5 . المائدة:64.
(423)
مغلولة») دون خصوص المورد، كما هو الحال في عامّة الآيات الواردة في سبب خاص.
يقول العلاّمة محمد هادي معرفة: إنّ ذكر الإنفاق كيف يشاء في ذيل الآية جاء بياناً لأحد مصاديق بسط يده تعالى وشمول قدرته، وليس ناظراً إلى الانحصار فيه، ولعلّ ذكر ذلك كان بسبب ما واجه المسلمين في إبّان أمرهم من الضيق وعدم التوفّر في تهيئة التجهيز الكافي والحصول على الإمكانات اللازمة، فأخذت اليهود في الطعن عليهم بأنّ ذلك هو المقدّر لهم، وليس بوسعه تعالى أن يفسح لهم المجال أو يوسع عليهم في المعاش.(1)
وفي رواية أئمّة أهل البيتـ عليهم السَّلام ـ تصريح بأنّ الفراغ من الأمر عقيدة اليهود، قال الإمام علي بن موسى الرضا ـ عليه السَّلام ـ لسليمان بن حفص المروزي، متكلّم خراسان وقد استعظم مسألة البداء في التكوين: «أحسبك ضاهيت اليهود في هذا الباب» قال: أعوذ باللّه من ذلك، وما قالت اليهود؟ قال: «قالت اليهود: «يَد اللّه مَغْلُولة» يعنون انّ اللّه قد فرغ من الأمر فليس يحدث شيئاً».(2)
وروى الصدوق باسناده إلى إسحاق بن عمّار، عمّن سمعه ،عن الصادقـ عليه السَّلام ـ انّه قال في الآية الشريفة: لم يعنوا انّه هكذا(أي مكتوف اليد) لكنّهم قالوا: قد فرغ من الأمر فلا يزيد ولا ينقص. فقال اللّه جلّ جلاله تكذيباً لقولهم: «غُلَّت أَيديهِمْ وَلعنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاء» ألم تسمع اللّه عزّ وجلّ يقول: «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتاب».(3)
1 . شبهات وردود:361.
2 . عيون أخبار الرضا:1/145، باب 13 ، رقم1.
3 . توحيد الصدوق:167، باب 25، رقم1.
(424)
وممّن صرّح بما ذكرنا الراغب الاصفهاني في مفرداته، قال: قيل: إنّهم لمّا سمعوا انّ اللّه قد قضى كلّ شيء قالوا: إذاً يد اللّه مغلولة، أي في حكم المقيد لكونها فارغة.(1)
إنّ يهود عصر الرسالة استنكروا تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، وما هذا إلاّ لاعتقادهم بالفراغ عن التكوين والتشريع.
وبهذا فسّره الجبائي قوله سبحانه: «وَللّهِ الْمَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ فَأَيْنما تُولُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ واسِعٌ عَليم».(2)
وبهذا الشأن نزل قوله سبحانه: «ما نَنْسَخْ مِنْ آية أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْر مِنْها أَوْ مِثْلها أَلَمْ تعلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيء قَدير».(3)
وممّا يشهد على أنّ القول بالفـراغ عن الأمـر وجفـاف القلم مـن العقائـد المستوردة هو ما عليه اليهود في عامّة القرون من أنّه سبحانه بعد ما فرغ من خلق السماوات والأرض خلال الستة أيام، استراح في اليوم السابع وهو يوم السبت جاء في سفر التكوين: فأكملت السماوات والأرض وكلّ جندها، وفرغ اللّه في اليوم السابع من عمله الذي عمله فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل.(4)
يقول سبحانه ردّاً على تلك العقيدة: «وَلَقَدْ خَلَقْنا السَّمواتِ وَالأَرضَ وَما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أَيّام وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوب».(5)
1 . المفردات:363.
2 . البقرة:115، لاحظ مجمع البيان:1/191.
3 . البقرة:106.
4 . سفر التكوين: الاصحاح:2/1.
5 . ق:38.
(425)
واللغب في اللغة بمعنى التعب والإعياء وما يقرب منه.
أخي العزيز
هذا هو البداء، وهذا هو معناه في الكتاب والسنّة، وتلك هي آثاره البنّاءة في شخصية الإنسان.
وهو من صميم الدين، ولا يلازمه نسبة الجهل إلى اللّه تعالى.
ولو قدحت في ذهنك شبهة، فأعد القراءة بوعي وإمعان حتّى تزول الشبهة، وتقف على الجواب في ثنايا ما ذكرناه، بفضل من اللّه.
(426)
(427)
الفصل التاسع
نظام الحكم في الإسلام
بعد رحلة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
(428)
(429)
الأمر الأوّل
الحكومة حاجة ملحَّة
إنّ وجود الدولة في الحياة البشرية ليس أمراً تقتضيه الحياة المعاصرة التي اشتدت فيها الحاجة إلى الحكومة، بل هي حاجة طبيعية ضرورية للإنسان الاجتماعي عبر القرون.
فإذاً الدولة حاجة طبيعية تقتضيها الفطرة الإنسانية بحيث يُعدّ الخارج على الدولة ونظامها وتدبيرها: إمّا متوحشاً ساقطاً، أو موجوداً يفوق الموجود الإنساني.
انّ استعراض ما قام به الباحثون والمفكّرون من تبيين ضرورة الحكومة في المجتمع الإنساني، وانّه لولاها لانهارت الحياة وانفصمت عقد الاجتماع وعادت الفوضى إلى المجتمع الإنساني، ممّا لا تسعه هذه الرسالة ولنتركها لمحلها.
ولكن المهم لنا هو تبيين سيرة الرسول في تأسيس الحكومة الإسلامية بعدما استّتب له الأمر، وهو يعرب عن أنّ الحكومة تعد بنى تحتيّة لإجراء عامّة الأحكام الإسلامية، وانّه لولاها لتعطلت الأحكام، وتوقّف إجراء الحدود والتعزيرات، وبالتالي سادت الفوضى على الحياة، فلذلك نقتصر في المقام على بيان سيرة الرسولـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعد نزوله المدينة المنورة فنقول:
من تتبع سيرة النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقف على أنّه قام بتأسيس الدولة بكلّ ما لهذه
(430)
الكلمة من معنى، فقد مارس ما هو شأن الحاكم السياسي من تشكيل جيش منظم، وعقد معاهدات ومواثيق مع الطوائف الأُخرى، وتنظيم الشؤون الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية ممّا يتطلّبه أي مجتمع منظم ذو طابع قانوني، وصفة رسمية، وصيغة سياسية، واتخاذ مركز للقضاء وإدارة الأُمور وهو المسجد، وتعيين مسؤوليات إدارية، وتوجيه رسائل إلى الملوك والأُمراء في الجزيرة العربية وخارجها، وتسيير الجيوش والسرايا وبذلك يكون الرسول الأعظمـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أوّل مؤسس للدولة الإسلامية التي استمرت من بعده، واتسعت وتطورت وتبلورت، واتخذت صوراً أكثر تكاملاً في التشكيلات والمؤسسات وإن كانت الأُسس متكاملة في زمن المؤسس الأوّلـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .
ومن ملامح تأسيس حكومته قيامه بأُمور تعد من صميم العمل السياسي والنشاط الإداري الحكومي، نذكر من باب المثال لا الحصر:
1. انّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عقد بين أصحابه وبين الطوائف والقبائل الأُخرى المتواجدة في المدينة كاليهود وغيرهم اتفاقية وميثاقاً يعتبر في الحقيقة أوّل دستور للحكومة الإسلامية.
2. انّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ جهز الجيوش وبعث السرايا إلى مختلف المناطق في الجزيرة، وقاتل المشركين وغزاهم، وقاتل الروم، وقام بمناورات عسكرية لارهاب الخصوم، وقد ذكر المؤرخون أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خاض أو قاد خلال 10 أعوام من حياته المدنية 85 حرباً بين غزوة وسريّة.
3. بعد ان استَّتب له الأمر في المدينة وما حولها وأمن جانب مكة وطرد اليهود لتآمرهم ضد الإسلام والمسلمين من المدينة وما حولها وقلع جذورهم، توجه باهتمام خاص إلى خارج الجزيرة، وإلى المناطق التي لم تصل إليها دعوته ودولته
(431)
من مناطق الجزيرة، فراح يراسل الملوك والأُمراء ويدعوهم إلى الانضواء تحت راية الإسلام والدخول تحت ظل دولته والقبول بحكومته الإلهية.
4. انّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعث السفراء والمندوبين السياسيين إلى الملوك والزعماء وكان عملاً بديعاً من أعمال الدبلوماسية، وهذه الدبلوماسية الفطنة التي لجأ إليها النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في مخاطبة الملوك في عصره لم تذهب كلّها سدى.
5. انّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نصب القضاة وعيّن الولاة، وأعطاهم برامج للإدارة والسياسة، فأوصاهم فيما أوصاهم بتعليم أحكام الإسلام ونشر الأخلاق والآداب التي جاء بها الإسلام، وتعليم القرآن الكريم، وجباية الضرائب الإسلامية كالزكاة وإنفاقها على الفقراء والمعوزين، وما شابه ذلك من المصالح العامة، وفصل الخصومات بين الناس، وحلّ مشاكلهم) والقضاء على الظلم والطغيان، وغير ذلك من المهام والصلاحيات والمسؤوليات الإدارية والاجتماعية.
6. انّ من قرأ سورة الأنفال والتوبة ومحمّدـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يلاحظ كيف يرسم القرآن فيها الخطوط العريضة لسياسة الحكومة الإسلامية وبرامجها ووظائفها. فهي تشير إلى مقومات الحكومة الإسلامية المالية، وأُسس التعامل مع الجماعات غير الإسلامية، ومبادئ الجهاد والدفاع وبرامجها، وتعاليم في الوحدة الإسلامية التي تعتبر أقوى دعامة للحكومة الإسلامية، وكذا غيرها من السور والآيات القرآنية فهي مشحونة بالتعاليم والبرامج اللازمة للحكومة والدولة.
وهذا يكشف عن أنّ النبيّـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان أوّل مؤسس للحكومة الإسلامية في المدينة المنورة بعد أن مهّد لها في مكة.
إنّ من سبر الأحكام الإسلامية من العبادات إلى المعاملات إلى الإيقاعات والسياسات، يقف على أنّها بطبعها تقتضي إقامة حكومة عادلة واعية لإجراء كلّ
(432)
ما جاء به النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وانّه لولاها لأصبحت تلك القوانين حبراً على ورق من دون أن تظهر في المجتمع آثارها، فانّ الإسلام ليس مجرّد أدعية خاوية أو طقوس ومراسيم فردية يقوم بها كلّ فرد في بيئته ومعبده، بل هو نظام سياسي ومالي وحقوقي واجتماعي واقتصادي واسع وشامل، وما ورد في هذه المجالات من قوانين أو أحكام، تدلّ بصميم ذاتها على أنّ مشرّعها افترضَ وجودَ حاكم يقوم بتنفيذها ورعايتها، لأنّه ليس من المعقول سنّ مثل هذه القوانين دون وجود قوة مجرية وسلطة تنفيذية تتعهد بإجرائها وتتولّى تطبيقها مع العلم بأنّ سنّ القوانين وحده لا يكفي في تنظيم المجتمعات، وإلى هذا الدليل يشير السيد المرتضى بقوله:
إنّه سبحانه وتعالى يأمرنا بالاستجابة للّه وللرسول إذا دعا لما فيه حياتنا، يقول سبحانه: «يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا استَجيبُوا للّه وَلِلرَّسُولِ إِذا دعاكُمْ لِما يُحييكُمْ».(1)
وفسّرت الآية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا كان الأمر والنهي كما تُوحي هذه الآيات مبدأ للحياة وجب أن يكون للناس إمام يقوم بأمرهم ونهيهم ويقيم فيهم الحدود، ويجاهد فيهم العدو، ويقسم الغنائم، ويفرض الفرائض ويحذِّرهم عمّا فيه مضارهم، ولهذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب بقاء الخلق فوجبا، وإلاّ سقطت الرغبة والرهبة ولم يرتدع أحد، ولفسد التدبير، أو كان ذلك سبباً لهلاك العباد.(2)
نظام الإمامة والخلافة في الإسلام
قد عرفت أنّ الحكومة ضرورة ملحة ولا تحتاج إلى إقامة برهان وقد وردت
1 . الأنفال:24.
2 . المحكم والمتشابه، للسيد المرتضى: 50.
(433)
على لسان الرسول وأئمّة أهل البيتـ عليهم السَّلام ـ إلماعات إلى ذلك نذكر منها ما يلي:
1. قال النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «صنفان من أُمّتي إذا صلحا صلحت أُمّتي، وإذا فسدا فسدت أُمّتي».
قيل: يا رسول اللّه ومن هم؟
قال: «الفقهاء والأُمراء».(1)
فالحديث يعرب عن ضرورة وجود الفقيه والأمير في المجتمع الإسلامي، غير أنّ سعادته رهن كونهما مصلحين لا مفسدين.
2.قال الإمام أمير المؤمنينـ عليه السَّلام ـ لمّا سمع قول الخوارج: لا حكم إلاّ للّه، قال: «كلمة حقّ يراد بها باطل; نعم انّه لا حكم إلاّ للّه ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلاّ للّه، وإنّه لابدّ للناس من أمير برّ أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر، ويبلّغ اللّه فيه الآجل، ويُجمع به الفيء ويُقاتل به العدو وتأمَنُ به السبل، ويُؤخذ به للضعيف من القوي، حتّى يستريح برّ، ويُستراحَ من فاجر».(2)
3. وقال الإمام علي بن موسى الرضاـ عليه السَّلام ـ في حديث طويل حول ضرورة وجود الحكومة في الحياة البشرية: «إنّا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملّة من الملل بقُوا وعاشوا إلاّ بقيّم ورئيس لما لابدّ لهم منه في أمر الدين والدنيا، فلم يجز في حكمه الحكيم أن يترك الخلقَ لما يعلم أنّه لابدّ لهم منه، ولا قوام لهم إلاّ به، فيقاتِلونَ به عدوّهم، ويقسّمون به فيئهم، ويقيمون به جمعتهم وجماعتهم، ويمنعُ ظالمهم من مظلومهم».(3)
1 . تحف العقول:42.
2 . نهج البلاغة، الخطبة40.
3 . علل الشرائع:253.
(434)
ولأجل هذه الأهمية التي تحظى بها الحكومة الإسلامية يتعيّن على علماء الإسلام أن يبذلوا غاية الجهد في توضيح معالمها ومناهجها وخطوطها وخصائصها في جميع العصور والعهود.
(435)
الأمر الثاني
ملامح الحكومة الإسلامية
في الكتاب والسنّة
إنّ الحاكم الإسلامي ـ في منطق القرآن وحسب تشريعهـ ليس مجرّد من يأخذ بزمام الجماعة كيفما كان، ويأمر وينهى بما تشتهيه نفسه، ويحكم على الناس لمجرّد السلطة وشهوة الحكم، بل هو ذو مسؤولية كبيرة وثقيلة.
وبما انّ هذه الرسالة لا تتسع لبيان أكثر ملامح الحكومة الإسلامية نقتصر على بعض ما ورد في الذكر الحكيم من ملامح مقروناً ببعض الروايات، ونحيل التفصيل إلى محاضراتنا.(1)
قال سبحانه: «الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْض أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللّهِ عاقِبَةُ الأُمور».(2)
فالمسؤوليات الملقاة على عاتق الحاكم في الإسلام عبارة عن:
1. إقامة الصلاة وتوثيق عرى المجتمع الإسلامي بربّه الذي فيه كلّ الخير.
1 . انظر كتاب معالم الحكومة الإسلامية:34ـ 47.
2 . الحج:41.
(436)
2. إيتاء الزكاة الذي فيه تنظيم اقتصاده ومعاشه.
3. الأمر بالمعروف وإشاعة الخير والصلاح في المجتمع.
4. النهي عن المنكر ومكافحة كلّ ألوان الفساد والانحراف والظلم والزور.
ومن المعلوم أنّ حكومة كهذه توفر للائقين والصالحين وذوي القابليات والمواهب فرصاً مناسبة لإبراز مواهبهم، وتهيّئ الظروف المساعدة لتنمية استعداداتهم العلمية والفكرية في جميع المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وتدفعها في طريق التقدّم والازدهار.
وقال رسول اللّهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا تصلح الإمامة إلاّ لرجل فيه ثلاث خصال:
وَرَع يحجزه عن معاصي اللّه
وحِلْم يملك به غضبه
وحسن الولاية على من يلي حتّى يكون لهم كالوالد الرحيم».(1)
وقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ـ في ردّ من قال: بئس الشيء الأمارة ـ: «نعم الشيء الأمارة لمن أخذها بحلها وحقّها، وبئس الشيء الأمارة لمن أخذها بغير حقّها وحلها تكون عليه يوم القيامة حسرة وندامة».(2)
مسؤولية الحاكم في النصوص الشرعية
1. إنّ الرسول الأعظم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يتحدث عن مسؤوليته تجاه الأُمّة الإسلامية الّتي يأخذ بزمام حكمها، فيقول: «كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته».
فالأمير الذي على الناس، راع عليهم، وهو مسؤول عنهم.
1 . الكافي:1/407.
2 . كتاب الأموال:10.
(437)
والرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عنهم.
وامرأة الرجل، راعية على بيت زوجها وولدها، وهي مسؤولة عنهم.
«ألا فكلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته».(1)
2. ويمكن لنا أن نستجلي ملامح الحكومة الإسلامية وصفات الحاكم الإسلامي من كلام الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ الذي يرسم لنا ما على الحاكم الإسلامي الأعلى تجاه الشعب وما على الشعب تجاه الحاكم، إذ يقول في وضوح كامل:
«و أعظم ما افترض اللّه من تلك الحقوق; حقُّ الوالي على الرّعيّة وحقُّ الرّعيّة على الوالي، فريضةً فرض اللّه سبحانه، لكلّ على كلّ، فجعلها نظاماً لأُلفتهم، وعزّاً لدينهم، فليست تصلح الرّعيّة إلا بصلاح الولاة، ولا يصلح الولاة إلا باستقامة الرّعيّة.
فإذا أدّت الرّعيّة إلى الوالي حقّه وأدّى الوالي إليها حقّها، عزّ الحقُّ بينهم، وقامت مناهج الدّين، واعتدلت معالم العدل وجرت على أذلالها السُّنن، فصلح بذلك الزّمان، وطمع في بقاء الدّولة ويئست مطامع الأعداء، وإذا غلبت الرّعيّة واليها أو أجحف الوالي برعيّته، اختلفت هنالك الكلمة، وظهرت معالم الجور، وكثر الإدغال في الدّين، وتركت محاجُّ السُّنن، فعمل بالهوى، وعطّلت الأحكام، وكثرت علل النفوس، فلا يستوحش لعظيم حقّ عطّل، ولا لعظيم باطل فعل، فهنالك تذلُّ الأبرار، وتعزُّ الأشرار، وتعظّم تبعات اللّه عند العباد».(2)
ثمّ إنّ الإمام عليّاً ـ عليه السَّلام ـ يصرّح في هذه الخطبة ذاتها بالحقوق المشتركة والمسؤوليات المتقابلة، إذ يقول: «أمّا بعد، فقد جعل اللّه لي عليكم حقّاً بولاية
1 . كتاب الأموال للحافظ أبي عبيد سلاّم بن القاسم المتوفى225هـ، ص 10.
2 . نهج البلاغة: الخطبة216، طبعة عبده.
(438)
أمركم، ولكم عليّ من الحقّ مثل الذي لي عليكم».
ثم يشير الإمام ـ عليه السَّلام ـ في هذه الخطبة إلى واحدة من أنصع القوانين الإسلاميّة; وهو قانون التسوية بين جميع أفراد الأُمّة الإسلاميّة حكّاماً ومحكومين، رؤوساء ومرؤوسين، وزراء ومستوزرين، وبذلك ينسف فكرة: أنا القانون، أو أنا فوق القانون، فيقولـ عليه السَّلام ـ : «... الحقُّ لا يجري لأحد إلاّ جرى عليه، ولا يجري عليه إلاّ جرى له».
وعلى هذا; فلا تمييز ولا تفرقة بين الحاكم والمحكوم بل الجميع أمام القوانين الإسلاميّة المدنيّة والجزائيّة وغيرها سواء، وعلى الحاكم والرئيس أن يؤدّي حقوق الناس كأيّ فرد من أفراد الأُمّة العاديّين، وبذلك يدعم الإمام ما روي عن الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إذ يقول: «النّاس أمام الحقّ سواء».
3. كما يمكن أن نعرف طبيعة الحكومة الإسلامية من خطبة الإمام الحسين الشهيدـ عليه السَّلام ـ بعد نزوله بأرض كربلاء، فقال:
«اللّهم إنّك تعلم أنّه لم يكن ما كان منّا تنافساً في سلطان، ولا التماساً من فضول الحطام، ولكن لنري المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، ويأمن المظلومون من عبادك، ويعمل بفرائضك وسننك وأحكامك».(1)
إنّ من أهمّ الوثائق التي ترسم لنا بوضوح معالم الحكومة الإسلامية; الوثيقة التي كتبها النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ليهود يثرب بعد ما نزل المدينة المنوّرة، وقد رواه: ابن هشام في سيرته(2) ، وأبو عبيد في كتاب «الأموال» (3)، وابن كثير في البداية والنهاية.(4) وهي
1 . بحار الأنوار:100/80ـ 81، الحديث 37.
2 . سيرة ابن هشام:1/501.
3 . الأموال، ص 517، ط مصر .
4 . البداية والنهاية:2/224.
(439)
وثيقة تاريخية مفصّلة، فمن أراد فليرجع إلى محالّه.
فالحاكم الإسلامي في الحقيقة هو الحافظ لمصالح الشعب، وهو كالأب الحنون لعامّة المواطنين حتّى اليهود والنصارى إذا عملوا بشرائط الذمّة، فهو يسمح للمسلمين بأن يعاملوا غيرهم من الطوائف غير المسلمة بالعدل والرفق والشفقة ماداموا لا يتآمرون على المسلمين و لا يسيئون إلى أمنهم، ولا يقاتلونهم، فالإسلام لا يمنع عن البرّ والقسط إليهم، وإنّما يمنع عن الذين ظاهروا على المسلمين وتآمروا ضدهم، ترى كلّ ذلك في الآيتين التاليتين:
يقول سبحانه:«لا يَنْهاكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّين ولَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطين * إِنّما يَنْهاكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذينَ قاتلُوكُمْ فِي الدِّين وأَخرجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهرُوا عَلى إِخرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلّوْهُمْ وَمَنْ يَتَولَّهم فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُون».(1)
ويقول: «يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا لا تَتَّخذُوا بِطانَة مِنْ دُونكُمْ لا يأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِنْ أَفواهِهِمْ وما تُخفِى صُدُورُهُمْ أَكبرُ قَدْ بَيّنّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُون».(2)
ولعلّ النظرة الواحدة إلى تاريخ الحكومات الإسلامية يكشف لنا عفوهم وسماحتهم لكثير من الذمّيين من النصارى واليهود، وقد كانت الأقلّيات بين المسلمين يرجّحون الحياة تحت ظلّ الإسلام على العيش مع الدول الكافرة، نذكر هاهنا وثيقة تاريخية ذكرها البلاذري في هذا المجال. قال:
لمّا جمع هرقل للمسلمين الجموع، وبلغ المسلمين إقبالهم إليهم لوقعة
1 . الممتحنة:8 ـ9.
2 . آل عمران:118.
(440)
اليرموك، ردّوا على أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الخراج، وقالوا: قد شغلنا عن نصرتكم والدفع عنكم فأنتم على أمركم، فقال أهل حمص[ وكانوا مسيحيّين] : لولايتكم وعدلكم أحبّ إلينا ممّا كنّا فيه من الظلم والغشم، ولندفعنّ جند هرقل عن المدينة مع عاملكم، ونهض اليهود فقالوا: والتوراة [أي قسماً بالتوراة] لا يدخل هرقل مدينة حمص إلاّ أن نغلب ونجهد، فأغلقوا الأبواب وحرسوها، وكذلك فعل أهل المدن التي صولحت من النصارى واليهود وقالوا: إن ظهر الروم وأتباعهم على المسلمين صرنا إلى ما كنّا عليه [ من الظلم والحرمان]، وإلاّ فانّا على أمرنا ما بقي للمسلمين عدد.
فلمّا هزم اللّه الكفرة وأظهر المسلمين، فتحوا مدنهم، وأخرجوا المقلّسين(1) فلعبوا وأدّوا الخراج».(2)
إنّ الحاكم الإسلامي، من يشارك شعبه في إفراحه وإتراحه، وفي آلامه وآماله لا أن يعيش في بروج عاجيّة، متنعماً في أحضان اللذة رافلاً في أنواع الشهوات، غير عارف بأحوال من يسوسهم.
يقول الإمام وهو يرسم ملامح الحاكم الإسلامي.
«أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أوأكون أُسوة لهم في جشوبة العيش، فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها، أو المرسلة، شغلها تقممها».(3)
1 . التقليس: استقبال الولاة عند قدومهم بضرب الدّف والغناء وأصناف اللهو، راجع المنجد في اللغة.
2 . البلاذري( م279هـ)، فتوح البلدان، ص 143.
3 . نهج البلاغة، الرسالة رقم45.
(441)
الأمر الثالث
أنظمة الحكم في المجتمعات البشريّة
إنّ لنظم الحكم في العالم ألواناً وأنواعاً نذكر عناوينها باختصار:
1. النظام الملكي.
2. الحكومة الأشرافية.
3. حكومة الأغنياء.
4. النظام الجمهوري.
إلى غير ذلك من الأنظمة المعروفة لدى السياسيّين، غير أنّ المهم لنا في المقام كيفيّة نظام الحكم في الإسلام بعد رحيل الرسول الأكرم، أمّا في زمانه فلا شكّ أنّه الحاكم المبعوث من اللّه سبحانه وليس للناس اختيار في ردّه وقبوله. يقول سبحانه: «وَما كانَ لِمؤمِن وَلا مُؤْمِنَة إِذا قَضى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرةُ مِنْ أَمرِهِمْ».(1)
إنّ البحث عن صيغة الحكومة الإسلامية من أهمّ المباحث لكنّها ـ للأسف ـ قلّت العناية بترسيم شكلها ومعالمها وما يرجع إليها من المباحث.
1 . الأحزاب:36.
(442)
أمّا الشيعة فبما أنّهم كانوا يمثّلون طول العصور جبهة الرفض والمعارضة للحكومات الجائرة لم تسنح لهم الظروف أن يتحدّثوا عن صيغة الحكومة الإسلامية، وأمّا السنّة فقد تبعوا في ترسيمها الوضع السائد على الحكومات بعد رحيلهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وزعمت أنّها حكومات إسلامية شرعية من دون أن ترفع النقاب عن واقع الحكومة الإسلامية، ولأجل ذلك غابت الصورة الحقيقية للحكومة الإسلامية عن أذهان أكثر المسلمين، ومن حاول أن يستجلي كيفية النظام الإسلامي يجب عليه رعاية الأُمور الثلاثة:
أوّلاً: العودة إلى المصادر الأساسية للإسلام، ونعني بها الكتاب والسنّة المطهرة.
ثانياً: أن لا يخلطوا بين ما وقع وجرى على الساحة الإسلامية في مجال الحكم، و بين ما هو مرسوم لنظام الحكم في أصل الشريعة المقدّسة.
ثالثاً: أن لا يخلطوا بين تاريخ المسلمين ونظام الدين، لأنّ ذلك التاريخ لا يكون ممثّلاً واقعياً لكلّ تعاليم الدين، ولا مبرزاً لجميع حقائقه.
إنّ التتبع في الكتاب والسنّة يقضي بأنّ الحكومة في الإسلام تقوم بأحد أمرين، لكلّ واحد ظرفه الخاصّ:
1. التنصيص الإلهي على الحاكم الأعلى باسمه وشخصه. وهذا فيما لو كان هناك نصّ أو نصوص على حاكمية شخص معيّن على الأُمّة كما في النبيّ الأكرمـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ باتّفاق المسلمين، أو الأئمّة المعصومين حسب ما تذهب إليه الشيعة.
ومن المعلوم، أنّه لو كان نصّ لما جاز العدول عنه إلى الطريق الآخر الذي سنشير إليه.
2. التنصيص الإلهي على صفات الحاكم الأعلى، وشروطه، ومواصفاته
(443)
الكليّة فيما إذا لم يكن هناك تنصيص على الشخص، أو كان لكن الظروف تحول دون الوصول إليه والانتفاع بقيادته.
وبما انّ البحث في الرسالة مركّز على بيان صيغة الحكومة بعد رحيل النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لا مطلقاً حتّى يشمل البحث الأحوال الحاضرة، فتتحدد الدراسة ببيان نظام الحكم بعد وفاة الرسول الأكرمـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقط وأمّا ما هي صيغة الحكم في الأحوال الحاضرة فهو رهن كتاب مفرد قمنا ببيانها في محاضراتنا.(1)
1 . لاحظ مفاهيم القرآن، الجزء الثاني تجد فيه بغيتك.
(444)
الأمر الرابع
التنصيص الإلهي على الحاكم
باسمه وشخصه
لا شكّ أنّ النبيّ الأكرمـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان حاكماً منصوباً من جانبه سبحانه ولم يختلف فيه أحد من المسلمين إنّما الاختلاف في صيغة الحكومة الإسلامية، بعد رحيله، فهل هي كانت على غرار حكومة النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأنّ اللّه سبحانه نصب شخصاً أو أشخاصاً معيّنين للحكومة على لسان نبيّه، أو أنّ الحكومة بعدهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على غرار الطريق الثاني، أعني: التنصيص على الصفات والشروط الكليّة اللازمة للحاكم، وحث الأُمّة على تعيين الحاكم من عند أنفسهم حسب تلك الصفات والشروط وعلى ضوء تلكم المواصفات؟
فهناك قولان، ذهبت إلى كلّ واحد طائفة من المسلمين.
إنّ طائفة كبيرة من المسلمين ذهبت إلى أنّ صيغة الحكومة بعد الرسولـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كانت حكومة تنصيصية إلهية على غرار حكومة النبيّـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ واللّه سبحانه نصّ على أسماء من يجب أن يخلفوا نبيّه على لسان نبيّه، وأوجب طاعتهم وحرّم مخالفتهم.
ويمكن استجلاء الحقيقة بالطرق الثلاثة التالية:
1. هل المصالح كانت تقتضي التنصيص على الاسم، أو كانت تقتضي
(445)
التنصيص على الوصف وترك الاختيار للأُمّة؟
2. إنّ الفراغ الذي يحدث برحيل النبيّ الأكرم هل يسدّ بانتخاب الأُمّة، أو لا يسدّ إلاّ بالتنصيص على فرد معيّن؟
3. ما هو المرتكز في أذهان المسلمين في حياة النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبعد رحيله؟
وها نحن نأخذ كلّ واحد من هذه الطرق بالبحث والتحليل.