(181)
4
الإرادة الإلهية
من صفات الفعل
قد مضى في الفصل السابق بعض الأنظار الذي يفسر الإرادة الإلهية بأنّها من صفات الذات، وحان وقت البحث عن الأنظار التي تعدّها من صفات الفعل، فخصصنا هذا الفصل بهذا كما خصصنا الفصل السابق بالنظر الآخر.
ذهب غير واحد من المحقّقين إلى أنّ الإرادة أشبه بصفة الفعل، نظير الخلق والإيجاد والرحمة ، وقبل الخوض في بيانها نقدّم شيئاً ربّما مضى التنبيه عليه في صدر الرسالة، و هو:
أثبتت البراهين الفلسفية انّ كلّ كمال وجودي فإنّه موجود للواجب في حدّ ذاته، وإلاّ يلزم تطرّق النقص إليه، وفرض موجود أكمل منه، لأنّ كون الفاعل وراء كونه عالماً، مريداً مختاراً، كمال للذات فلا يمكن سلبه عنه.
ومن جانب آخر انّ الإرادة كيفية نفسانية، و ماهية ممكنة والواجب منزّه عن الماهية والإمكان، وليست الإرادة كالعلم فإنّه يصلح وصف الواجب به إذا جرّد عن النقص وبقى منه سوى الكشف، وهذا بخلاف الإرادة فإنّها مهما جرّدت عن شوائب الإمكان والنقص لا يوصف بها الواجب، لأنّ واقعيّة الإرادة
(182)
هي الخروج من القوّة إلى الفعل، ومن التصوّر إلى التصديق بالفائدة ومنه إلى الشوق ومنه إلى القصد والعزم، وهذا المعنى مهما جرّد من النقص لا يصلح لأن يوصف به الواجب.
ثمّ إنّ هذين الأمرين صارا سبباً لذهاب جمع إلى أنّه من صفات الذات أخذاً بالأمر الأوّل وذهاب جمع آخر إلى أنّها من صفات الفعل،منهم السيد الطباطبائي ـ قدَّس سرَّه ـ فقال في تعاليقه على«الأسفار» ما هذا لفظه:
1. الإرادة صفة منتزعة من حضور العلّة التامّة للفعل
لو كان بين كيفيّاتنا النفسانية، كيفيّة متميّزة متخلّلة بين العلم الجازم و الفعل، باسم الإرادة فهو القصد، وهو ميل نفساني نحو الفعل، نظير ميل الجسم الطبيعي من مكان إلى مكان وليس من الشوق أو الشوق المؤكّد في شيء، كما سيجيء، وليس هو العلم وإن كانت الصفات والأحوال النفسانيّة كالحبّ والبغض والرضا والسخط والحزن والسرور وغيرها، علميّة شعورية، لأنّ الإرادة لو كانت أمراً متميّزاً في نفسها فهي متخلّلة بين العلم والفعل فليست فينا علماً.
ومن هنا يظهر أنّا لو جرّدناها من شوائب النقص وأجرينا وصفها عليه تعالى لم ينطبق على علمه تعالى، لأنّ مفهومها غير مفهوم العلم ولا ينفع التجريد مع تغاير المفهومين، بخلاف تجريد معنى العلم مثلاً، فإنّه وإن تبدّلت خصوصيّاته وحدوده بالتجريد حتّى عاد وجوداً واجبياً منفياً عنه جميع خصائص الكيفية النفسانية الخاصة لكن معناه الأصلي وهو حضور شيء لشيء محفوظ باق بعد التجريد وعند الإجراء على ما كان عليه قبل.
(183)
ويظهر أيضاً أنّ الإرادة لو أخذت صفة له تعالى بعد التجريد، كانت صفة فعل نظير الخلق والإيجاد والرحمة، منتزعة عن مقام الفعل، فتماميّة الفعل من حيث السبب إذا نسب إلى الفعل سمّيت إرادة له، فيكون الفعل مراداً له تعالى، وإذا نسبت إلى اللّه كانت إرادة منه فهو مريد، كما أنّ كلّ ما يستكمل به الشيء في بقائه رزق، فالشيء مرزوق وهو تعالى رزّاق وهكذا.
إلى أن قال: وما ذكره الحكماء الإلهيون من أمر الإرادة الذاتية وأقاموا عليه البرهان، فهو حقّ لكن الذي تثبته البراهين أنّ ما سواه تعالى يستند إلى قدرته التي هي مبدئيته المطلقة للخير وعلمه بنظام الخير، وأمّا تسمية العلم بالخير والأصلح، إرادة أو انطباق مفهوم الإرادة بعد التجريد على العلم بالأصلح الذي هو عين الذات فلا.(1)
وقال في مقام آخر: إنّ الإرادة منتزعة من مقام الفعل من حيث انتسابه إلى قدرته تعالى القاهرة أو من اجتماع الأسباب الموجبة عليه من حيث انتسابها إليه.(2)
وقد ذكر عصارة نظريته في «نهاية الحكمة» حيث قال:
لا ينبغي أن تقاس الإرادة بالعلم الذي يقال إنّه كيفية نفسانية ثمّ يجرّد عن الماهية ويجعل حيثية وجودية عامة موجودة للواجب تعالى وصفاً ذاتياً هو عين الذات. وذلك لأنّا ولو سلمنا أنّ بعض مصاديق العلم وهو العلم الحصوليّ كيف نفساني، فبعض آخر من مصاديقه وهو العلم الحضوريّ جوهر أو غير ذلك، وقد تحقّق أنّ المفهوم الصادق على أكثر من مقولة واحدة وصف
1 . الأسفار:6/315ـ 316، قسم التعليقة.
2 . الأسفار:6/353، قسم التعليقة.
(184)
وجودي غير مندرج تحت مقولة، منتزع عن الوجود بما هو وجود، فللعلم معنى جامع يهدى إليه التحليل وهو حضور شيء لشيء.
وأمّا الإرادة المنسوبة إليه تعالى فهي منتزعة من مقام الفعل، إمّا من نفس الفعل الذي يوجد في الخارج، فهو إرادة ثمّ إيجاب، ثمّ وجوب ، ثمّ وجود; وإمّا من حضور العلّة التامة للفعل كما يقال عند مشاهدة جمع الفاعل أسباب الفعل ليفعله، أنّه يريد كذا فعلاً.(1)
يلاحظ على النظرية: لا شكّ أنّ أكثر ما ذكره السيد الأُستاذ حقّ لا غبار عليه، وقد مرّ بعض ما ذكره في البحوث السابقة، أعني:
1. أنّ ماهية الإرادة وواقعيتها غير واقعية العلم.
2. أنّ الإرادة في الإنسان مهما جرّدت عن وصفة الإمكان لا يوصف به الواجب.
3. أنّ الإرادة من صفات الكمال، والموجود المريد أفضل من غير المريد فلابدّ من وصفه سبحانه بأنّه مريد.
كلّما ذكره من هذه الأُمور صحيح، ولكن تفسير الإرادة بحضور العلّة التامة للفعل يناقض الأصل الثالث، وقد صرّح به أيضاً في ثنايا كلامه، حيث قال:
«نعم قام البرهان بأنّه واجد لكلّ كمال وجودي، ومع ذلك كيف يمكن خلوّ الذات عن هذا الكمال الوجودي وحصره في مقام الفعل».
ولو كانت الإرادة منتزعة من حضور العلّة التامّة للفعل، يلزم أن تكون الفواعل الطبيعية كلّها مريدة لحضورها عند آثارها.
1 . نهاية الحكمة: 299ـ 300.
(185)
وبالجملة تصوّر خلوّ الذات عن واقع الإرادة يلزم أن يكون سبحانه فاعلاً غير مريد ولا مختار، وهذا نقص في الفاعل تعالى عنه سبحانه. و سيوافيك ما هو الحقّ في معنى الإرادة الذاتية في اللّه سبحانه.
***
2. الإرادة إعمال القدرة
إنّ المحقّق الخوئي بعد ما طرح تفسير الإرادة بالعلم والابتهاج والرضا ونقدهما بما مرّ ذكره، حاول أن يفسّر الإرادة الإلهية بإعمال القدرة، فقال: إنّ الإرادة لا تخلو من أن تكون بمعنى إعمال القدرة، أو بمعنى الشوق الأكيد ولا ثالث لهما، وحيث إنّ الإرادة بالمعنى الثاني لا تعقل لذاته سبحانه، يتعيّن الإرادة بالمعنى الأوّل له سبحانه وهو المشيئة وإعمال القدرة.(1)
وقال في موضع آخر: إنّ أفعال العباد لا تقع تحت إرادته سبحانه وتعالى ومشيئته .
والوجه ما تقدّم بشكل مفصّل، من أنّ إرادته تعالى، ليست من الصفات العليا الذاتية، بل هي من الصفات الفعلية التي هي عبارة عن المشيئة وإعمال القدرة.(2)
يلاحظ عليه أوّلاً:أنّ تفسير الإرادة بإعمال القدرة يرجع إلى كونها من صفات الفعل، ومعنى ذلك خلوّ الذات عن ذلك الكمال الوجودي وهو يستلزم تصوّر الأكمل والأفضل من الواجب.
وثانياً: أنّ القول بأنّ أفعال العباد خارجة من متعلّق الإرادة الإلهية مخالف
1 . المحاضرات:2/37.
2 . المحاضرات:2/72.
(186)
للبرهان، فإنّ الفعل ممكن كذاته، فكما أنّ الذّات تتعلّق به الإرادة الإلهية، فهكذا الفعل وإلاّ يلزم تحديد سلطانه سبحانه، وتحقّق بعض الأشياء بلا إرادة منه وهو كما ترى، وقد ورد في غير واحد من الروايات الردّ على تلك الفكرة.
روى هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّهـ عليه السَّلام ـ قال: «إنّ اللّه أكرم من أن يكلّف الناس ما لا يطيقون، واللّه أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد».(1)
يقول سبحانه: «وَما تَشاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّهُ ربّ العالَمِين».(2)
ويقول سبحانه:«وَماكانَ لِنَفْس أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بإِذْنِ اللّه».(3)
إلى غير ذلك من الروايات والآيات الدالّة على أنّ أفعال العباد غير خارجة عن إرادته سبحانه بها، وأمّا كيفيّة الجمع بين عموم إرادته والقول بالاختيار،فسيوافيك بيانه.
3. الإرادة الإلهية في روايات أئمّة أهل البيتـ عليهم السَّلام ـ
إنّ السابر في ما صدر عن أئمّة أهل البيتـ عليهم السَّلام ـ في مورد الإرادة الإلهية يقف على أنّهم نظروا إليها من زوايا ثلاث:
1. الإرادة الإلهيّة غير العلم والقدرة.
2. ما من ظاهرة من الظواهر الكونية إلاّ وقد تعلّقت بها إرادته سبحانه.
3. إرادته سبحانه من صفات الفعل لا من صفات الذات.
فلنقتصر في كلّ من هذه المواضيع الثلاثة بالقليل عن الكثير.
1 . بحارالأنوار:5/41، كتاب العدل والمعاد، الحديث64.
2 . التكوير:29.
3 . يونس:100.
(187)
الف: إرادته غير علمه وقدرته
قد ناظر الإمام علي بن موسى الرضاـ عليه السَّلام ـ أحد المتكلّمين في خراسان ـ أعني: سليمان المروزي ـ والمناظرة مبسَّطة نقتصر على ما له صلة بالمقام:
قال سليمان: إنّ إرادته علمه.
قال الرضاـ عليه السَّلام ـ :«...وعلى هذا فإذا علم الشيء فقد أراده».
قال سليمان: أجل.
قال الرضاـ عليه السَّلام ـ : «فإذا لم يرده، لم يعلمه».
قال سليمان: أجل.
قال الرضاـ عليه السَّلام ـ : «من أين قلنا ذلك وما الدليل على أنّ إرادته علمه، وقد يعلم مالا يريده أبداً؟
ذلك قول اللّه عزّ وجلّ:«وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالّذِي أوحَيْنا إِليك»(1) ،فهو يعلم كيف يذهب ولا يذهب به أبداً».
قال سليمان: إنّه سبحانه قد فرغ من الأمر، فليس يزيد فيه شيئاً.
قال الرضاـ عليه السَّلام ـ : «هذا قول اليهود، فكيف قال تعالى: «ادْعُوني أَستَجِبْ لَكُم»». (2)
قال سليمان: إنّما عنى بذلك أنّه قادر عليه.
قال الرضاـ عليه السَّلام ـ :«أفيعد ما لا يفي به؟ فكيف قال:«يَزِيدُ فِي الخَلْقِ ما يَشاء»(3) وقال عزّ وجلّ: «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتاب»(4) وقد
1 . الإسراء:86 .
2 . المؤمن:60.
3 . فاطر:1.
4 . الرعد:39.
(188)
فرغ من الأمر...» فلم يحر سليمان جواباً.(1)
إنّ ما دار بين الإمام والمروزي كاف في نقد ما يتخيّل بأنّ إرادته سبحانه هي علمه بالأصلح .
ب. عموم إرادته سبحانه بكلّ ظاهرة كونية
أمّا عموم إرادته سبحانه بكلّ ظاهرة كونية فهو يبتني على مقدّمات فلسفية ثابتة، وإليك الإشارة إليها على وجه الإيجاز:
1. سعة قدرته وخالقيته سبحانه، وانّ كلّ ما في صفحة الكون من دقيق وجليل وذات وفعل مخلوق للّه سبحانه لا على النحو الذي فسّر به الأشاعرة عموم قدرته بأن يكون الواجب الفاعل المباشري لكلّ ظاهرة مجردة أو مادية، بل على النحو المختار لدى الإمامية.(2)
2. إنّ كلّ ما في دار الإمكان، قائم بالواجب غير مستغن عنه في شأن من شؤونه لا في ذاته ولا في فعله، وإنّ غناء فعل الإنسان عن الواجب يستلزم خروجه عن حدّ الإمكان وانقلابه موجوداً واجباً، وهذا خلف، فما في الكون يجب أن يكون منتهياً إلى الواجب قائماً به قيام المعنى الحرفي بالاسمي، فالقول باستقلال الإنسان في فعله أشبه بمقالة الثنوية.
3. شهادة الروايات على عموم قدرته، ونقتصر على روايات ثلاث:
1. روى الصدوق في توحيده بسنده عن حفص بن فرط، عن أبي عبد اللّهـ عليه السَّلام ـ قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «من زعم أنّ اللّه تعالى يأمر بالسوء والفحشاء فقد
1 . عيون أخبار الرضا:1/189 .
2 . لاحظ الإلهيات:2/275.
(189)
كذب على اللّه، ومن زعم أنّ المعاصي من غير قوة اللّه، فقد كذب على اللّه، و من كذب على اللّه أدخله النار».(1)
2. روى البرقي في محاسنه عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «إنّ اللّه أكرم من أن يكلّف الناس ما لا يطيقون، واللّه أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد».(2)
3. وروى عن حمزة بن حمران، قال: قلت له: إنّا نقول إنّ اللّه لم يكلّف العباد إلاّ ما آتاهم وكلّ شيء لا يطيقونه فهو عنهم موضوع، ولا يكون إلاّ ما شاء اللّه، وقضى وقدر و أراد؟ فقال: «واللّه إنّ هذا لديني و دين آبائي».(3)
ج: الإرادة من صفات الفعل
من سبر فيما ورد عن أئمّة أهل البيتـ عليهم السَّلام ـ في مجال الرواية يقف على اهتمام الأئمّة بتوجيه أصحابهم إلى أنّ الإرادة من صفات الفعل لا من صفات الذات، وقد عقد الشيخ الكليني باباً في ذلك المجال ننقل منه ما يلي:
1. روى عاصم بن حميد، عن أبي عبد اللّهـ عليه السَّلام ـ قال: قلت: لم يزل اللّه مريداً؟ قال: «إنّ المريد لا يكون إلاّ المراد معه، لم يزل اللّه عالماً قادراً ثمّ أراد».(4)
2. روى صفوان بن يحيى، عن الإمام الكاظمـ عليه السَّلام ـ : أخبرني عن الإرادة من اللّه و من الخلق؟ فقال:« الإرادة من الخلق الضمير، و ما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل، وأمّا من اللّه تعالى فإرادته إحداثه لا غير ذلك، لأنّه لا يروِّي ولا يهمّ
1 . توحيد الصدوق:359، باب نفي الجبر والتفويض، الحديث2.
2 . بحارالأنوار:5/41، كتاب العدل والمعاد، الحديث64.
3 . بحارالأنوار:5/41، الحديث65.
4 . الكافي:1/109، باب الإرادة من صفات الفعل، الحديث1.
(190)
ولا يتفكّر، وهذه الصفات منفية عنه وهي صفات الخلق، فإرادة اللّه، الفعل، لا غير ذلك، يقول له: كن فيكون بلا لفظ ولا نطق بلسان ولا همّة ولا تفكّر ولا كيف لذلك، كما أنّه لا كيف له».(1)
3. روى محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّهـ عليه السَّلام ـ قال: «المشيئة محدثة».(2)
تحليل الروايات الماضية
لا يشكّ ذو مسكة في أنّ الروايات ظاهرة في كون الإرادة من صفات الفعل دون صفات الذات، لما يترتّب على القول الثاني من قدم العالم وغيره، ولما كان القول بكونها من صفات الفعل مخالفاً للأصل المبرهن في الفلسفة الإسلامية من أنّ الإرادة وصف كمال للموجود بما هو موجود، حاول صدر المتألّهين تفسير الروايات بنحو يوافق أُصوله فقال:
«والتحقيق انّ الإرادة تطلق بالاشتراك الصناعي على معنيين:
أحدهما : ما يفهمه الجمهور و هو ضد الكراهة، وهي التي تحصل فينا عقيب تصوّر الشيء الملائم، وعقيب التردّد حتّى يترجح عندنا الأمر، الداعي إلى الفعل أو الترك فيصدر أحدُهما منّا، وهذا المعنى فينا من الصفات النفسانية، وهي والكراهة فينا كالشهوة والغضب فينا وفي الحيوان، ولا يجوز على اللّه، بل إرادته نفس صدور الأفعال منه من جهة علمه بوجه الخير، وكراهته عدم صدور الفعل القبيح عنه لعلمه بقبحه.
وثانيهما: كون ذاته بحيث يصدر عنه الأشياء لأجل علمه بنظام الخير فيها التابع لعلمه بذاته، لا كاتّباع الضوء للمضيء والسخونة للمسخِّن، ولا كفعل
1 . الكافي:1/109، باب الإرادة من صفات الفعل، الحديث 3و7.
2 . الكافي:1/109، باب الإرادة من صفات الفعل، الحديث 3و7.
(191)
المجبورين والمسحّرين، ولا كفعل المختارين بقصد زائد وإرادة ظنيّة يحتمل الطرف المقابل، وقد تحقّقت انّ قيّوم الكلّ إنّما يفعل الكلّ عن علم هو نفس ذاته العليم الذي هو أتمّ العلوم، فإذن هو سبحانه فاعل للأشياء كلّها بإرادة ترجع إلى علمه بذاته، المستتبع لعلمه بغيره، المقتضي لوجود غيره في الخارج لا لغرض زائد وجلب منفعة ـ إلى أن قال : ـ و لما كان فهم الجمهور لا يصل إلى الإرادة بهذا المعنى، بل إلى النحو الذي في الحيوان أو ضدّه الكراهة ويكون حادثاً عند حدوث المراد، جعلها (الإمام) من صفات الأفعال ومن الصفات الإضافية المتجدّدة كخالقيته أو رازقيته.(1)
وقال المولى محمد صالح المازندراني في شرحه على أُصول الكافي: الإرادة تطلق على معنيين كما صرّح به بعض الحكماء الإلهيّين.
أحدهما: الإرادة الحادثة وهي الّتي فُسرت في الحديث بأنّها نفس الإيجاد واحداث الفعل.
وثانيهما: الإرادة التي هي من الصفات الذاتية التي لا توصف الذات بنقيضها أزلاً وأبداً، وهي التي وقع النزاع فيها.
فذهب جماعة إلى أنّها نفس علمه الحق بالمصالح والخيرات وعين ذاته الأحدية.
وذهبت الأشاعرة إلى أنّها صفة غير العلم.(2)
نقد وتحليل
إنّ هذا التفسير للروايات يتمتع بنقاط قوّة، وهي:
1 . شرح أُصول الكافي:1/278.
2 . شرح أُصول الكافي، للمولى محمد صالح المازندراني:3/345.
(192)
أوّلاً: فسّر الإرادة بمعنيين وهي بأحدهما صفة ذات وبالمعنى الآخر فهي صفة فعل.
ثانياً: الإرادة الإنسانية تمتنع أن تقع وصفاً للّه سبحانه فلا محيص من إرجاع الإرادة بهذا المعنى في حقّه سبحانه إلى كونها صفة فعل.
ثالثاً: الإرادة الذاتية بالمعنى المناسب لذاته كانت حقيقة لا تُدرك الأفهام الساذجة غورَها، بل حتّى الأفهام الحادة كسليمان المروزي ، فلذلك لم يذكر الإمام من الإرادة إلاّ ما هو وصف للفعل.
ورابعاً: انّ إصرار أئمّة أهل البيتـ عليهم السَّلام ـ على كون الإرادة من صفات الفعل للحيلولة دون وصف ذاته بالإرادة بهذا المعنى، ولأجل ذلك ركزوا على أنّها من صفات الفعل.
وخامساً: انّ جعل الإرادة من صفات الذات كان مثاراً لشبهة قدم الإرادة بقدم الذات وبالتالي قدم العالم وعامّة مخلوقاته. ولأجل الحيلولة دون طروء هذه الشبهة في الأذهان كان الأئمّةـ عليهم السَّلام ـ يعدّون الإرادة من صفات الفعل.
وممّا يعرب عن ذلك ما رواه سليمان بن جعفر الجعفري قال: قال الرضاـ عليه السَّلام ـ : «المشيئة والإرادة من صفات الأفعال، فمن زعم أنّ اللّه تعالى لم يزل مريداً شائياً فليس بموحّد».(1)
هذه هي نقاط القوة في هذا النوع من التفسير، وعلى الرغم من ذلك فلا يخلو التفسير المذكور من ضعف، وهو انّ إرجاع الإرادة الذاتية إلى العلم بالأصلح إنكار للإرادة والكمال المطلق للموجود.
1 . توحيد الصدوق:338.
(193)
5
ما هو المختار في الإرادة الالهيّة؟
قد مرّ آنفاً التفاسير المطروحة للإرادة الإلهية وعرفت وجوه الضعف فيها، والذي يمكن أن يقال: انّ الإرادة تنقسم إلى: إرادة في مقام الفعل، وإرادة في مقام الذات.
فالإرادة في مقام الفعل هو ما مرّ تفسيره في الأحاديث وكلمات المحقّقين فلا نطيل، ونظير الإرادة هو العلم فإنّه ينقسم إلى العلم في مقام الفعل والعلم في مقام الذات .
فما سوى اللّه علمه سبحانه في مقام الفعل، فكلّ الأشياء بما انّه فعله وخلقه، أيضاً علمه وعرفانه، نظير الصور الذهنية المخلوقة للنفس فهي في حدّ كونها فعلاً للنفس، علم لها.
وهذا هو المستفاد من رواية أئمّة أهل البيتـ عليهم السَّلام ـ ، ولكنّا لا نرى فيها ما يدلّ على نفي الإرادة الذاتية بالمعنى المتناسب لمقام ذاته.
وأمّا الإرادة في مقام الذات فبيانه رهن مقدّمة، وهي انّ الفاعل من حيث العلم بفعله وإرادته واختياره ينقسم إلى أقسام أربعة:
أ. ما يفعل بلا شعور، كالعلل الطبيعية مثل النار والحرارة.
(194)
ب. ما يفعل مع شعور دون أن يكون له إرادة واختيار، كحركة يد المرتعش.
ج. ما يصدر عن الفاعل عن علم وإرادة ولكنّه ليس مختاراً بل مضطرّاً إلى الفعل، وهذا كإرادة المكرَه، فالمكرَه عندنا من أقسام المريد لكنّه ليس بمختار، فانّه يرجح أحد المحذورين على الآخر بإرادته، ولكنّه ليس في ترجيح هذا مختاراً، ولو لم يكن هناك ضغط خارجي لترك العمل من رأس.
د. ما يصدر عن علم وإرادة واختيار، فهذا النوع من الفواعل أتمُّها وأفضلها، لأنّ الفعل يصدر عن الفاعل من صميم ذاته فهو شاعر، مقابل ما ليس بشاعر، مريد، في مقابل من ليس بمريد، مختار في فعله دون أن يكون مكرهاً وعليه ضغط من خارج يبعثه إلى إرادة أحد العملين حتّى يرجح أقل المحذورين.
هذه هي أقسام الفواعل والأخير أفضلها.
إذا علمت ذلك فاعلم أنّ الفاعل المختار من جميع الجهات واجد لكمالات المراتب السابقة، أعني: العلم والإرادة، فانّ الغاية من العلم والإرادة هو جعل الفاعل فاعلاً مختاراً، فإذا حصل الاختيار للفاعل وكان مختاراً في فعله، والفعل صادراً عن صميم ذاته دون أن يكون هناك مكرَهاً فهو واجد لكمالات المراتب السابقة خصوصاً الإرادة.
وعلى ضوء ذلك انّه سبحانه تبارك و تعالى مريد بالذات فهو بهذا المعنى أي أنّه مختار والفاعل المختار واجد لكمال الإرادة وإن لم يكن واجداً لها بحدّها، وهذا ما نسمّيه بالإرادة البسيطة.
والحاصل: انّ الإرادة التفصيلية التي تتألّف من تصوّر الفعل والتصديق
(195)
بالفائدة ورفع الموانع والشوق المؤكّد ثمّ الجزم والتصميم وإن لم تكن موجودة في الذات ولكن نتيجة الإرادة كون الفاعل مختاراً بالذات، متحقّق في الذات وهي موصوفة بها، فكونه مختاراً جامع لعامّة الكمالات السابقة.
وإن شئت قلت: إنّ الإرادة صفة كمال لا لأجل كونها حادثة طارئة متقضّية بعد حدوث المراد، و إنّما هي صفة كمال لكونها رمز الاختيار وسمة عدم المقهورية حتّى أنّ الفاعل المريد المكرَه له قسط من الاختيار، حيث يختار أحد طرفي الفعل على الآخر تلو محاسبات عقلية فيرجّح الفعل على الضرر المتوعّد به، فإذا كان الهدف والغاية من وصف الفاعل بالإرادة هو إثبات الاختيار وعدم المقهورية فوصفه سبحانه بكونه مختاراً غير مقهور في سلطانه، غير مجبور في إعمال قدرته، كاف في جري الإرادة عليه، لأنّ المختار واجد لكمال الإرادة على النحو الأتم والأكمل.
وقد ثبت في محلّه انّه يلزم في إجراء الصفات ترك المبادئ والأخذ بجهة الكمال، فكمال الإرادة ليس في كونها طارئة زائلة عند إيجاد المراد أو كون الفاعل خارجاً بها عن القوة إلى الفعل أو من النقص إلى الكمال، بل كمالها في كون صاحبها مختاراً مالكاً لفعله، آخذاً بزمام عمله، فلو كان هذا هو كمال الإرادة، فاللّه سبحانه واجد له على النحو الأكمل، إذ هو الفاعل المختار غير المقهور في سلطانه «واللّهُ غالبٌ على أمرِه»(1).(2)
1 . يوسف:21.
2 . لاحظ الإلهيات:1/175.
(196)
6
الإرادة التكوينية والتشريعية
تنقسم الإرادة إلى تكوينية وتشريعية، واختلفوا في تفسير هذا التقسيم إلى نظريات:
الأُولى: نظرية المحقّق الخراساني
قال المحقّق الخراساني: الإرادة التكوينية عبارة عن العلم بالنظام على النحو
(197)
الكامل التام، والإرادة التشريعية هو العلم بالمصلحة في فعل المكلّف.(1)
وفسّرهما في موضع آخر بالعبارة التالية وقال: لا محيص عن اتّحاد الإرادة والطلب و ان يكون ذلك الشوق المؤكّد المستتبع لتحريك العضلات في إرادة فعله بالمباشرة(التكوينيّة) أو المستتبع لأمر عبيده به فيما لو أراده لا كذلك (لا بالمباشرة) مسمّى بالطلب والإرادة .(2)
والعبارة الأُولى ناظرة إلى تفسير الإرادتين في حقّه سبحانه، والثانية ناظرة إلى تفسيرهما في الإنسان.
فالإرادة التكوينية على التفسير الأوّل هو العلم بالنظام على النحو الكامل، والإرادة التشريعية هو العلم بالمصلحة في فعل المكلّف; ولكنّهما على التفسير الثاني عبارة عن الشوق المؤكّد المستتبع إمّا لتحريك العضلات فهي الإرادة التكوينية، أو المستتبع لأمر العبيد به فهي التشريعية.
ولا يخفى ضعف التفسيرين.
أمّا الأوّل، فلأنّ تفسير الإرادة الإلهية التكوينية بالعلم بالنظام على النحو الكامل والتشريعية بالعلم بالمصلحة، تفسير غير تام، لما مرّ من أنّ واقع الإرادة غير واقع العلم.
وأمّا التفسير الثاني، فلأنّ تفسير الإرادة بالشوق المؤكّد الذي هو الجامع بين الإرادة التكوينية والتشريعية في الإرادة الإنسانية تفسير ضعيف، إذ ليس الشوق من مبادئ الإرادة ولا نفس الإرادة بشهادة انّ الإنسان كثيراً ما يريد شيئاً ويفعله بلا شوق كشرب الدواء المرّ، وربّما يشتاق ولا يفعله كما في المحرّمات.
الثانية: نظرية المحقّق الإصفهاني
إنّ الإرادة التكوينية تتعلّق بفعل المريد نفسِه، والتشريعية تتعلّق بفعل الغير. ثمّ ذكر في توضيح الثانية ما هذا نصّه:
إنّ فعل الغير إذا كان ذا فائدة عائدة إلى الشخص، ينبعث من الشوق إلى تلك الفائدة، شوق إلى فعل الغير بملاحظة ترتّب تلك الفائدة العائدة إليه، وحيث إنّ فعل الغير ـ بما هو فعل اختياري له ـ ليس بلا واسطة مقدوراً للشخص، بل يتبع البعث والتحريك إليه، لحصول الداعي للغير فلا محالة ينبعث للشخص(الآمر) شوق إلى ما يوجب حصول فعل الغير اختياراً وهو
1 . الكفاية:1/99.
2 . الكفاية:1/96.
(198)
تحريكه إلى الفعل.
فالإرادة التشريعية ليست ما تعلّق بالتحريك والبعث فانّهما من أفعاله(1)، فلا مقابلة بين التشريعية والتكوينية، بل التشريعية من الشوق المتعلّق بفعل الغير اختياراً، وأمّا إذا لم يكن لفعل الغير فائدة عائدة إلى الشخص فلا يعقل تعلّق الشوق به بداهة انّ الشوق النفساني لا يكون بلا داع.(2)
ولمّا كان تفسير الإرادة التشريعية بالشوق المتعلّق بفعل الغير اختياراً، موجباً لانتفاء الإرادة التشريعية في اللّه سبحانه، لعدم تعقّل الشوق في ساحته تعالى، حاول أن يفسّر الإرادة التشريعية بوجه، يناسب ساحته تعالى و قال:
نعم من جملة النظام التام ـ الذي لا أتمّ منه ـ نظام إنزال الكتب وإرسال الرسل والتحريك إلى ما فيه صلاح العباد، والزجر عمّا فيه الفساد، فالمراد بالإرادة الذاتيّة بالعرض لا بالذات، هذه الأُمور دون متعلّقاتها فلا أثر للإرادة التشريعية في صفاته الذاتية; كما في الخبر الشريف المروي في توحيد الصدوقـ قدَّس سرَّه ـ بسنده عن أبي الحسنـ عليه السَّلام ـ قالـ عليه السَّلام ـ :«إنّ للّه إرادتين ومشيّتين: إرادة حتم وإرادة عزم، ينهى وهو يشأ، و يأمر وهو لا يشأ» الخ، وهو ظاهر في أنّ الإرادة التشريعية حقيقتها الأمر والنهي، وانّ حقيقة الإرادة والمشيئة هي الإرادة التكوينية.(3)
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الإرادة التكوينية وإن كانت تقابل الإرادة التشريعية
1 . أي ليست الإرادة التشريعية هي الإرادة المتعلّقة بالبعث، إذ على هذا لا تبقى مقابلة بين الإرادتين حيث تتعلّقان بفعل الآمر.
2 . نهاية الدراية:1/280ـ 281.
3 . نهاية الدراية:1/281ـ 282، الطبعة المحقّقة.
(199)
لكن التقابل لا يقتضي تفسير الأُولى بما يتعلّق بفعل المريد، والأُخرى بما يتعلّق بفعل الغير، بل يكفي وجود التغاير بينهما في خصوصيات المتعلّق بأن يقال: انّ الإرادة مطلقاً في التكوينية والتشريعية تتعلّق بفعل النفس والمريد; غاية الأمر انّه لو كان متعلّقها إيجاد شيء في الخارج كالأكل والشرب توصف بالتكوينية، ولو كان متعلّقها بعث المكلّف إلى إيجاد شيء في الخارج تسمّى تشريعية، وبذلك يظهر عدم صحّة قوله: فالإرادة التشريعية ليست ما تتعلّق بالتحريك والبعث فانّهما من أفعاله فلا مقابلة (أي يلزم عدم المقابلة) بين الإرادتين، لما عرفت من أنّه يكفي في التقابل، وجود الاختلاف في خصوصيات المتعلّق بعد اشتراكهما في كون المتعلّق فيهما هو فعل المريد، غاية الأمر ينقسم فعل المريد إلى قسمين، كما عرفت.
وثانياً: أنّ لازم تفسير التشريعية بالشوق إلى فعل الغير لما فيه فائدة عائدة إلى الشخص المريد، هو كون الإرادة التكوينية أيضاً من مقولة الشوق، وقد عرفت أنّ الإرادة ليست من مقولة الشوق، وربّما يكون هنا شوق ولا إرادة كما تكون إرادة ولا يكون شوق.
وثالثاً: أنّ تقسيم الإرادة إلى التكوينية والتشريعية في مورده سبحانه والإنسان بملاك واحد، وهو إن تعلّقت الإرادة بإيجاد الشيء تكويناً، فالإرادة تكوينية مطلقاً في المالك والمملوك، وإن تعلّقت بالإنشاء والبعث فهي تشريعية كذلك، و هذا بخلاف ما أفاده ـ قدَّس سرَّه ـ حيث فسّر الإرادة التكوينية: بحبه بذاته لذاته، وحبه لأفعاله بالعرض، وأمّا الإرادة التشريعية فهي عبارة عن إرسال الرسل وإنزال الكتب.
(200)
رابعاً: انّ إرسال الرسل وإنزال الكتب من مظاهر الإرادة التكوينية، حيث إنّها عبارة عن ابتهاج الواجب ذاته بذاته وابتهاجه بأفعاله وما يدخل في دار الوجود، بالعرض، ومن أفعاله إرسال الرسل وإنزال الكتب ومعه كيف عدّهما من مظاهر الإرادة التشريعية؟!
الثالثة: نظرية العلاّمة الطباطبائي
وحاصل النظرية عبارة عمّا ذكرناه في نقد نظرية المحقّق الإصفهاني من أنّه لا فرق بين الإرادة التكوينية والتشريعية في أنّ كليهما يتعلّقان بفعل المريد، غاية الأمر إن تعلّقت بفعل المريد غير البعث والزجر فهي إرادة تكوينية، وإن تعلّقت ببعث الغير وزجره عن الشيء فهي إرادة تشريعية، فمتعلّق الإرادتين في الحقيقة فعل المريد; غاية الأمر انّ المتعلّق إن كان الفعل الخارجي فهو إرادة تكوينية، وإن تعلّقت بإنشاء البعث والزجر الذي هو أيضاً فعل المريد فالإرادة تشريعية.
قالـ قدَّس سرَّه ـ معلّقاً على قول صاحب الكفاية«المستتبع لأمر عبيده به فيما لو أراده لا كذلك» ما هذا لفظه: إنّ الإرادة في استتباعها لأمر العبيد من قبيل إرادة الفعل بالمباشرة، وأمّا بالنسبة إلى إرادة فعل العبد مثلاً فلا إرادة في النفس تتعلّق بفعل الغير، بل إنّما هي إرادة إنشائية وتسميتها إرادة متعلّقة بفعل الغير مجاز أو مسامحة، لمكان التلبّس الواقع بين الأمر والمأمور به.
وبه يتبيّن انّ القول بتعلّق الإرادة بفعل المأمور به مسامحة أو خطأ واضح تابع من الاتّحاد المتوهّم بين الأمر والمأمور به، وذلك انّ الإرادة حيثية حقيقية
(201)
رابطة بين الذات المريدة وفعلها القائم بها، وأمّا النفس وفعل غيرها فلا رابطة بينهما حتّى يتوسط بينهما حيثية الإرادة، فالإرادة المتعلّقة بفعل المأمور توهّماً متعلّقة بالحقيقة بأمره بالفعل فتنسب إلى نفس الفعل مجازاً، أو انّ إرادة الأمر لتعلّقها بفعل ما(البعث) له ارتباط بفعل المأمور تعد متعلّقة بنفس فعل المأمور تجوّزاً، كما يقال: أردت الخبز وإنّما أراد أكله، وهذا النحو من الاسناد أو النسبة كثير الدوران في الاستعمال.(1)
وحاصل تلك النظرية: انّ تقسيم الإرادة إلى التكوينية والتشريعية صرف اصطلاح نشأ من غرض خاص، وإلاّ فالإرادة في كلا القسمين تتعلّق بفعل المريد، إذ يمتنع أن تتعلّق الإرادة بفعل الغير، لأنّها لا تتعلّق إلاّ بما كان تحت اختيار المريد وفعل الغير خارج عن اختياره فكيف تتعلّق إرادته به؟! هذا ما بعث السيد العلاّمة الطباطبائي إلى القول بأنّ كلا القسمين من نسيج واحد، وإنّما الاختلاف في المراد، فتارة يكون المراد أمراً تكوينياً، وأُخرى أمراً اعتبارياً كإنشاء البعث المنتزع من الأمر.
وبعبارة أُخرى: إنّ الإنسان بما انّه طالب للكمال ربّما يقوم بالفعل بنفسه الذي يرى فيه الكمال وربّما يستخدم الغير لأجل تبسيط قدرته ونيل الكمال المطلوب عن طريقه، فتكون الغاية من الإرادة التشريعية هو الوصول إلى الكمال المطلوب عن طريق استخدام الغير وبعثه نحو المراد.
هذه هي الإرادة التشريعية الإنسانية، وأمّا الإرادة التشريعية الإلهية فهي أجل من أن تكون لتلك الغاية، لأنّه كمال مطلق لا يتطرّق إليه النقص ولا
1 . حاشية الكفاية، للعلاّمة الطباطبائي:78.
(202)
يتصوّر فوقه كمال، إنّما الغاية لأمره ونهيه هو إيصال المأمور إلى الكمال، وعلى هذا فالإرادة التشريعية في عامّة المراتب بمعنى واحد غير أنّ الغاية تختلف في الإنسان وغيره، فالغرض منها في الإنسان هو طلب الكمال لنفسه وفي حقّه سبحانه هو إيصال الغير إلى الكمال.