السبت 29 جمادى الثّانيه 1433 - Sat 19 May 2012  
  • الصفحة الرئيسية
  • RSS
  • إتصل بنا
  • الموقع الفارسي




(103)

الفصل الثالث

نظرية الكسب
في أفعال العباد


(104)


(105)

نظرية
اللّه خالق والعبد كاسب
في الميزان

قد اشتهر بين الأشاعرة ، انّ اللّه سبحانه خالق، والعبد كاسب يريدون بذلك انّ الخلق والايجاد من اللّه سبحانه، والكسب والاكتساب من العبد، والثواب والعقاب، ليس لخلق العقل وايجاده، وإنّما هو لكسب العبد.

ولما كان القول بنظرية الكسب نابعاً من القول بالتوحيد في الخالقية وحصرها في اللّه سبحانه بالمعنى الذي اختاره أهل الحديث، يجب تبيين نظريتهم في هذا الأصل، ثمّ تبيين نظرية الكسب التي تبنّاها الأشعري وغيره لدفع وصمة الجبر عن أفعال العباد، وإيضاح المراحل التي مرّت على النظرية عبْر قرون.

فتبيين الحقّ في عامّة جوانب الموضوع يأتي ضمن فصول:


(106)

1
التوحيد في الخالقية
عند أهل الحديث

إنّ من الأُصول المسلَّمة عند أهل الحديث(1) ـ وتبعهم الإمام الأشعري ـ انّ أفعال العباد مخلوقة للّه سبحانه وليس للإنسان أيُّ دور في إيجاد أفعاله وإنشائها، بل كلّ ما في الكون من الجواهر والأعراض مخلوق للّه سبحانه بالمباشرة، وليس بينه سبحانه و عالم الكون أيّ واسطة في الإيجاد والإفاضة حتّى على نحو الظلِّية والتبعيَّة ولو بإذن اللّه سبحانه.

وبعبارة أُخرى: ليس في صفحة الوجود مؤثّر أصلي وتبعي، ذاتي وظلّي إلاّ اللّه سبحانه، وهو تعالى اسمُه، قائم مكان عامّة العلل التي تتصوّرها الفلاسفة والمتكلّمون ـ وأخصُّ بالذكر علماء الطبيعة ـ عللاً مؤثّرة ولو بإذنه تعالى ولا يشذُّ منه فعل الإنسان فهو مخلوق للّه سبحانه، خلقاً مباشرياً ويعبّر عنه بـ«خلق الأعمال» أو «خلق الأفعال».

قد انتقل الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (260ـ 324هـ)


1 . سيوافيك انّه من الأُصول المسلّمة عند الجميع سوى المعتزلة وإنّما الاختلاف بين الإمامية والأشاعرة في تفسير ذلك الأصل.


(107)

من الاعتزال ـ بعد ما قضى أربعة عقود من عمره فيه ـ إلى منهج أهل السنّة وبالأخص منهج الإمام أحمد ابن حنبل (164ـ 241هـ)، وقد دخل جامع البصرة وارتقى كرسياً ونادى بأعلى صوته: أيّها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا فلان بن فلان; كنت أقول بخلق القرآن، وانّ اللّه لا تراه الأبصار، وانّ أفعال الشر أنا أفعلها; وأنا تائب مقلع، معتقد للرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم ومعايبهم.(1)

ولأجل إيقاف القارئ الكريم على حقيقة التوحيد في الخالقية بالمعنى الذي تبنّاه الإمام أحمد وبعده الإمام الأشعري نأتي ببعض نصوصهم.

1. قال الشيخ الأشعري في الباب الثاني من كتاب«الإبانة» في عقائد أهل الحديث:

إنّه لا خالق إلاّ اللّه، وإنّ أعمال العبد مخلوقة للّه ومقدورة كما قال: «وَاللّهُ خَلَقَكُمْ وَما تعمَلُون»(2) . وانّ العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً وهم يُخْلَقون، كما قال سبحانه: «هَلْ مِنْ خالِق غَيرُ اللّه»(3).(4)

2. وقال في «مقالات الإسلاميّين» عند نقل عقائد أهل الحديث وأهل السنّة: واقرّوا: انّه لا خالق إلاّ اللّه، وانّ سيئات العباد يخلقها اللّه، وانّ أعمال العباد يخلقها اللّه عزّ وجلّ، وانّ العباد لا يقدرون أن يخلقوا منها شيئاً.(5)

3. وقال في «اللمع»: إن قال قائل: لم زعمتم أنّ أكساب العباد مخلوقة للّه تعالى؟ قيل له: قلنا ذلك لأنّ اللّه تعالى قال: «وَاللّه خلَقكُم وما تَعْمَلُون» وقال :


1 . وفيات الأعيان:3/285، فهرست ابن النديم:257.
2 . الصافات:96.
3 . فاطر:3.
4 . الإبانة:20.
5 . مقالات الإسلاميين:1/321.


(108)

«جزاء بِما كانُوا يَعْمَلُون»، فلمّا كان الجزاء واقعاً على أعمالهم كان الخالق لأعمالهم.(1)

وترى لِدَّة هذه العبارات في غير واحد من الرسائل التي أُلّفت لبيان عقيدة أهل الحديث والأشاعرة ـ التي اشتُقَّت من أهل الحديث ـ ننقل منها ما يتعلّق بالمتأخرين منهم.

4. قال السيد الشريف الجرجاني في «شرح المواقف»: إنّ أفعال العباد الاختيارية، واقعة بقدرة اللّه سبحانه وحدها وليس لقدرتهم تأثير فيها، واللّه سبحانه أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختياراً، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارناً لهما، فيكون فعل العبد مخلوقاً للّه إبداعاً وإحداثاً ومكسوباً للعبد، والمراد بكسبه إيّاه، مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن يكون هناك من تأثير ومدْخل في وجوده، سوى كونه محلاً له، وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري.(2)

5. وقال الزبيدي في «إتحاف السادة»: إنّ الإله، هو الذي لا يمانعه شيء، وإنّ نسبة الأشياء إليه على السويّة، وبهذا بطل قول المجوس وكلّ من أثبت مؤثراً غير اللّه من علّة أو طبع أو ملك أو إنس أو جن ، و لذلك لم يتوقف علماء ماوراء النهر في تكفير المعتزلة حيث جعلوا التأثير للإنسان.(3)

وهذا المقدار من النصوص يكفي فيما هو المقصود(وما أبعد بينه و بين ما يمرّ عليك من ابن تيميّة من أنّ أكثر أهل السنّة يعترفون بالعلل الطبيعية) .

وحاصل تلك العقيدة هو إنكار الأسباب والمسبّبات في صحيفة الوجود


1 . اللمع:69.
2 . شرح المواقف:8/146.
3 . إتحاف السادة:2/135.


(109)

عامّة، فليس هنا إلاّ خالق واحد هو اللّه سبحانه وما سواه مخلوق، و ليس بين الخالق وعامّة المخلوقات أيُّ سبب تبعي أو علّة يؤثر بإذنه سبحانه.

وعلى ضوء هذا التفسير: أنكروا العلّيّة والمعلولية والتأثير والتأثّر بين الموجودات الإمكانية، فزعموا انّ آثار الظواهر الطبيعية كلّها مفاضة منه سبحانه من دون أن يكون هناك رابطة بين الظاهرة المادية وآثارها، فعلى مذهبهم «النار حارّة» بمعنى انّه جرت سنّة اللّه على إيجاد الحرارة عند وجود النار مباشرة من دون أن تكون هناك علقة بين النار وحرارتها، والشمس وإضاءتها، والقمر وإنارته، بل عادة اللّه سبحانه جرت على إيجاد الضوء والنور مباشرة عقيب وجود الشمس والقمر دون أن يكون هناك نظام وقانون تكويني باسم العلّيّة والمعلولية، وعلى ذلك فليس في صفحة الوجود إلاّ علّة واحدة، ومؤثر واحد، يؤثّر بقدرته وسلطانه في كلّ الأشياء من دون أن يُعمل سبحانه قدرته ويظهر سلطانه عن طريق إيجاد الأسباب والمؤثرات، بل هو بنفسه شخصياً قائم مقام جميع ما يُتصور من العلل والأسباب التي كشف عنها العلم طيلة قرون.

وقد سادت هذه الفكرة على شرائح واسعة من العلماء والمفكّرين طيلة عصور متمادية، فيقولون: «جرت عادة اللّه على خلق هذا بعد ذلك» أي خلق الحرارة بعد النار والبرودة بعد الماء، وقد بلغ إصرارهم على إنكار أصل العلّّيّة حداً كفّروا من يتفوّه بالعلّيّة أو مقتضى الطبيعة ـ كما نقله الزبيدي ـ.

وهذا هو الأزهر كان يُدّرس فيها قول الناظم:

ومن يقل بالطبع أو بالعلّة      فذاك كفر عند أهل الملّـة

نعم ظهر في الآونة الأخيرة مفكِّرون آثروا اتّباع الحقّ على تقليد الأئمة وأصحروا بالحقيقة كما تأتي أسماؤهم ونصوصهم فانتظر.


(110)

2
التوحيد في الخالقية عند الإماميّة(1)

اتّفق أهل القبلة ـ إلاّ من شذّ كالمعتزلة ـ على التوحيد في الخالقية وانّه لا خالق إلاّ اللّه سبحانه، وقد قامت الإمامية منهم بتفسيره بوجه لا ينافي القول بنظام الأسباب والمسبّبات والعلل الطبيعية ومعاليلها، وإليك حاصل نظريتهم.

إنّ الخالقية المستقلّة النابعة من الذات، غير المعتمدة على شيء منحصرة باللّه سبحانه ولا يشاركه فيها شيء، وأمّا غيره سبحانه فإنّما يقوم بأمر الخلق والإيجاد بإذن منه وتسبيب، ويعدّ الكلّ جنوداً للّه سبحانه، يعملون بتمكين منه لهم .ويظهر هذا المعنى من ملاحظة الأُمور التالية:

الأوّل: لا يشك المتدبّر في الذكر الحكيم في أنّه كثيراً ما يُسنِد آثاراً إلى الموضوعات الخارجية والأشياء الواقعة في دار المادة، كالسماء وكواكبها ونجومها والأرض وجبالها وبحارها وبراريها وعناصرها ومعادنها والسحاب والرعد والبرق والصواعق والماء والأعشاب والأشجار والحيوان والإنسان إلى غير ذلك من


1 . قلنا «عند الإمامية» و لم نقل عند العدلية، لأنّ هذا التفسير يختصّ بهم وأمّا المعتزلة الذين يُعدّون من العدلية فقد أنكروا هذا الأصل، لأجل صيانة عدله سبحانه زاعمين أنّ القول بهذا الأصل يضاد أصل العدل، غافلين عن أنّ المضاد هو التفسير الأشعري، لا الإمامي. وقد فصّلنا الكلام في ذلك في محاضراتنا المنتشرة باسم:«الإلهيات» فلاحظ.


(111)

الموضوعات الواردة في القرآن الكريم. فمن أنكر إسناد القرآن آثار تلك الأشياء إلى أنفسها فإنّما أنكره باللسان، وقلبه مطمئن بخلافه، وسيوافيك في الفصل التالي شيء من الآيات الناصّة على ذلك.

الثاني: انّ القرآن يُسند إلى الإنسان أفعالاً لا يقوم بها إلاّ هو، ولا يصحّ إسنادها إلى اللّه سبحانه بلا واسطة، كأكله وشربه ومشيه وقعوده ونكاحه وحربه وجداله وصلاته وصيامه، فهذه أفعال قائمة بالإنسان مستندة إليه، فهو الذي يأكل ويشرب ويحارب ويجادل ويفهم و يصلّي و يصوم وهو سبحانه منزّه عن هذه الأفعال.

الثالث: انّ اللّه سبحانه أمر الإنسان بالطاعة أمر إلزام، ونهاه عن المعصية نهيَ تحريم، فيجزيه بالطاعة، ويعاقبه بالمعصية. فلو لم يكن للإنسان دور في ذلك المجال، وتأثير في الطاعة والعصيان فما هي الغاية من الأمر والنهي، وما معنى الجزاء والعقوبة؟!

وهذه الأُمور الثلاثة إذا قارنها الباحث إلى قوله سبحانه: «قُلِ اللّهُ خالِقُ كُلّ شَيء وَهُوَ الْواحدُ القَهّار»(1) الذي يدلّ على بسط فاعليته وعلّيته على كلّ شيء، يَستنتج منها انّ النظام الإمكاني على اختلاف هويّاته وأنواعه، فعّال ومؤثر في آثاره، لكن بتقديره سبحانه ومشيئته وإذنه وهو القائل جلّ وعلا:«الّذي أعطى كلّ شَيء خَلْقَهُ ثُمّ هَدى»(2) والقائل تعالى: «والّذي قَدّرَ فَهَدى»(3) ، وأنّ مظاهر الكون وأعمالها وآثارها وحركاتها وسكناتها تنتهي إلى قضائه وتقديره وهدايته وإجرائه نظام الأسباب والمسببات في صحيفة الكون.


1 . الرعد:16.
2 . طه:50.
3 . الأعلى:3.


(112)

فعلى هذا فالأشياء في جواهرها وذواتها وحدود وجودها وخصوصياتها تنتهي إلى الخلقة الإلهية، كما أنّ أفعالها التي تصدر عنها في ظل تلك الخصوصيات تنتهي إليه أيضاً وليس العالم ومجموع الكون إلاّ مجموعة متوحّدة يتّصل بعضها ببعض ويتلاءم بعضها مع بعض، ويؤثر بعضها في بعض، واللّه سبحانه وراء هذا النظام ومعه وبعده ولا خالق ولا مدبّر حقيقة وبالأصالة إلاّ هو كما لا حول ولا قوة إلاّ باللّه.

وبعبارة أُخرى:انّ التدبر في الآيات الواردة في التوحيد في الخالقية إذا فسّرت على نحو التفسير الموضوعي(1).يثبت أنّ آثار الموجودات الإمكانية آثار لها، وفي الوقت نفسه تنتهي الأسباب إلى اللّه سبحانه. فجميع هذه الأسباب والمسببات يرتبط بعضها ببعض ويؤثر بعضها في بعض، وفي الوقت نفسه مرتبطة باللّه سبحانه وإليه ينتهي النظام الإمكاني والعلل والمعاليل.

وليس السبب منقطعاً عن اللّه، وفي الوقت نفسه ليس المسبب فعلاً مباشرياً له سبحانه فبذلك يجمع بين القول بحصر الخالقية في اللّه سبحانه، والقول بنظام العلل والمعاليل المنتهية إليه والقائمة به، فالخالقية المستقلة النابعة من الذات، منحصرة باللّه سبحانه، والخالقية الظلية والتبعية، النابعة من قدرته سبحانه من خصائص النظام الإمكاني، ولنعم قول القائل: «فالفعل فعل اللّه وهو فعلنا».

وباختصار: إنّ العوالم الممكنة من عاليها إلى سافلها متساوية النسبة إلى قدرته سبحانه، فالجليل والحقير، والثقيل والخفيف عنده سواسية، لكن ليس


1 . نريد من التفسير الموضوعي هو جمع الآيات الواردة في أي موضوع من الموضوعات واستنطاق بعض الآيات ببعض والخروج بنتيجة واحدة، هي حصيلة عامة الآيات. وقد ألّفنا موسوعة قرآنية على هذا الغرار وأسميناها بـ«مفاهيم القرآن» انتشرت في عشرة أجزاء.


(113)

معنى «المساواة» هو قيامه تعالى بكلّ شيء مباشرة، وخلع التأثير عن الأسباب والعلل، بل يعني أنّ اللّه سبحانه يُظهر قدرته وسلطانه عن طريق خلق الأسباب، وبعث العلل نحو المسببات والمعاليل، والكلّ مخلوق له، ومظاهر قدرته وحوله، ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه.

فالأشعري، خلع الأسباب والعلل ـ وهي جنود اللّه سبحانه ـ عن مقام التأثير والإيجاد، كما أنّ المعتزلي(1) عزل سلطانه عن ملكه وجعل بعضاً منه في سلطان غيره، أعني: فعل العبد في سلطانه.

والحقّ الذي عليه البرهان ويصدّقه الكتاب هو كون الفعل موجوداً بقدرتين، لكن لا بقدرتين متساويتين، ولا بمعنى علّتين تامّتين، بل بمعنى كون الثانية من مظاهر القدرة الأُولى وشؤونها وجنودها:«وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ»(2) وقد جرت سنّة اللّه تعالى على خلق الأشياء بأسبابها، فجعل لكلّ شيء سبباً، وللسبب سبباً، إلى أن ينتهي إليه سبحانه، والمجموع من الأسباب الطولية علّة واحدة تامّة كافية لإيجاد الفعل، والتفصيل يطلب من محله، ونكتفي في المقام بكلمة عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «أبى اللّه أن يجري الأشياء إلاّ بأسباب، فجعل لكلّ شيء سبباً وجعل لكلّ سبب شرحاً».(3)


1 . قد تقدّم في ص110 انّ المعتزلة، أنكرت هذا الأصل من رأس، لغاية حفظ عدله وتنزيهه من الظلم والعمل السيّئ، وزعمت انّ وجود الإنسان مخلوق للّه وفعله مخلوق لنفس الإنسان فقط، فأخرجت أفعال العباد عن سلطان اللّه تبارك و تعالى، ونعم ما قال الإمام الكاظمـ عليه السَّلام ـ : «مساكين القدرية أرادوا أن يصفوا اللّه بعدله، فأخرجوه عن سلطانه» وسيوافيك في خاتمة المطاف ما يفيدك في المقام.
2 . المدثر:31 .
3 . الكافي:1/183، باب معرفة الإمام، الحديث7.


(114)

وبهذه النظرية ـ أي نظرية كون العالم مخلوقاً على النظام السببي و المسببي وانّ فيه فواعل اضطرارية كما أنّ فيه فواعل اختيارية ـ تتناسق الأُمور الثلاثة الماضية(1) وتتوحّد نتائجها، وهذا بخلاف ما إذا قلنا بالنظرية الأُولى فانّها توجب التضاد بين الأُمور الثلاثة المسلمة.


1 . لاحظ ص 110ـ111.


(115)

3
مضاعفات حصر الخالقية في اللّه
على ضوء التفسير الأشعري

قد تقدّم انّ المسلمين إلاّ من شذّ تبعاً للذكر الحكيم والبراهين العقلية اتّفقوا على حصر الخالقية في اللّه سبحانه وعدُّوه من مراتب التوحيد ولا يصحّ الحصر ولا ينسجم مع سائر الأُصول إلاّ إذا فسر على النحو الذي مرّ آنفاً، فالقول بهذا الحصر ـ على ما فسرنا ـ لا ينافي الإيمان بالعلل والأسباب الطولية والنظام السائد على العالم من العلّية والمعلولية، المنتهي إلى اللّه سبحانه.

غير انّ الإمام الأشعري ومن تبعه أخذوا بظواهر بعض الآيات فأنكروا أصل التأثير حتّى الظلي والتبعي في غيره سبحانه ولم يعترفوا إلاّ بعلة واحدة وهي اللّه سبحانه، القائم مكان عامة العلل، فجعلوا الظواهر كلّها مخلوقة للّه بالمباشرة وبلا توسط سبب وكأنّ من أنكر ذلك التفسير فقد أنكر التوحيد في الخالقية، غير انّ ذلك التفسير مردود من جهات نشير إلى بعضها.

الأُولى: تصريح القرآن بتأثير العلل الطبيعية

إنّ القرآن الكريم يصرح بوضوح كامل بتأثير بعض الأشياء في بعض ويكشف عن نظام سائد على العالم نظاماً عليّاً ومعلولياً، سببياً ومسببياً، ونحن


(116)

نذكر في المقام بعض الآيات:

1. «وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِرَاتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْناب وَزَرعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوان يُسْقَى بِماء واحِد وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلى بَعْض فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذلكَ لآيات لِقَوْم يَعْقِلُونَ».(1)

وجملة «يُسقَى بِماء واحِد» كاشفة عن دور الماء وأثره في إنبات النباتات ونمو الأشجار، ومع ذلك يفضل بعض الثمار على بعض.

وأوضح دليل على ذلك قوله تعالى في الآيتين التاليتين:

2. «وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ».(2)

3. «أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ المَاءَ إِلى الأَرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ».(3)

ففي هاتين الآيتين يصرح الكتاب العزيز ـ بجلاء ـ بتأثير الماء في الزرع، إذ أنّ «الباء» تفيد السببية ـ كما تعلم ـ.

4. «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبال فِيهَا مِنْ بَرَد فَيُصيبُ بِهِ من يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ».(4)

ففي هذه الآية نرى ـ لو أمعنا النظر ـ كيف بيّن القرآن الكريم المقدّمات الطبيعية لنزول المطر والثلج من السماء من قبل أن يعرفها العلم الحديث ويطّلع عليها بالوسائل التي يستخدمها لدراسة الظواهر الطبيعية واكتشاف عللها ومقدّماتها.


1 . الرعد:4.
2 . البقرة:22.
3 . السجدة:27.
4 . النور:43.


(117)

فقبل أن يتوصل العلم الحديث إلى معرفة ذلك ـ بزمن طويل ـ سبق القرآن إلى بيان تلك المقدّمات في عبارات هي:

1. يزجي(يحرك) سحاباً.

2. ثمّ يؤلّف (ويركِّب) بينه.

3. ثمّ يجعله ركاماً (أي كتلة متراكمة متكاثفة).

فينسب هذه المراحل إلى اللّه تعالى. ثمّ يقول:

4. فترى الودق (أي المطر) يخرج من خلاله.

5. يكاد سنابرقه يذهب بالأبصار.

وهكذا يصرح اللّه سبحانه بتأثير الأسباب والعلل الطبيعية في المرحلتين الأخيرتين، غاية ما هنالك أنّ تأثير هذه العلل والأسباب بإذن اللّه ومشيئته بحيث إذا لم يشأ هو سبحانه لتعطلت هذه العلل عن التأثير.

5. «اللّهُ الّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ».(1)

وأيّة جملة أوضح من قوله: «فَتُثيرُ سَحاباً» أي الرياح، فالرياح في نظر القرآن هي التي تثير السحاب وتسوقه من جانب إلى جانب آخر.

إنّ الإمعان في عبارات هذه الآية يهدينا إلى نظرية القرآن ورأيه الصريح حول «تأثير العلل الطبيعية بإذن اللّه».

ففي هذه الجمل جاء التصريح:

1. بتأثير الرياح في نزول المطر.


1 . الروم:48.


(118)

2. وتأثير الرياح في تحريك السحب.

3. كما جاء التصريح بانتساب انبساط السحب في السماء إلى اللّه.

4. وتجمع السحب ـ فيما بعد ـ على شكل قطع متراكمة إلى اللّه سبحانه.

5. ثمّ نزول المطر بعد هذه التفاعلات والمقدمات.

فإذا ينسب القرآن هذين الأمرين ـ الثالث والرابع ـ إلى اللّه وانّه (هو) يبسط السحاب في السماء و(هو) الذي يجعله كسفاً، فإنّما يقصد ـ من وراء ذلك ـ التنبيه إلى مسألة «التوحيد الأفعالي» الذي يعبّر عنه بالتوحيد في الخالقية، وفي الوقت نفسه «لا منافاة بين هذه النسبة والقول بتأثير العلل الطبيعية في بسط السحب وجمعها.

على أنّ الآيات التي تؤكد على دور العلل الطبيعية وتأثيرها المباشر وتعتبر العالم مجموعة من الأسباب للمسببات التي تعمل بإرادة اللّه وإذنه، وتكون فاعليتها فرعاً من فاعليته سبحانه، أكثر من أن ينقل في المقام، وفيما ذكرنا من الآيات كفاية لمن تدبّر.

الثانية: انتفاء الغاية من إيجاد القدرة في الإنسان

إذا صحّ تقسيم الفاعل إلى فاعل قادر مختار، يتوصّل إلى مقاصده بالمشيئة وإعمال القدرة; وفاعل مضطرّ، يقع مصدراً للآثار، من دون إرادة وإعمال القدرة، فالإنسان من مصاديق القسم الأوّل بل من أفضل مصاديقه، فهو يصدر عن فكر ورويّة وميل واشتياق، وعزم وجزم، وإعمال للقدرة التي وهبها اللّه سبحانه له، وهذا شيء يدركه وجدان كلّ إنسان حرّ التفكير ولا يبطله أي دليل وبرهان حتّى أنّ الشيخ الأشعري استدلّ على كون الإنسان مختاراً في فعله، بالفرق بين الحركتين: الاكتسابية والاضطرارية فقال: فإذا كانت حركة المرتعش من الفالج والمرتعد من


(119)

الحمى حركة اضطرارية، وإذا كانت الحركة الأُخرى بخلاف هذا الوصف لم يكن اضطراراً، لأنّ الإنسان في ذهابه ومجيئه، وإقباله وإدباره بخلاف المرتعش من الفالج والمرتعِد من الحمى، يعلم الإنسان التفرقة بين الحالين من نفسه وغيره علمَ اضطرار لا يجوز معه الشك.(1)

فإذا كان هذا حال الإنسان وهذه مواهبه وعطاياه، فما هي الغاية من خلق القدرة في الإنسان التي لا دور لها في الإنشاء والإيجاد، سوى حديث المقارنة، مقارنة القدرة مع الحادثة من دون أن يكون بين قدرة العبد وفعله أي صلة .

إنّ إبعاد قدرة العبد عن التأثير في مصير الإنسان، يضادّ وجدانَ كلّ فاعل، أوّلاً، ويُضفي على تزويد الإنسان بها، شأن اللغوية ثانياً، ويُعرِّف خالق القدرة لاعباً ثالثاً، قال سبحانه:«وَما خَلَقنا السماء والأَرضَ وما بيْنَهُما لاعِبِين».(2)

إنّ التوحيد في الخالقية، من المعارف العليا القرآنية والتي لم يصل إليها حتى الأوحدي من الفلاسفة إلاّ عن طريق التدبّر في آيات الذكر الحكيم، ومن خالفه من المعتزلة فإنّما خالفه بزعم انّه يخالف عدلَه وتنزيهه سبحانه غير انّ الذي يخالف عدله، ويضاد تنزيهه، هو حصر الخالقية بالمعنى الذي تبنّاه أهل الحديث والأشاعرة، فانّه يضاد كونه حكيماً، عادلاً، نزيهاً عن اللغو واللعب حيث خلق في الإنسان القدرة التي لا دور لها في حياته في عاجله وآجله، وأمّا تفسيره على النهج الذي عرفت وقد سار عليه أئمة أهل البيت فهو يدعم كونه سبحانه حكيماً، عادلاً، نزيهاً من اللغو والعبث.


1 . اللمع:75.
2 . الأنبياء:16.


(120)

وكم من عائب قولاً صحيحاً      وآفته من الفهم السقيم

الثالثة: كلّ فاعل مسؤول عن فعله

إنّ العقلاء قاطبة ـ حتى أهل الحديث والأشاعرة ـ يرى الإنسان مسؤولاً عن فعله وعمله، وليس المحسِن والمسيء عندهم سواسية، بل يُثاب الأوّل، ويُعاقب الثاني، كلّ وفقَ عمله، ومدى مسؤوليته، وهذا فرع أن يكون للفاعل دور في فعله، وعمله، ولو أصاب رأسه حجر فأدماه، فيحمّل مسؤولية الإدماء على عاتق الرامي، دون الحجر، وذلك لأنّ له شعوراً وارادة، دون الآخر، وعلى ضوء ذلك يصف الذكر الحكيم بأنّ الإنسانَ مسؤول عن عمله ويقول: «وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤولون»(1) بل يعد أدوات المعرفة أيضاً، مسؤولة ويقول «إِنَّ السَّمعَ والبصرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولئكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤولاً»(2) ، وذلك لأنّها بيد الإنسان، أداة طيّعة يستخدمها كيف ما شاء.

فإذا كان هذا لسانَ العقل والعقلاء وصريحَ الذكر الحكيم فلو كانت أفعاله وأعماله، مخلوقة للّه، على نحو تفقد صلتَها بالإنسان، فما معنى كونه مسؤولاً عن عمل، قام به غيره، أو مجزياً بفعل غيره، وليس لجسمه أو روحه دور، سوى كونه ظرفاً و وعاءً لفعل الغير يخلقه فيه.

إذ كيف يثاب أو يعاقب على ما ليس له فيه شأن؟! وكيف يكون معاقباً وقد جنى غيره وفق قول القائل:


1 . الصافات:24.
2 . الإسراء:36.


(121)

غيري جنى وأنا المعاقَبُ فيكم      فكأنني سبّابة المتندم

إنّ هذه التوالي الفاسدة التي يدركها كلّ إنسان واع ووجدان حرّ دفعت الشيخ الأشعري، ومن لفّ لفّه إلى الخروج عن هذا المأزق باختراع «نظرية الكسب» حتّى يتخلّصوا ممّا يترتب على خلق الأعمال من التوالي الفاسدة، فإذا قيل لهم: كيف يُثاب المرء أو يُعاقب على عمل لم يوجده هو؟ وكيف يتفق هذا مع ما هو مقرّر في عدالة اللّه وحكمته في تكليف خلقه؟

أجابوا: انّ العباد وإن لم يكونوا خالقين لأعمالهم لكنّهم كاسبون لها، وهذا الكسب هو مناط التكليف ومدار الثواب والعقاب وبه يتحقّق عدل اللّه وحكمته فيما شرّع للمكلّفين.

قالوا: إنّ هنا نصوصاً تثبت بأنّه لا خالق إلاّ هو، كقوله «اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْء»(1)، «هَلْ مِنْ خالِق غَيْرُ اللّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالأَرْض»(2) إلى غير ذلك.

وبجانب هذا توجد نصوص، تَنسب أعمال العباد إليهم، وتُعلّق رضوان اللّه للمحسنين منهم وتعلّق غضبه للمسيئين منهم و يقول:«مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها»(3)، «إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها»(4) إلى غير ذلك من الآيات.

فحملوا النصوص الأُولى على الخلق، وحملوا الثانية على الكسب جمعاً بين الأدلّة، فإذا قيل ما هذا الكسب؟ وما يراد به؟ وهل هو أيضاً موجود أو معدوم؟


1 . الرعد:16.
2 . فاطر:3.
3 . الجاثية:15.
4 . الإسراء:7.


(122)

فمالوا يميناً ويساراً حتّى يأتوا به تفسيراً معقولاً مع أنّه مضت على النظرية قرون عشرة لكنّها بقيت في محاق الإبهام، بل دخلت أخيراً في مدحرة الإنكار، وهذا هو الذي ندرسه في الفصول المقبلة بعد مقدّمة موجزة.


(123)

4
نظرية الكسب
بين
التفسير، والتكامل، والإبطال

قد تعرفت على أنّ القول بالتوحيد في الخالقية ـ الذي يعبّر عنه اليوم بعموم القدرة والإرادة ـ بالتفسير الذي قام به أهل الحديث والأشاعرة، صار ذا مضاعفات عديدة، أهمها: كون الإنسان مجبوراً لا مختاراً، مسيّراً لا مخيّراً، غير مسؤول عن عمله وفعله، لأنّ الفعل فعل اللّه لا فعله، وهو خالقه وموجده وليس له دور، سوى كونه وعاءً لفعل اللّه سبحانه.

كما تعرّفت على أنّ الشيخ الأشعري قد وقف على ما يترتب على تفسيره من النتائج الفاسدة، حاول أن يتخلّص من ذلك المأزق بطرح نظرية الكسب حتّى يكون للإنسان دور في مجال أفعاله وأعماله فصار سهم الخالق هو الإيجاد والإنشاء وسهم الإنسان هو الكسب والاكتساب، والثواب والعقاب على الكسب.

وقد مرّت على النظرية مراحل مختلفة عبر أجيال، وذلك لأنّ باذر الفكرة وغارسها مرّ عليها بإجمال دون أن يفسّرها ويبيّنها، فأخذ روّاد منهج الأشعري بتبيينها وتفسيرها تارة، وتطويرها وإكمالها ثانياً، إلى أن وصلت النوبة إلى العقول


(124)

الحرّة، فأنكروها وأبطلوها وصرّحوا بأنّها نظرية لا تسمن ولا تغني من جوع وانّ المضاعفات و التوالي الفاسدة باقية بحالها، فها نحن نشرح كلّ واحد من هذه المراحل في فصل خاص حتى تسهل الإحاطة بها.


(125)

المرحلة الأُولى
في تبيين النظرية وتفسيرها

يظهر من غير واحد من كُتّاب تاريخ العقائد والمناهج الكلامية انّ الإمام الأشعري لم يكن مبتكراً لنظرية الكسب، بل لها جذور في كلمات من سبق عليه كجهم بن صفوان (المتوفّـى128هـ) وضرار بن عمرو العيني الذي يعدّ من رجال منتصف القرن الثالث.

قال القاضي عبد الجبار: إنّ جهم بن صفوان ذهب إلى أنّ أفعال العباد لا تتعلّق بنا وقال: إنّما نحن كالظروف لها، حتى أنّ ما خلق فينا كان وإن لم يخلق لم يكن.

وقال ضرار بن عمرو: إنّها متعلّقة بنا ومحتاجة إلينا، ولكن جهة الحاجة إنّما هي الكسب، فقد شارك جهماً في المذهب وزاد عليه في الإحالة.(1)

إنّ الشيخ الأشعري نقل في كتاب «مقالات الإسلاميّين واختلاف المصلّين» انّ ضرار بن عمرو ممّن كان يذهب إلى أنّ العبد كاسب، قال: والذي فارق ضرار بن عمرو به المعتزلة، قوله: إنّ أعمال العباد مخلوقة وانّ فعلاً واحداً لفاعلين أحدهما خَلَقَه وهو اللّه، والآخر اكتسبه وهو العبد، وانّ اللّه عزّ وجلّ فاعل لأفعال العباد في


1 . شرح الأُصول الخمسة:363.


(126)

الحقيقة، وهم فاعلون لها في الحقيقة.(1)

وقد نقل العلاّمة الحلّي نظرية الكسب عمّن تقدّم على الشيخ الأشعري كالنجّار وحفص الفرد.(2)

فسواء أكانت النظرية للإمام الأشعري أم لغيره، فقد مرّت عليها مراحل أُولاها، مرحلة التبيين والتفسير حتى تخرج عن الإبهام والغموض.

مرحلة التبيين

قد حاول غير واحد من أعيان الأشاعرة، أن يرفع النقاب عن وجه النظرية منهم الغزالي(450ـ505هـ) من مشاهير الأشاعرة في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس فقام بإيضاحها بكلام مبسوط يتلخّص فـي العنـوان التالي:

1. الكسب صدور الفعل من اللّه، عند حدوث القدرة في العبد

قال: ذهبت المجبرة إلى إنكار قدرة العبد فلزمها إنكار ضرورة التفرقة بين حركة الرعدة، والحركة الاختيارية، ولزمها أيضاً استحالة تكاليف الشرع. وذهبت المعتزلة إلى إنكار تعلّق قدرة اللّه تعالى بأفعال العباد من الحيوانات والملائكة والجن والإنس والشياطين، وزعمت أنّ جميع ما يصدر منها، من خلق العباد واختراعهم، لا قدرة اللّه تعالى عليها بنفي ولا إيجاب، فلزمتها شناعتان عظيمتان:

إحداهما: إنكار ما أطبق عليه السلف من أنّه لا خالق إلاّ اللّه، ولا مخترع سواه.


1 . مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين:281.
2 . كشف المراد، الفصل الثالث من الإلهيات:189، ط صيدا.


(127)

والثانية: نسبة الاختراع والخلق إلى قدرة من لا يعلم ما خلقه، كأعمال النحل والعنكبوت وغيرهما من الحيوانات التي تقوم بأعاجيب الأعمال وغرائبها، ثمّ قال: وإنّما الحقّ إثبات القدرتين على فعل واحد، والقول بمقدور منسوب إلى قادرين، فلا يبقى إلاّ استبعاد توارد القدرتين على فعل واحد. وهذا إنّما يبعد إذا كان تعلّق القدرتين على وجه واحد، فإن اختلفت القدرتان، واختلف وجه تعلّقهما فتوارد التعلّقين على شيء واحد غير محال، كما نبيّنه.

ثمّ إنّه حاول بيان تغاير الجهتين، وحاصل ما أفاد هو: إنّ الجهة الموجودة في تعلّق قدرته سبحانه على الفعل غير الجهة الموجودة في تعلّق قدرة العبد. والجهة في الأُولى جهة إيجادية تكون نتيجتُها وقوعَ الفعل في الخارج، وحصوله في العين. والجهة في القدرة الثانية جهة أُخرى، وهي صدور الفعل من اللّه سبحانه عند حدوث القدرة في العبد.

فلأجل ذلك تُسمّى الأُولى خالقاً ومخترعاً، دون الثانية، فاستعير لهذا النمط من النسبة اسم الكسب تيمّناً بكتاب اللّه تعالى.

هذا توضيح مرامه وإليك نصّ عبارته: لما كانت القدرة (قدرة العبد) والمقدور جميعاً بقدرة اللّه تعالى: سُمّي خالقاً و مخترعاً، ولمّا لم يكن المقدور بقدرة العبد وإن كان معه، فلم يسمّ خالقاً ولا مخترعاً.(1)

ثمّ اعترض على نفسه بما هذا حاصله: كيف تصحّ تسمية القدرة المخلوقة في العبد قدرة، إذا لم يكن لها تعلّق بالمقدور، فإنّ تعلق القدرة بالمقدور ليس إلاّ من جهة التأثير والإيجاد ـ وحصول المقدور بها ـ و أجاب عنه: بأنّ التعلّق ليس مقصوراً على الوقوع بها، بل هناك تعلّق آخر غير الوقوع، نظير تعلّق الإرادة بالمراد،


1 . الاقتصاد في الاعتقاد: 92.


(128)

والعلم بالمعلوم، فإنّهما يتعلّقان بمتعلّقهما بتعلّق، غير الوقوع ضرورة أنّ العلم ليس علّة للمعلوم، فإذاً لابدّ من إثبات أمر آخر من التعلّق سوى الوقوع.(1)

وقد قام التفتازاني بتفسير الجهتين في شرح مقاصده وقال: لمّا بطل الجبر المحض بالضرورة، وكون العبد خالقاً لأفعاله بالدليل، وجب الاقتصاد في الاعتقاد، وهو انّها مقدورة بقدرة اللّه تعالى اختراعاً وبقدرة العبد على وجه آخر من التعلّق يعبّـر عنه بالاكتساب وليس من ضرورة، تعلّق القدرة بالمقدور أن يكون على وجه الاختراع.(2)

يلاحظ عليه: أنّ الغزالي لم يأت في تفسير نظرية الكسب بأمر جديد ولم يزد التفتازاني شيئاً على بيانه، وحاصله يتلخّص في كلمتين:

1. إنّ دور قدرة العبد ليس إلاّ دور المقارنة، فعند حدوث القدرة في العبد يقوم سبحانه بخلق الفعل.

2.إنّ للتعلّق أنواعاً ولا تنحصر في الإيجاد والوجود، والإيقاع والوقوع، بل هناك جهة أُخرى يُعبّر عنها بالكسب ـ فالعبد مصدر لهذه الجهة، وبذلك يسمّى كاسباً ـ.

ومع هذا التطويل فالإشكال باق بحاله، فإنّ وقوع الفعل مقارناً لقدرة العبد، لا يُصحّح نسبة الفعل إلى العبد، ولا تحمّل مسؤوليته، فإنّ نسبة المقارن إلى المقارن كنسبة تكلم الإنسان إلى نزول المطر في الصحراء، فإذا لم يكن لقدرة العبد تأثير في وقوع الفعل، كيف يصحّ في منطق العقل التفكيك بين الحركة الاختيارية، والحركة الاضطرارية؟ والغزالي بكلامه هذا نقض ما ذكره في صدر البحث حيث


1 . الاقتصاد: 92ـ 93.
2 . شرح المقاصد:127.


(129)

ردّ على المجبّرة بوجدان الفرق بين الحركتين، وهذا الفرق لا يتعقّل إلاّ في ظل تأثير قدرة العبد على الوقوع والوجود.

وأضعف من ذلك تنزيل تعلّق قدرة العبد بتعلّق العلم على المعلوم، مع أنّ واقعية العلم وماهيته هي الكشف التابع للمكشوف، فلا يصحّ أن يكون مؤثّراً في المعلوم وموجداً له، ولكن واقعية القدرة والسلطة، واقعية الإفاضة والإيجاد، فلا يتصوّر خلعها عن التأثير مع فرضـه قـدرة كاملة وبصورة علّة تامّة.

2. الكسب: توجه قدرة العبد صوب الفعل عند صدوره من اللّه

قام التفتازاني(712ـ792هـ) في «شرح العقائد النسفية» بتفسير الكسب بالوجه التالي وهو: انّ صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل كسب، وإيجاد اللّه تعالى الفعلَ عقيب ذلك خلق. والمقدور الواحد داخل تحت قدرتين، لكن بجهتين مختلفتين. فالفعل مقدور اللّه تعالى بجهة الإيجاد، ومقدور العبد بجهة الكسب، وهذا القدر من المعنى ضروري وإن لم نقدر على أزيد من ذلك في تلخيص العبارة المفصحة عن تحقيق كون فعل العبد بخلق اللّه تعالى وإيجاده، مع ما فيه للعبد من القدرة والاختيار.(1)

ويقرب من ذلك ما في متن المواقف للعضدي وشرحه للشريف الجرجاني قالا: وأمّا التكليف والتأديب والبعثة والدعوة فانّها قد تكون دواعي للعبد، إلى الفعل واختياره، فيخلق اللّه الفعل عقيبها عادة وباعتبار ذلك الاختيار المترتب على الدواعي يصير الفعل طاعة إذا وافق ما دعاه الشرع إليه ومعصية إذا خالفه ويصير علامة للثواب والعقاب.(2)


1 . شرح العقائد النسفية: 117.
2 . شرح المواقف:8/155.


(130)

ويرد على ما ذكروه انّ العزم والإرادة والاختيار من الأُمور الوجودية الممكنة فمن خالقها أهو اللّه سبحانه، أم العبد؟ وعلى الأوّل يلزم الجبر وعلى الثاني ينتقص القاعدة، أعني :التوحيد في الخالقية.

ثمّ إنّ نظرية الكسب بلغت من الإبهام إلى حد أنّ القمة من مشايخ الأشاعرة كالتفتازاني يعترف بعجزه عن تفسيرها حيث قال: «وإن لم نقدر على أزيد من ذلك في تلخيص العبارة المفصحة...».

إلى هنا تمت المرحلة الأُولى من المراحل(1) التي مرّت على نظرية الكسب، وهنا من سلك مسلك العلمين: الغزالي والتفتازاني في تفسير النظرية، أعرضنا عن نقله روماً للاختصار، وحان وقت الانتقال إلى المرحلة الثانية، أعني: مرحلة التطوير والتكامل.


1 . ولا يفوتنّك انّ هذه المراحل الثلاث لم تتكون حسب التسلسل الزمني بل تكوّنت عبر قرون لا تأبى أن تكون بعضها في عرض الآخر.