(446)
1
المصالح العالية
تقتضي التنصيص على الاسم
كانت المصالح بعد رحيل النبي مقتضية لأن ينصب النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ شخصاً مكانه، وكان في ترك الأمر إلى رأي الأُمّة مفسدة، ويعلم ذلك من خلال دراسة أمرين:
أ: الأُمّة الإسلامية والخطر الثلاثي
كانت الأُمّة الإسلامية قُبيل وفاة النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ محصورة بأكبر امبراطوريتين عرفهما تاريخ تلك الفترة. امبراطوريتان كانتا على جانب كبير من القوّة والبأس والقدرة العسكرية المتفوقّة ممّا لم يتوصّل المسلمون إلى أقلّ درجة منها... وتلك الامبراطوريتان هما: الروم وإيران. هذا من الخارج.
وأمّا من الداخل، فقد كان الإسلام والمسلمون يُعانون من جماعة المنافقين الذين كانوا يشكّلون العدوّ الداخلي المبطّن (أو ما يسمى بالطابورالخامس).
كان المنافقون يتربصون بالنبي الدوائر، حتّى أنّهم كادوا له ذات مرّة، وأرادوا أن يجفلوا به بعيره في العقبة عند عودته من حجّة الوداع، وربّما اتّفقوا مع
(447)
اليهود والمشركين لتوجيه الضربات إلى الكيان الإسلامي من الداخل تخلّصاً من هذا الدين الذي هدّد مصالحهم، ولقد كان المنافقون ولا يزالون أشدّ خطراً من أيّ شيء آخر على الإسلام، وذلك لأنّهم كانوا يوجّهون ضرباتهم بصورة ماكرة وخفيّة، وبنحو يخفى على العاديين من الناس.
لقد تصدى الذكر الحكيم لفضح المنافقين والتشهير بجماعتهم وخططهم في أكثر السور القرآنية، مثل البقرة، آلعمران، المائدة، الأنفال، التوبة، العنكبوت، الأحزاب، محمّد، الفتح، المجادلة، الحديد، والحشر.
كما نزلت في حقّهم سورة خاصة باسم المنافقين، ولا يسعنا نقل معشار ما تآمروا به في الفترة المدنية، ويكفي في ذلك قوله سبحانه في حقّهم:«لَقَدِ ابْتَغوا الفِتْنَة مِنْ قَبْلُ وَقلَّبُوا لَكَ الأُمورَ حتّى جاءَ الحَقُّ وظَهرَ أَمرُ اللّهِ وَهُمْ كارِهُون».(1)
ويشير أيضاً إلى تآمرهم ليلاً ونهاراً حيث كانوا يبيّتون خلاف ما يظهرونه ويبدونه أمام النبيّ كما يقول: «وَ يَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذي تَقُولُ».(2)
وكان من المحتمل جدّاً أن يتفق هذا الخطر الثلاثي ـ الناقم على الإسلام ـ على محو الدين وهدم كلّ ما بناه الرسول طوال ثلاثة وعشرين عاماً من الجهود والمتاعب، وتضييع كلّ ما قدّمه المسلمون من تضحيات في سبيل إقامته.
إنّ احتمال قيام المؤامرات واتّحاد قوى الشرك مع الطابور الخامس لم يكن يومذاك غائباً عن ذهنية المشرِف على الأوضاع السياسية فضلاً عن النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ومثل هذا يفرض على القائد العليم أن يدحض جميع تلك المخططات والمؤامرات
1 . التوبة:48.
2 . النساء:81.
(448)
بتنصيب خليفة من بعده عارفاً بالكتاب والسنّة، شُجاعاً مِقْداماً، واعياً بالأوضاع السياسية، حازماً، يمسك بزمام الأُمور ويقود المجتمع الإسلامي إلى ساحل الأمان وهذا بخلاف ما لو ارتحل دون أن يفكر بمستقبل الحكومة الإسلامية والمؤامرات والفتن التي تحدق بها، ويدلي بالأمر إلى الأُمّة كي تنتخب لها قائداً من بعده، فانّ اتخاذ مثل هذا الموقف كان على خلاف مصالح الأُمّة ، وبعيداً عن ذهنية من كان محيطاً بالأوضاع الداخلية لأُمّته والنزاعات الطائفية التي كانت قائمة على قدم وساق والتي ربما كانت تنتهي إلى حروب داخلية تجعل الأُمّة عرضة لأطماع الأعداء التوسعية التي يحكي عنها قوله سبحانه: «أَمْ يَقُولُونَ شاعرٌ نَتَربَّصُ بهِ رَيْبَ الْمَنُونِ».(1)
ب: النظام القبلي يمنع من الاتفاق على قائد
لقد كان من أبرز ما يتميز به المجتمع العربي قبل الإسلام، هو النظام القبلي، والتقسيمات العشائرية التي كانت تحتلّ ـ في ذلك المجتمع ـ مكانة كبرى، و تتمتّع بأهميّة عظيمة.
فلقد كان شعب الجزيرة العربية،غارقاً في هذا النظام الذي كان سائداً في كلّ أنحائها.
ولقد كان للقبيلة أكبر الدور في الحياة العربية ـ قبل الإسلام ـ وعلى أساسها كانت تدور المفاخرات وتنشد القصائد، وتُبنى الأمجاد، كما كانت هي منشأ أكثر الحروب وأغلب المنازعات التي ربما كانت تستمرّ قرناً أو أزيد، كما حدث بين الأوس والخزرج، أكبر قبيلتين عربيّتين في يثرب(المدينة) كلّفهم مئات القتلى قبل
1 . الطور:30 .
(449)
دخول النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ المدينة.
ورغم ما أوجد النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في ضوء التعاليم الإسلامية من تحولات عظيمة في حياة العرب إلاّ أنّ أكثرها كانت تتعلّق بقضايا عقائدية ومسائل أخلاقية، لا بالحياة القبلية، ولم يكن من الممكن أن ينقلب النظام القبلي العربي في خلال ثلاث وعشرين عاماً ويتبدل كلّيّاً. بل كان التعصب للقبيلة ولشيخها هو المظهر الأتم للحياة القبلية.
وعلى ضوء ذلك فهل يجوز في منطق العقل أن يترك القائدـ كالنبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ـ أُمّته المفطورة على التعصبات القبلية والاختلافات العرفيّة دون أن يعين مصير الخلافة بتنصيب خليفة من بعده، و في تعيينه قطع لدابر الاختلاف والفرقة، وسدّ لأفواه الطامعين بالخلافة؟!
وأوضح دليل على التعصبات القبلية في الشؤون الاجتماعية ولا سيما في الخلافة العامة، هو الخلاف والتشاجر الذي ظهر في السقيفة حيث سارعت كلّ قبيلة إلى ترشيح زعيمها للخلافة متجاهلة كلّ المبادئ والتعاليم الإسلامية، فهذا هو الناطق بلسان الأنصار يرفع عقيرته في السقيفة ويقول:
نحن أنصار اللّه وكتيبة الإسلام وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منّا وقد دفّت دافّة من قومكم(1)إذ هم يريدون أن يجتازون(2) ويغصبونا الأمر.
وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على رسوخ التعصبات القبلية في نفوسهم.
أفيصحّ لقائد محنك كالنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يترك الأمر لقوم هذا مبلغ تفكيرهم وتغلغلهم في العصبية القبلية متجاهلة كل المعايير الإسلاميّة في الحاكم
1 . جاء جماعة ببطء .
2 . أي يدفعوننا من أصلنا .
(450)
الإسلامي.
وهذا هو أحد المهاجرين الحاضرين في السقيفة يتعصّب لقريش ويقول:
«...لن تعرف العرب هذا الأمر (أي الزعامة) إلاّ لهذا الحيّ من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً...».
ومن قرأ تاريخ السقيفة والمناقشات الدائرة بين الحاضرين (الأوس والخزرج وجمع من المهاجرين ) يلاحظ كيف تأجّجت نار العصبية بين هؤلاء بحيث أخذ كلّ يتعصّب لقبيلته دون أن ينظر إلى مصالح الإسلام والمسلمين.
إلى هنا تبين انّ المصلحة كانت تكمن في التنصيب للخلافة دون الإدلاء بها إلى الأُمّة، وقد أوضحنا حالها من خلال دراسة أمرين:
1. الخطر الثلاثي المُحدِق بالإسلام والمسلمين.
2. التعصبات القبلية التي تحول دون الاتّفاق على شيء و تؤجّج نار الطائفية بين المسلمين.
ونبحث الآن في العامل الثاني الذي يدعم نظرية التنصيب من جانب النبيّ بوحي من اللّه.
(451)
2
الفراغات الهائلة
لا تسدّ إلاّ بالتنصيص
إنّ النبيّ الأكرمـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، كان يملأ فراغاً كبيراً وعظيماً في حياة الأُمّة الإسلامية، ولم تكن مسؤولياته وأعماله مقتصرة على تلقّي الوحي الإلهي، وتبليغه إلى الناس فحسب، بل كان يقوم بالأُمور التالية:
1. يُفسِّر الكتاب العزيز، ويشرح مقاصده وأهدافه، ويكشف رموزه وأسراره.
2. يُبيِّن أحكام الموضوعات التي كانت تَحْدُثُ في زمن دعوته.
3. يَرُدّ على الحملات التشكيكية، والتساؤلات العويصة المريبة التي كان يثيرها أعداء الإسلام من يهود ونصارى.
4. يصون الدين من التحريف والدسّ، ويراقب ما أخذه عنه المسلمون من أُصول وفروع، حتّى لا تَزِلّ فيه أقدامهم.
وهذه الأُمور الأربعة كان النبي يمارسها ويملأ بشخصيته الرسالية ثغراتها. ولأجل جلاء الموقف نوضح كلّ واحد من هذه الأُمور.
(452)
أمّا الأمر الأوّل: فيكفي فيه قوله سبحانه: «وَأَنْزَلْنا إِلَيكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلناسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ»(1) فقد وصف النبي في هذه الآية بأنّه مبيّن لما في الكتاب، لا مجرّد تال له فقط.
وقوله سبحانه: «لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرآنَهُ * فَإِذا قَرأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ»(2)فكان النبي يتولى بيان مُجْمَلِهِ و مُطْلَقِهِ ومُقَيَّده، بقدر ما تتطلبه ظروفه.
والقرآن الكريم ليس كتاباً عادياً، على نسق واحد، حتّى يستغني عن بيان النبي، بل فيه المُحكَم والمتشابه، والعام والخاص، والمطلَق والمقيَّد، والمنسوخ والناسخ، يقول الإمام عليـ عليه السَّلام ـ : «وخلّف (النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ) فيكم ما خلّفت الأنبياء في أُممها: كتاب ربّكم فيكم، مبيّناً حلالَه وحرامه، وفرائضه وفضائله، وناسخه ومنسوخه، ورُخَصَه وعزائمه، وخاصّه وعامّه، وعِبره وأمثاله، ومُرسله ومَحْدُدَهُ،ومحكمه ومتشابهه، مفسّراً مجمله، ومبيِّناً غوامضه».(3)
وأمّا الأمر الثاني: فهو غنيٌ عن التوضيح، فإنّ الأحكام الشرعية وصلت إلى الأُمّة عن طريق النبي، سواء أكانت من جانب الكتاب أو من طريق السنّة.
وأمّا الأمر الثالث: فبيانه أنّ الإسلام قد تعرض، منذ ظهوره، لأعنف الحملات التشكيكية، وكانت تتناول توحيده ورسالته وإمكان المعاد، وحشر الإنسان، وغير ذلك. وهذا هو النبي الأكرم، عندما قدم عليه جماعة من كبار النصارى لمناظرته، استدلّوا لاعتقادهم بنبوة المسيح، بتولده من غير أب، فأجاب
1 . النحل:44.
2 . القيامة:16ـ19.
3 . نهج البلاغة، الخطبة1.
(453)
النبي بوحي من اللّه سبحانه، بأنّ أمر المسيح ليس أغرب من أمر آدم حيث ولد من غير أب ولا أُمّ قال سبحانه: «إِنَّ مَثَلَ عيسى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُراب ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ».(1)
وأنت إذا سبرت تفاسير القرآن الكريم، تقف على أنّ قسماً من الآيات نزلت في الإجابة عن التشكيكات المتوجهة إلى الإسلام من جانب أعدائه من مشركين ويهود و نصارى وقد وردت حول المعاد جملة كثيرة من الشبهات التي كانوا يعترضون بها على عقيدة المعاد، وأجاب القرآن عنها.
وأمّا الأمر الرابع: فواضح لمن لاحظ سيرة النبي الأكرم، فقد كان هو القول الفصل وفصل الخطاب، إليه يفيء الغالي، ويلحق التالي، فلم يُرَ أبّان حياته مذهب في الأُصول والعقائد، ولا في التفسير والأحكام. وكان ـ بقيادته الحكيمة ـ يرفع الخصومات والاختلافات، سواء فيما يرجع إلى السياسة أو غيرها.(2)
هذه هي الأُمور التي مارسها النبي الأكرم أيّام حياته، ومن المعلوم أنّ رحلته وغيابه صلوات اللّه عليه، يخلّف فراغاً هائلاً ومفزعاً في هذه المجالات الأربعة، فيكون التشريع الإسلامي حينئذ أمام أُمور ثلاثة:
الأوّل: أن لا يبدي الشارع اهتماماً بسدّ هذه الفراغات الهائلة التي ستحدث بعد الرسول، ورأى تركَ الأُمور لتجري على عَواهنها.
1 . آل عمران:59. ولاحظ سورة الزخرف:57ـ61.
2 . يكفي في ذلك ملاحظة غزوة الحديبية، وكيف تغلّب بقيادته الحكيمة على الاختلاف الناجم، من عقد الصلح مع المشركين وما نجم في غزوة بني المصطلق من تمزيق وحدة الكلمة ، أو ما ورد في حجّة الوداع، حيث أمر من لم يَسُق هدياً. بالإحلال، ونجم الخلاف من بعض أصحابه، فحسمه بفصله القاطع.
(454)
الثاني : أن تكون الأُمّة، قد بلغت بفضل جهود صاحب الدعوة في إعدادها، حدّاً تقدر معه بنفسها على سدّ ذلك الفراغ.
الثالث: أن يستودع صاحب الدعوة، كلّ ما تلقاه من المعارف والأحكام بالوحي، وكلّ ما ستحتاج إليه الأُمّة بعده، يستودعه شخصية مثالية، لها كفاءة تَقَبُّلِ هذه المعارف والأحكام وتحمُّلها، فتقوم هي بسد هذا الفراغ بعد رحلته صلوات اللّه عليه.
أمّا الاحتمال الأوّل: فساقط جداً، لا يحتاج إلى البحث، فإنّه لا ينسجم مع غرض البعثة، فإنّ في ترك سدّ هذه الفراغات ضياعاً للدين والشريعة، وبالتالي قطع الطريق أمام رُقيّ الأُمّة وتكاملها فيبقى أمامنا احتمالان ندرسهما تالياً.
دراسة الاحتمال الثاني
أن تكون الأُمّة قد بلغت بفضل جهود صاحب الدعوة في إعدادها حدّاً تقدر معه بنفسها على سدِّ ذلك الفراغ. غير أنّ التاريخ والمحاسبات الاجتماعية يبطلان هذا الاحتمال ويثبتان انّه لم يقدّر للأُمّة بلوغ تلك الذروة لتقوم بسدّ هذه الثغرات التي خلّفها غياب النبيّ الأكرم، لا في جانب التفسير ولا في جانب الأحكام، ولا في جانب ردّ التشكيكات ودفع الشبهات، ولا في جانب صيانة الدين عن الانحراف.
أمّا في جانب التفسير، فيكفي وجود الاختلاف الفاحش في تفسير آيات الذكر الحكيم حتى فيما يرجع إلى أعمال المسلمين اليومية كما هو الحال في تفسير آية الوضوء.
(455)
وأمّا في مجال الأحكام، فيكفي في ذلك الوقوف على أنّ بيان الأحكام الدينيّة حصل تدريجاً على ما تقتضيه الحوادث والحاجات الاجتماعية في عهد الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ومن المعلوم انّ هذا النمط كان مستمرّاً بعد الرسول، غير انّ ما ورثه المسلمون منه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يكن كافياً للإجابة عن ذلك، أمّا الآيات القرآنية في مجال الأحكام فهي لا تتجاوز ثلاثمائة آية، وأمّا الأحاديث في هذا المجال، فالذي ورثته الأُمّة لا يتجاوز خمسمائة حديث، وهذا القدر لا يفي بالإجابة عن جميع الموضوعات المستجدّة.
ولا نعني من ذلك انّ الشريعة الإسلامية ناقصة في إيفاء أغراضها التشريعية وشمول المواضيع المستجدّة، بل المقصود انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان يراعي في إبلاغ الحكم حاجة الناس ومقتضيات الظروف الزمنية، فلابدّ في إيفاء غرض التشريع على وجه يشمل المواضيع المستجدة والمسائل المستحدثة أن يستودع أحكام الشريعة من يخلفه ويقوم مقامه.
وأمّا في مجال ردّ الشبهات والتشكيكات وإجابة التساؤلات، فقد حصل فراغ هائل بعد رحلة النبيّ من هذه الناحية، فجاءت اليهود والنصارى تترى، يطرحون الأسئلة، حول أُصول الإسلام وفروعه، ولم يكن في وسع الخلفاء آنذاك الإجابة الصحيحة عنها، كما يشهد بذلك التاريخ الموجود بأيدينا.
وأمّا في جانب صيانة المسلمين عن التفرقة، والدّين عن الانحراف، فقد كانت الأُمّة الإسلامية في أشدّ الحاجة إلى من يصون دينها عن التحريف وأبناءها عن الاختلاف، فإنّ التاريخ يشهد على دخول جماعات عديدة من أحبار اليهود ورهبان النصارى و مؤبدي المجوس بين المسلمين، فراحوا يدسّون الأحاديث الإسرائيلية والأساطير النصرانية والخرافات المجوسية بينهم، ويكفي في ذلك أن
(456)
يذكر الإنسان ما كابده البخاري من مشاقّ وأسفار في مختلف أقطار الدولة الإسلامية، وما رواه بعد ذلك، فإنّه ألفى الأحاديث المتداولة بين المحدثين في الأقطار الإسلامية، تربو على ستمائة ألف حديث، لم يصحّ لديه منها أكثر من أربعة آلاف، وكذلك كان شأن سائر الذين جمعوا الأحاديث وكثير من هذه الأحاديث التي صحّت عندهم كانت موضع نقد وتمحيص عند غيرهم.(1)
فهذه المجعولات على لسان الوحي، تقلع الشريعة من رأس، وتقلب الأُصول، وتتلاعب بالأحكام، وتشوّش التاريخ، أو ليس هذا دليلاً على عدم وفاء الأُمّة بصيانة دينها عن الانحراف والتشويش؟!
هذا البحث الضافي يثبت حقيقة ناصعة، وهي عدم تمكّن الأُمّة، مع ما لها من الفضل، من القيام بسدِّ الفراغات الهائلة التي خلّفتها رحلة النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ويبطل بذلك الاحتمال الثاني تجاه التشريع الإسلامي بعد عصر الرسالة. فيتعين الاحتمال الثالث الذي ندرسه تالياً.
دراسة الاحتمال الثالث
أن يستودع صاحب الدعوة، كلّ ما تلقّاه من المعارف والأحكام بالوحي، وكلّ ما ستحتاج إليه الأُمّة بعده، شخصيّة مثالية، لها كفاءة تقبُّل هذه المعارف والأحكام وتحمّلها، فتقوم هي بسدِّ هذا الفراغ بعد رحلتهـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبعد بطلان الاحتمالين الأوّلين لا مناص من تعيُّن هذا الاحتمال، فإنّوجود إنسان مثالي كالنبيّ في المؤهّلات، عارف بالشريعة ومعارف الدين، ضمان لتكامل المجتمع، وخطوة ضرورية في سبيل ارتقائه الروحي والمعنوي، فهل يسوغ للّه سبحانه أن
1 . لاحظ حياة محمد، لمحمّد حسين هيكل، الطبعة الثالثة عشرة:49ـ50.
(457)
يهمل هذا الأمر الضروري في حياة الإنسان الدينية؟
إنّ اللّه سبحانه جهَّز الإنسان بأجهزة ضرورية فيما يحتاج إليها في حياته الدنيوية المادية، ومع ذلك كيف يعقل إهمال هذا العنصر الرئيسي في حياته المعنوية والدينية؟!
يقول المفكّر الإسلامي الكبير ابن سينا:
إنّه تعالى قد زوّده بإنبات الشعر على أشفار عينيه وحاجبيه وتقعير الأخمص من القدمين لكي تكون حياته لذيذة غير متعبة، فهل تكون حاجته إلى هذه الأُمور أشد من حاجته إلى الإمام المنصوب من اللّه الذي يضمن كماله بعلمه وتقواه، وقيادته الحكيمة. (1)
ومن الواضح انّ التعرف على هذا الشخص الذي توفرت فيه مؤهلات غيبية لا يحصل إلاّ عن طريق تنصيبه من قبل النبي بأمر من اللّه سبحانه، وهذا ما يدعم نظرية التنصيب مكان انتخاب الأُمّة .
1 . كتاب النجاة، ص 304.
(458)
3
ما هو مرتكز الصحابة
في صيغة الحكومة؟
لقد دلّت المحاسبات العقلية والاجتماعية السابقة على لزوم تنصيب الإمام من جانب اللّه تعالى، وأثبتت أن إدلاء الأمر إلى نظر الأُمّة وانتخابها وتعيينها خطأ فاضح، يأباه العقل وترفضه المصالح العامة وتعارضه المحاسبات الاجتماعية.
وهناك جانب آخر يسلط الضوء على نظرية الإمامة وهو تصور النبي وأصحابه للإمامة والخلافة.
أمّا الأوّل فالقرائن والشواهد تؤكد على أنّ مسألة الإمامة كانت عندهم تنصيبية وفيما ننقل من الشاهدين تصريح بذلك:
1. لما عرض الرسولـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نفسه على بني عامر الذين جاءوا إلى مكة في موسم الحجّ ودعاهم إلى الإسلام، قال له كبيرهم؟ أرأيت إن بايعناك على أمرك ثمّ أظهرك اللّه على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟
فقال النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«الأمر إلى اللّه يضعه حيث يشاء».(1)
1 . السيرة النبوية لابن هشام:2/424ـ 425.
(459)
2. لما بعث النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ سليط بن عمرو العامري إلى ملك اليمامة الذي كان نصرانياً، يدعوه إلى الإسلام وقد كتب معه كتاباً، فقدم على هوذة، فأنزله وحباه وكتب إلى النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول فيه: ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، وأنا شاعر قومي وخطيبهم، والعرب تهاب مكاني فاجعل لي بعض الأمر أتّبعك.
فقدم سليط على النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأخبره بما قال هوذة، وقرأ كتابه، فقال النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لو سألني سيابة من الأرض ما فعلت. باد وباد ما في يده».(1)
إنّ هذين النموذجين التاريخيين للّذين لم تمسّهما أيدي التحريف والتغيير يدلاّن خصوصاً الأوّل بوضوح كامل على تصور النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن مسألة الخلافة والقيادة من بعده، فهما يدلاّن على أنّ هذه المسألة كانت إذا طرحت على النبي، وسئل عمّن سيخلفه في أمر قيادة الأُمّة كان يتجنب إرجاعها إلى نفسه أو إلى نظر الأُمّة، بل يرجع أمرها إلى اللّه تعالى، أو يتوقّف في إبداء النظر فيه على الأقل.
وأمّا تصوّر الصحابة لمسألة الخلافة والمرتكز في أذهانهم فقد كان يدور حول التنصيب، أي سدّ الفراغ بتنصيب إمام سابق على إمامة إمام لاحق، وما كان يدور في خلدهم، انتخاب الشعب، أو أهل الحلّ والعقد من الأُمّة، وإليك شواهد على ذلك.
ما هو المرتكز في أذهان الصحابة؟
إنّ المتتبع في تاريخ الصحابة والخلفاء والذين تعاقبوا على مسند الخلافة بعد النبي، يرى بوضوح انّ الطريقة التي اتّبعها أُولئك الصحابة، والخلفاء كانت هي الطريقة الانتصابية ـ وإن كان الانتصاب من جانب شخص لا من اللّه
1 . طبقات ابن سعد الكبرى:1/262.
(460)
سبحانه ـ لا الانتخابية الشعبية.
فالخليفة السابق كان يعين الخليفة اللاحق، إمّا مباشرة أو بتعيين أشخاص يتولون تعيين الخليفة والاتفاق عليه، ولم يترك أحد أُولئك أمر القيادة إلى نظر الأُمّة وإرادتها واختيارها، أو يتكل على آراء المهاجرين والأنصار، أو أهل الحلّ والعقد ليختاروا مَن يشاءون للخلافة والامرة.
فمن يلاحظ تاريخ الصدر الأوّل يرى انّ خلافة عمر ابن الخطاب تمت بتعيين من أبي بكر.
1. روى ابن الأثير في كامله أنّ أبا بكر أملى على عثمان عهده، ولكنّه غشي عليه أثناء الإملاء، فأكمله عثمان وكتب فيه استخلاف عمر من عند نفسه، ثمّ إنّه لما أفاق أبو بكر من غشيته، وافق على ما كتبه عثمان، وإليك نصّ ما كتبه ابن الأثير:
إنّ أبا بكر أحضر عثمان بن عفان ليكتب عهده إلى عمر فقال له: اكتب بسم اللّه الرّحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين، أمّا بعد... ثمّ أُغمي عليه... فكتب عثمان أمّا بعد: فانّي قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم ألكم خيراً.
ثمّ أفاق أبو بكر فقال: اقرأ عليّ، فقرأ عليه، فكبّر أبو بكر، وقال: أراك خفت أن يختلف الناس ان متُّ في غشيتي.
قال عثمان: نعم.
قال: جزاك اللّه خيراً عن الإسلام وأهله.
فلما كتب العهد أمر به أن يقرأ على الناس فجمعهم، وأرسل الكتاب مع مولى له ومعه عمر، و كان عمر يقول للناس: انصتوا واسمعوا لخليفة رسول اللّه
(461)
انّه لم يألكم نصحاً.
فسكت الناس فلما قرأ عليهم الكتاب سمعوا له وأطاعوا.(1)
وأمّا استخلاف عثمان فقد ذكره المؤرخون ونقتصر على نصّ ابن الأثير في كامله، قال:
2. انّ عمر بن الخطاب لما طعن قيل له: يا أمير المؤمنين لو استخلفت؟ فقال: مَنْ استخلف؟ لو كان أبو عبيدة حياً لاستخلفته، ولو كان سالم مولى حذيفة حياً لاستخلفته.
فقال رجل: أدلك عليه عبد اللّه بن عمر، فقال عمر: قاتلك اللّه كيف استخلف من عجز عن طلاق امرأته... إلى أن قال:
عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ انّهم من أهل الجنة، وهم: علي وعثمان وعبد الرحمن و سعد والزبير بن العوام وطلحة بن عبد اللّه. فلما أصبح عمر دعا علياً وعثمان وسعداً وعبد الرحمن والزبير، فقال لهم:
إنّي نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم، ولا يكون هذا الأمر إلاّ فيكم، وقد قبض رسول اللّه وهو عنكم راض، وانّي لا أخاف الناس عليكم إن استقمتم، ولكنّي أخافكم فيما بينكم فيختلف الناس، فانهضوا إلى حجرة عائشة بإذنها فتشاوروا فيها، واختاروا رجلاً منكم ، فإذا مت فتشاوروا ثلاثة أيّام، وليصلّ بالناس صهيب، ولا يأتي اليوم الرابع إلاّ وعليكم أمير.
فاجتمع هؤلاء الرهط في بيت حتّى يختاروا رجلاً منهم.
قال لصهيب: صلّ بالناس ثلاثة أيام وأدخل هؤلاء الرهط بيتاً وقم على
1 . الكامل في التاريخ:2/292; طبقات ابن سعد الكبرى:3/200.
(462)
رؤوسهم، فإن اجتمع خمسة وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف، وإن اتّفق أربعة وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما، وإن رضي ثلاثة رجلاً وثلاثة رجلاً، فحكّموا عبد اللّه بن عمر; فإن لم يرضوا بحكم عبد اللّه بن عمر، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع فيه الناس.(1)
وعلى هذه السيرة جرى أصحاب السياسة بعد حياة الرسول ولم يكن عندهم أيّ رؤى في تعيين الخليفة لا بالشورى ولا ببيعة أهل الحل والعقد، بل كان التنصيص عندهم هو الطريق الوحيد، لكن لا من اللّه سبحانه بل من جانب الخليفة الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة.
3. روى المؤرخون انّه لما اغتيل عمر بن الخطاب وأحسّ بالموت، أرسل ابنه عبد اللّه إلى عائشة واستأذن منها أن يدفن في بيتها مع رسول اللّه ومع أبي بكر، فأتاها عبد اللّه، فأعلمها، فقالت: نعم وكرامة، ثمّ قالت: يا بُني، أبلغ عمر سلامي وقل له، لا تدع أُمّة محمد بلا راع، استخلف عليهم، ولا تدعهم بعدك هملا، فانّي أخشى عليهم الفتنة، فأتاه فأعلمه.(2)
4. انّ عبد اللّه بن عمر دخل على أبيه قبيل وفاته فقال: إنّي سمعت الناس يقولون مقالة، فآليت أن أقولها لك، وزعموا انّك غير مستخلف وانّه لو كان لك راعي إبل أو غنم ثمّ جاءك وتركها لرأيت ان قد ضيّع فرعاية الناس أشد.(3)
5. قدم معاوية المدينة لأخذ البيعة من أهلها لابنه يزيد، فاجتمع مع عدّة من الصحابة، وأرسل إلى عبد اللّه بن عمر فأتاه وخلا به، وكلمه بكلام، وقال: انّي كرهت أن أدع أُمّة محمد بعدي كالضأن لا راعي لها.(4)
1 . الكامل في التاريخ:3/35.
2 . الإمامة والسياسة:1/32.
3 . حلية الأولياء:1/44.
4 . الإمامة والسياسة:1/168.
(463)
الآن حصحص الحق
إنّ هذا البحث الضافي المقرون بالشواهد والدلائل التاريخية يثبت بوضوح انّ نظام الحكم بعد رحيل النبي كان قائماً على التنصيب من اللّه سبحانه كتنصيبه للنبي، وتشهد على ذلك الأُمور المتقدّمة التي نأتي بخلاصتها ليستنتج منها النتيجة المبتغاة، وإليك إعادة الدلائل إجمالاً:
1. انّ الدولة الإسلامية الفتية كانت محاطة بعد وفاة النبي بأعداء في الداخل والخارج، فمقتضى المصلحة العامة في تلك الظروف الحرجة تعيين الإمام لئلاّ تُترك الدولة بعد وفاة الرسولـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عرضة للاختلاف وبالتالي تمكن أعداءها منها.
2. انّ حياة العرب في عاصمة الإسلام وخارجها كانت حياة قبلية والتعصبات العشائرية لا تزال راسخة في نفوسهم، وترك أمر الخلافة إلى مجتمع هذا حاله يؤدّي إلى التشاغل والاختلاف وبالتالي إلى القتل والدمار.
3. انّ الفراغات الهائلة الطارئة بعد رحيل النبي على ما تقدم لا يسد إلاّ بتنصيب من يكون له مؤهلات علمية ونفسية يقوم بوظائف النبي في تلك المجالات دون أن يكون نبياً أو رسولاً والذي يتمتع بهذه المؤهلات يجب أن يكون خاضعاً لرعاية إلهية ولا يعرّف إلاّ من جانبه.
4. انّ تصور النبي للخلافة الإسلامية هو إيكالها إلى اللّه سبحانه.
5. كما أنّ تصور الصحابة وسيرتهم في الخلافة هي سيرة التنصيب وكانوا يحتجون بأنّ في تركه تعريضاً للأُمّة للهلاك والدمار وفريسة للذئاب والأعداء.
وهل يمكن أن يلتفت الخلفاء وأُمّ المؤمنين إلى ضرورة التنصيب صيانة للأُمّة
(464)
عن وقوعها فريسة للأعداء ولا يلتفت إليه النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الذي أُوتي من العلم ما أُوتي، ويقول سبحانه في حقّه: «وَكانَ فَضْلُ اللّه عَلَيْك عَظيماً».(1)
كلّ ذلك يعرب عن أنّ القائد الحكيم بأمر من اللّه سبحانه سلك مسلكاً ونهج منهجاً يطابق هذه الأُصول والمقدمات وما خالفها وعيّن القائد بعده في حياته وأعلنه للأُمّة في موسم أو مواسم.
هذا ما أوصلنا إليه السبر والتقسيم والمحاسبة في الأُمور الاجتماعية والسياسية فيجب علينا عندئذ الرجوع إلى الكتاب والسنّة لنقف ونتعرف على ذلك القائد المنصوب، ونذعن بأنّ عمل النبيّ كان مرافقاً لهذه الأُصول العقلائية التي تقدّمت. وهذا ما سيوافيك بعد دراسة نظرية مبدئية الشورى للحكم.
1 . النساء:113.
(465)
الأمر الخامس
هل الشورى أساس الحكم والخلافة؟
ربما يتصوّر بعض الكتاب الجدد انّ نظام الحكم في الإسلام هو الشورى، وقد حاول غير واحد من المعاصرين صبّ صيغة الحكومة الإسلامية على أساس المشورة بجعله بمنزلة الاستفتاء الشعبي بملاحظة انّه لم يكن من الممكن بعد وفاة النبي مراجعة كلّ الأفكار لقلّة وسائل المواصلات فاكتفوا بالشورى، واستدلّوا عليه بآيتين كريمتين:
1.«وَشاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللّه».(1)
2. «والَّذينَ استَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاة وَأَمرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُون».(2)
هذه النظرية وإن كانت لها روعة خاصة خصوصاً وانّها تتجاوب مع روح العصر لكن الواقع على خلافها لما عرفت من أنّ عمر بن الخطاب أخذ بزمام الحكم بتعيين الخليفة الأوّل، وانّ الثالث استتب له الأمر بشورى سداسية عيّنها نفس الخليفة، حتّى أنّ الخليفة الأوّل أخذ زمام الحكم ببيعة نفرات قليلة، وهم:
1 . آل عمران:159.
2 . الشورى:38.
(466)
عمر بن الخطاب و أبو عبيدة، من المهاجرين وبشر بن سعد، من الخزرج، وأسيد بن حضير من الأنصار، وأمّا الباقون من رجال الأوس لم يبايعوا أبا بكر إلاّ تبعاً لرئيسهم«سعد بن حضير»، كما أنّ الخزرجيين رغم حضورهم في السقيفة، امتنعوا من البيعة لأبي بكر.(1)
وقد غاب عن المجلس كبار الصحابة كالإمام عليـ عليه السَّلام ـ والمقداد، وأبي ذر، وحذيفة بن اليمان، وأبي بن كعب، وطلحة، والزبير وعشرات آخرين من الصحابة. دون أن يكون هناك شورى وإنّما وقعت الأُمّة أمام عمل مفروغ عنه.
وأحسن كلمة تعبر عن خلافة أبي بكر ما ذكره عمر ابن الخطاب بقوله: ...إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وانّها قد كانت كذلك ولكن اللّه وقى شرها، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه، تغرّة ان يقتلا.(2)
نقد كون الشورى مبدأ الحكم
إنّ هنا أُموراً تثبت بوضوح على أنّ الشورى لم يكن مبدأً لنظام الحكم بعد رحيل الرسول، وإليك الإشارة إليها.
1. لو كان أساس الحكم هو الشورى، لوجب على الرسولـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ التصريح به أوّلاً، و بيان حدوده وخصوصياته ثانياً، بأن يبين من هم الذين يشاركون في الشورى، هل هم القراء وحدهم، أو السياسيون أو القادة العسكريون أو الجميع؟ وما هي شرائط المنتخب؟ وأنّه لو حصل هناك اختلاف في الشورى فما هو
1 . راجع تاريخ الطبري:2/445.
2 . صحيح البخاري:8/169، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.
(467)
المرجح؟ هل هو كمية الآراء وكثرتها، أو الرجحان بالكيفية، وخصوصيات المرشحين وملكاتهم النفسية والمعنوية؟
فهل يصحّ سكوت النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على الاجابة عن هذه الأسئلة التي تتصل بجوهر مسألة الشورى، وقد جعل الشورى طريقاً إلى تعيين الحاكم؟
2. انّ القوم يعبّرون عن أعضاء الشورى بأهل الحل والعقد، ولا يفسرونه بما يرفع إبهامه، فمن هم أهل الحل والعقد؟ وماذا يحلون وماذا يعقدون؟ أهم أصحاب الفقه والرأي الذين يرجع إليهم الناس في أحكام دينهم؟ وهل يشترط حينئذ درجة معينة من الفقه والعلم؟ وما هي تلك الدرجة؟ وبأي ميزان توزن؟ ومن إليه يرجع الأمر في تقديرها؟ أم غيرهم، فمن هم؟
وربما تجد من يبدل كلمة أهل الحلّ والعقد بـ«الأفراد المسؤولين» وما هو إلاّ وضع كلمة مجملة مكان كلمة مثلها.
3. وعلى فرض كون الشورى أساس الحكم، فهل يكون انتخاب أعضاء الشورى ملزماً للأُمّة، ليس لهم التخلّف عنه؟ أو يكون بمنزلة الترشيح حتّى تعطي الأُمّة رأيها فيه؟ وما هو دليل كلّ منهما؟
هذه الأسئلة كلّها، لا تجد لها جواباً في الكتاب والسنّة ولا في كتب المتكلّمين، ولو كانت مبدأً للحكم لما كان السكوت عنها سائغاً، بل لكان على عاتق التشريع الإسلامي الإجابة عنها وإضاءة طرقها.
4. انّ الحكومة الإسلامية دعامة الدين وأساس نشر العدل والقسط في المجتمع ودعوة الناس من الإديان كافة إلى الإسلام إلى مالها من الفوائد العظيمة التي لا تدرك ولا توصف بالبيان.
فلو كانت صيغة الحكومة هي التنصيب فقد أدى التشريع الإسلامي
(468)
وظيفته وجاز له السكوت عن البحث حول الحكومة وصيغتها وسائر الأُمور الراجعة إليها، وأمّا لو كانت صيغة الحكومة من الشورى أو البيعة فلماذا لم يرد في الكتاب والسنّة التصريح بذلك الأمر وبيان شرائط الشورى من المنتخِب والمنتخَب .
انّا نرى أنّه روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حول القدر نحو 250 رواية، وحول آداب التخلي ما لا يحصى، وهكذا في أكثر الأُمور العادية النازلة مرتبة ومكانة، فهل من المعقول سكوت التشريع الإسلامي عن أمر بالغ الأهمية والخطورة وإسهاب الكلام في أُمور عادية؟!
وأمّا الاستدلال بالآيتين الكريمتين فلا يصحّ تماماً في المقام.
أمّا الآية الأُولى أوّلاً: قوله سبحانه: «وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّل عَلى اللّه»(1) فالخطاب فيها متوجه إلى الحاكم الذي استقرت حكومته، فيأمره سبحانه أن ينتفع من آراء رعيته فأقصى ما يمكن التجاوز به عن الآية، هو انّ من وظائف كلّ الحكام التشاور مع الأُمّة، وأمّا انّ الخلافة بنفس الشورى، فلا يمكن الاستدلال عليه بهذه الآية.
وثانياً: انّ المتبادر من الآية هو أنّ التشاور لا يوجب حكماً للحاكم، ولا يلزمه بشيء، بل هو يقلب وجوه الرأي ويستعرض الأفكار المختلفة، ثمّ يأخذ بما هو المفيد في نظره، وذلك لقوله سبحانه في نفس الآية: «فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّل عَلى اللّه»، المعرب عن أنّ العزم والتصميم والاستنتاج من الآراء والأخذ بما هو الأصلح راجع إلى نفس المشير، وهذا يتحقّق في ظرف يكون هناك مسؤول تام الاختيار في استحصال الأفكار والعمل بالنافع منها، حتّى يخاطب بقوله: «فَإِذا عَزَمْتَ»،
1 . آل عمران:159.
(469)
وأمّا إذا لم يكن ثمة رئيس، فلا تنطبق عليه الآية، إذ ليس في انتخاب الخليفة بين المشيرين من يقوم بدعوة الأفراد للمشورة، لغاية استعراض آرائهم، ثمّ تمحيص أفكارهم، والأخذ بالنافع منها، ثمّ العزم القاطع عليه.
وكلّ ذلك يعرب عن أنّ الآية ترجع إلى غير مسألة الحكومة وما شابهها. ولأجل ذلك لم نر أحداً من الحاضرين في السقيفة احتجّ بهذه الآية.
وأمّا الآية الثانية فهي: قوله سبحانه: «وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاة وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ».(1)
فيقرر كيفية دلالتها على كون الشورى مبدأً للحكم بالبيان التالي:
أنّ المصدر (أمْر) أضيف إلى الضمير (هُمْ)، وهو يفيد العموم والشمول لكلّ أمر، ومنه الخلافة، فيعود معنى الآية أنّ شأن المؤمنين في كلّ مورد، شورى بينهم.
يلاحظ عليه: أنّ الآية تأمر بالمشورة في الأُمور المضافة إلى المؤمنين، وأمّا أنّ تعيين الخليفة من الأُمور المضافة إليهم، فهو أوّل الكلام، والتمسّك بالآية في هذا المجال، تمسّك بالحكم في إثبات موضوعه.
وبعبارة أُخرى : إنّ الآية حثّت على الشورى فيما يمتّ إلى شؤون المؤمنين بصلة، لا فيما هو خارج عن حوزة أُمورهم، أمّا كون تعيين الإمام داخلاً في أُمورهم، فهو أوّل الكلام، إذ لا ندري هل هو من شؤونهم أو من شؤون اللّه سبحانه، ولا ندري، هل هي إمرة وولاية إلهية تتم بنصبه سبحانه وتعيينه، أو إمرة وولاية شعبية، ويجوز للناس التدخّل فيها. ومع هذا الترديد لا يصحّ التمسّك بالآية.
1 . الشورى:38.