(315)
الباب الثالث
الصّفات الخَبَريَّة
* الإِثبات مع التكييف و التشبيه.
* الإِثبات بلا تكليف و لا تشبيه.
* التَّفويض.
* التَّأويل.
* الإِجراء بالمفهوم التصديقي
1 - عرشُهُ سبحانه و استواؤه عليه.
2 - وجهُه سبحانه.
3 - يدُه سبحانه.
(316)
(317)
الصّفات الخَبَرية
قسَّم بعض المتكلمين صفاتِه سبحانه إلى ذاتية و خبرية، و المراد من الأولى أوصافه المعروفة: من العلم و القدرة و الحياة، والمراد من الثانية ما أثبتته ظواهر الآيات و الأحاديث له سبحانه من العلو، والوجه، و اليدين إلى غير ذلك. و قد اختلفت نظريات المتكلمين في تفسير هذا القسم من الصفات إلى أقوال:
الأول - الإِثبات مع التكييف والتشبيه
زعمت المُجَسّمة والمُشَبّهة أنَّ لله سبحانه عينين و يدين مثل الإِنسان. قال الشهرستاني: «أما مُشَبِّهة الحَشَوِيَّة فقد أجازوا على ربّهم الملامسة والمصافحة، و أَنَّ المسلمين المخلصين يعانقونه سبحانه في الدنيا و الآخرة إذا بلغوا في الرياضة والاجتهاد إلى حدّ الإِخلاص»(1).
1 . الملل و النحل، ج 1، ص 105. لاحظ بقية كلامه في هذا المجال فإنه يوقفك على مبلغ وعي المشبهة!.
(318)
و بما أَنَّ التشبيه و التجسيم باطل بالعقل و النقل فلا نحوم حول هذه النظرية.
الثاني - الإِثبات بلا تكييف و لا تشبيه
إِنَّ الشيخ الأشعري و من تبعه يُجْرُون هذه الصفات على الله سبحانه بالمعنى المتبادر منها في العرف، لكن لأجل الفرار عن التشبيه يقولون «بلا تشبيه و لا تكييف».
يقول الأشعري في كتاب (الإِبانة): «إن لله سبحانه وجهاً بلا كيف، كما قال: (وَ يَبْقَى وَجْهُ رَبِّـكَ ذُو الْجَلاَلِ وَ الاِْكْرَامِ)(1)، و إِنَّ له يدين بلا كيف، كما قال: (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)(2)»(3).
و ليست هذه النظرية مختصة بالأشعري، فقد نقل عن أبي حنيفة أنَّه قال: «و ما ذكر الله تعالى في القرآن من الوجه واليد و النفس فهو له صفات بلا كيف».
و قد نقل عن الشافعي أنَّه قال: «و نثبت هذه الصفات و ننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه فقال: (ليس كمثله شيء)».
و قال ابن كثير: «نحن نسلك مسلك السلف الصالح و هو إمرارها كما جاءت من غير تكييف و لا تشبيه»(4).
و حاصل هذه النظرية أَنَّ له سبحانه هذه الحقائق لكن لا كالموجودة في
1 . سورة الرحمن: الآية 27.
2 . سورة ص: الآية 75.
3 . الإِبانة، ص 18.
4 . لا حظ فيما نقلناه عن أبي حنيفة و الشافعي و ابن كثير «علاقة الإِثبات و التفويض»، ص 46 - 49.
(319)
البشر. فله يدٌ وعينٌ، لا كأيدينا و أعيننا و بذلك توفقوا - على حسب زعمهم - في الجمع بين ظواهر النّصوص و مقتضى التنزيه.
تحليل هذه النظرية
لا شك أَنَّه يجب على كل مؤمن الإِيمان بما وصف الله به نفسه، و ليس أحَدٌ أعْرَفَ به منه، يقول سبحانه: (ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ)(1). كما أنَّه ليس لأحد أَنْ يصرف كلامه سبحانه في أَيّ مورد من الموارد عما يتبادر من ظاهره من دون قرينة قطعية تستوجب ذلك. فإِنَّ قول المؤوِّلة - الذين يُؤوّلون ظواهر الكتاب و السنة بحجة أنَّ ظواهرها لا توافق العقل - مردود، إذ لا يوجد في الكتاب و السنة الصحيحة ما يخالف العقل، و إن ما يتصورونه ظاهراً و يجعلونه مخالفاً للعقل ليس ظاهر الكتاب المتبادر منه، و إنما يتخيلونه ظاهراً كما سيبين.
ثم إِنَّ ما جاء به الأشاعرة في هذه النظرية و قولهم بأنَّ لله يداً حقيقة بلا كيف - مثلا - لا يرجع إلى معنى صحيح. و ذلك أنَّ العقيدة الإِسلامية تتسم بالدقة والحصافة، و في الوقت نفسه بالسلامة من التعقيد و الإِبهام، و تبدو جلية مطابقة للفطرة و العقل السليم. و على ذلك فإبرازها بصورة التشبيه و التجسيم المأثور من اليهودية و النصرانية، كما في النظرية الأولى، أو بصورة الإِبهام و الإِلغاز كما في هذه، لا يجتمع مع موقف الإِسلام و القرآن في عرض العقائد على المجتمع الإِسلامي. فالقول بأنَّ لله يداً لا كأيدينا، أو وجهاً لا كوجوهنا، و هكذا سائر الصفات الخبرية أشبه بالألغاز. و ما يلهجون به ويكررونه من أنَّ هذه الصفات تجري على الله سبحانه بنفس معانيها الحقيقية ولكن الكيفية مجهولة، أشبه بالمهزلة. إذ لو كان إمرارها على الله
1 . سورة البقرة: الآية 140.
(320)
تعالى بنفس معانيها الحقيقية، لوجب أنْ تكون الكيفية محفوظة حتى يكون الاستعمال حقيقياً، لأنَّ الواضع إنما وضع هذه الألفاظ على تلك المعاني التي قوامها بنفس كيفيتها. فاستعمالها في المعاني الحقيقية و إثبات معانيها على الله سبحانه بلا كيفية، أشبه بكون حيوان أسداً حقيقة ولكن بلا ذنب ولا مخلب و لا ناب ولا ولا....
و باختصار، قولهم إِنَّ لله يداً حقيقة لكن لا كالأيدي، كلام يناقض ذيله صدره. فاليد الحقيقية عبارة عن العضو الذي له تلك الكيفية المعلومة، و حذف الكيفية حذف لحقيقتها و لا يجتمعان.
أضف إلى ذلك أنَّه ليس في النصوص من الكتاب و السنَّة من هذه «البلكفة» (أي بلا كيف) عينٌ ولا أثر، و إنما هو شيء اخترعته الأفكار للتدرع به في مقام رد الخصم عن تهجمه عليهم بتهمة التجسيم و لذلك يقول العلامة الزمخشري:
وَقَدْ شَبّهوهُ بِخَلْقِهِ وَ تَخَوَّفُوا * شَنْعَ الوَرَى فَتَسَتَّروا بالبَلْكَفَة
ليت شعري، لو كَفَتْ هذه اللفظة في دفع التجسيم و التشبيه، فليكف في مجالات أُخر بأنْ يُقال في حقه سبحانه إِنَّ له جسماً لا كسائر الأجسام، و إِنَّ له دماً لا كسائر الدماء ولحماً لا كسائر اللحوم. حتى إِنَّ بعض المتجرئين من المشبَهة قال: «إنَّما استحييت، عن إثبات الفرج و اللحية، واعفوني عنهما واسألوا عمّا وراء ذلك»(1).
و بذلك تبين أنَّ عقيدة الأشعري في باب الصفات الخبرية لا تخرج، عن إطار أحد الأمرين التاليين:
1 . الملل و النحل ج 1، ص 105.
(321)
1ـ التجسيم والتشبيه - لو أجريت هذه الصفات على الله سبحانه بمعانيها المعهودة في الأذهان و مع حفظ حقيقتها.
2ـ التعقيد والغموض - لو أجريت على الله سبحانه بمعانيها المتبادرة من دون تفسير و توضيح. فالقوم بين مُشَبّه و مُعَقّد، بين مجسم و مُلَقْلِق باللسان.
و في الختام نقول إِنَّ نظرية «الإِثبات بلا تكييف» و إنْ كانت رائجة في عصر الأشعري و قبله و بعده، ولكنها هُجرت بعد ذلك إلى أنْ جاء ابن تيميَّة الحرّاني فجددها و أثارها و أسماها مذهب السلف، و جعل مذهبهم بين التعطيل و التشبيه. قال في جملة كلام له: «فلا يمثلون صفات الله تعالى بصفات خلقه و لا ينفون عنه ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله فيعطلوا أسماءه الحسنى و صفاته العليا - إلى أنْ قال: و لم يقل أحد من سلف الأمة و لا من الصحابة و التابعين إنَّ الله ليس في السماء، ولا إنَّه ليس على العرش، ولا إنَّه في كل مكان، ولا أَنَّ جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، و لا إنَّه داخل العالم و لا خارجه، و لا متصل و لا منفصل، و لا إنَّه لا تجوز الإِشارة الحسيّة إليه بالأصابع و نحوها»(1).
و على ذلك قال أبوزهرة: «يقرر ابن تيمية أنَّ مذهب السلف هو إثبات كل ما جاء في القرآن من فوقية و تحتية، و استواء على العرش، و وجه، و يد ،و محبة و بغض، و ما جاء في السنة من ذلك أيضاً من غير تأويل، و بالظاهر الحرفي. فهل هذا هو مذهب السلف حقاً؟ و نقول في الإِجابة عن ذلك: لقد سبقه بهذا الحنابلة في القرن الرابع الهجري كما بيّناه، و ادّعوا أَنَّ ذلك مذهب السلف، و ناقشهم العلماء في ذلك الوقت و أَثبتوا أَنَّه يؤدي إلى التشبيه و الجسمية لا محالة، فكيف لا يؤدي إليهما و الإِشارة الحسية إليه جائزة.
1 . المجموعة الكبرى في مجموعة الرسائل الكبرى، ص 489.
(322)
و لذا تصدّى لهم الإِمام الفقيه الحنبلي الخطيب إبن الجوزي، و نفى أن يكون ذلك مذهب السلف»(1).
إِنَّ لابن الجوزي كلاماً مبسوطاً في نقد هذه النظرية و قد هاجم أحد الحنابلة المروجين لها أعني القاضي أَبا يَعْلَى الفقيه الحنبلي المشهور المتوفي سنة 457 هـ ، حيث قال: «لقد شَأَنَ أبو يَعْلَى الحنابلة شيئاً لا يغسله ماء البحار». و لأجل ذلك استتر هذا المذهب حتى أعلنه ابن تيميَّة بجرأة خاصة له.
ثم إنَّ أبا زهرة المعاصر انتقل إلى ما ذكرناه في نقد تلك النظرية و قال:
«ولنا أن ننظر نظرة أخرى و هي من الناحية اللغوية. لقد قال سبحانه: (يد الله فوق أيديهم). و قال: (كل شيء هالك إلاّ وجهه). أهذه العبارات يفهم منها تلك المعاني الحسية؟ أم أنها تفهم منها أمور أخرى تليق بذات الله تعالى؟ فيصح أَن تفسر اليد بالقوة (كناية أو استعارة عنها) و يصح أن يفسر الوجه، بالذات.
و يصح أن يفسّر النزول إلى السماء الدنيا بمعنى قرب حسابه، و قربه سبحانه و تعالى من العباد. و إن اللغة تتسع لهذه التفسيرات، و الألفاظ تقبل هذه المعاني. و هو أولى بلا شك من تفسيرها بمعانيها الظاهرة الحرفية، والجهل بكيفياتها. كقولهم: «إنّ لله يداً ولكن لا نعرفها»، «ولله نزولا لكن ليس كنزولنا» الخ...فإن هذه إحالات على مجهولات، لا نفهم مؤداها، و لا غاياتها. بينما لو فسّرناها بمعان تقبلها اللغة و ليست غريبة عنها لوصلنا إلى أمور قريبة فيها تنزيه و ليس فيها تجهيل»(2).
ثم إنَّ للغزالي كلاماً متيناً في نقد هذه النظرية نأتي بخلاصته. يقول:
1 . تاريخ المذاهب الإِسلامية، ج 1، ص 218.
2 . المصدر نفسه، ص 219 - 220.
(323)
«إِنَّ هذه الألفاظ التي تجري في العبارات القرآنية و الأحاديث النبوية لها معان ظاهرة، و هي الحسّية التي نراها. و هي محالة على الله تعالى و معان أخرى مجازية مشهورة يعرفها العربي من غير تأويل و لا محاولة تفسير.
فإذا سمع اليد في قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ «إِنَّ الله خمَّر آدم بيده» و «إِنَّ قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن»، فينبغي أنْ يعلم أَنَّ هذه الأَلفاظ تطلق على معنيين: أحدهما - و هو الوضع الأصلي - و هو عضو مركب من لحم و عظم و عصب. و قد يستعار هذا اللفظ أعني اليد لمعنى آخر ليس هذا المعنى بجسم أصلا، كما يقال: «البلدة في يد الأمير»، فإِنَّ ذلك مفهوم و إِنْ كان الأَمير مقطوع اليد. فعلى العامي و غير العامي أنْ يتحقق قطعاً و يقيناً أَنَّ الرسول لم يرد بذلك جسماً و أَنَّ ذلك في حق الله محال. فإنْ خطر بباله أَنَّ الله جسم مركب من أعضاء، فهو عابِدُ صَنَم. فإِنَّ كل جسم مخلوق، و عبادة المخلوق كُفْر، و عبادة الصنم كانت كفراً، لأَنه مخلوق»(1).
و لقد أحسن الغزالي حيث جعل تفسير اليد في مثل قوله سبحانه: (يَدُ اللهَ فَوْقَ أيْديِهم)بالقدرة، معنى للآية من غير تأويل، و توضيحاً لها من دون محاولة تفسيرها. و هذا ما سنركز عليه بعد البحث عن عقيدة المؤوِّلة و نقول إِنَّ الواجب اتباع ظاهر الآية و السنة بلا انحراف عنه سواء أكان موافقاً لمعانيها الحرفية و الإِفرادية أم لا، و هذه هي المزلقة الكبرى للحنابلة و نفس الإِمام الأشعري، فزعموا أنَّ الواجب اتباع معانيها الحرفية سواءٌ أكانت موافقة للظاهر أم لا.
الثالث - التفويض
و قد ذهب جمع من الأشاعرة و غيرهم إلى إجراء هذه الصفات على الله سبحانه مع تفويض المراد منها إليه.
1 . الجاء العوام.
(324)
قال الشهرستاني:
«إن جماعة كثيرة من السلف يثبتون صفات خبرية مثل اليدين و الوجه ولا يؤولون ذلك، إِلاّ أنهم يقولون إنا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه، مثل قوله: (الرَّحمنُ عَلى العَرشِ اسْتَوىَ)، و مثل قوله: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ).ولسنا مكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات، بل التكليف قد ورد بالإِعتقاد بأنه لا شريك له، و ذلك قد أثبتناه»(1).
و إليه جنح الرازي و قال:
«هذه المتشابهات يجب القطع بأنَّ مراد الله منها شيء غير ظواهرها، كما يجب تفويض معناها إلى الله تعالى و لا يجوز الخوض في تفسيرها»(2).
تحليل نظرية التفويض
إِنَّ التفويض شعار من لا يريد أن يقتحم الأبحاث الخطيرة، و يرى أنه يكفيه في النجاة قول رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «بُنِيَ الإِسلام على خمس: شهادة أنْ لا إله إلاّ الله و أنَّ محمداً رسول الله، و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة و الحج وصوم رمضان»(3).
ولأنه يرى أنَّ التفويض أسلم من الإِثبات الذي ربما ينتهي به إمّا إلى التشبيه و التجسيم الباطلين أو إلى التعقيد و الإِبهام اللَّذين لا يجتمعان مع سِمَة سهولة العقيدة.
ولكنَّ أهل الإِثبات - أعني اصحاب النظريتين السابقتين - عابوا على نظرية التفويض بأنَّ غاية تلك النظرية مجرد الإِيمان بألفاظ القرآن و الحديث
1 . الملل و النحل، ج 1، ص 92 - 93 بتلخيص.
2 . .أساس التقديس، ص 223.
3 . صحيح البخاري، ج 1، كتاب الإِيمان، ص 7.
(325)
من غير فقه و لا فهم لمراد الله و رسوله منها. فإنَّ الإِيمان بالألفاظ و تفويض معانيها إلى الله سبحانه بمنزلة القول بأنَّ الله تعالى خاطبنا عبثاً، لأنه خاطبنا بما لا نفهم، والله يقول: (وَ مَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ)(1).
أقول: إِنَّ لأهل التفويض عذراً واضحاً في هذا المجال، فإنهم يتصورن أنَّ الآيات المشتملة على الصفات الخبرية، من الآيات المتشابهة، و قد نهى سبحانه عن ابتغاء تأويلها و أمر عباده بالإِيمان بها. فقال سبحانه: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الاَْلْبَابِ)(2). فلا عتب عليهم إذا أعرضوا عن تفسيرها وفوضوا معانيها إليه سبحانه. نعم، الإِشكال في عدم كون هذه الآيات من الآيات المتشابهة، فإِنَّ المفاد فيها غير متشابه إذا أمعن فيها الإِنسان المتجرد عن كل رأي سابق، كما سيوافيك بيانه.
والعجب أنَّ ما عابوا به أصحاب التفويض وارد عليهم أيضاً، فإِنَّ إثبات الصفات الخبرية بمعانيها الحرفية التي تتبادر عند إيرادها مفردة، مع حفظ التنزيه، تجعلها ألفاظاً بلا معان واضحة. لأنَّ الكيفية المتبادرة من هذه الصفات هي المقومة لمَعَانيها فإِثبات مفاهيمها الحرفية مع سَلْب كيفيّاتها أشبه بإِثبات الشيء في عين سلبه. فعندئذ تنقلب الآيات البيّنات الدّالة على أشرف المعاني و أجلِّها إلى آيات غير مفهومة و لا معقولة. و كأنَّ الله تعالى خَاطَبهم و هم أميون لا يعلمون من الكتاب إِلاَّ أماني.
1 . سورة ابراهيم: الآية 4. الفتوحات المكية، ج 4، ص 928. و تبعه ابن تيمية في هذا النقد كما نقله في علاقة الإثبات و التفويض، ص 60.
2 . سورة آل عمران: الآية 7.
(326)
الرابع - التأويل
إِنَّ المعتزلة هم المشهورون بهذه النظرية حيث يفسرون اليد بالنعمة و القدرة، و الإِستواء بالإِستيلاء و إظهار القدرة. و سيظهر حقيقة التأويل في هذه الآية عندما نورد عبارات تفسير (الكتشاف) الذي أَلف على نمط اعتزالي.
و يلاحظ عليهم: إِنَّ تأويل نصوص الآيات و ظواهرها مع قطع النظر عن مورد الصفات الخبرية، ليس بأقل خطراً من نظرية الإِثبات، إذ ربما ينتهي التأويل إلى الإِلحاد و إنكار الشريعة(1).
و ما أقبح قول من يقول: «إنَّ ظاهر القرآن يخالف العقل الصحيح، فيجب ترك النَّقل لأجل صريح العقل».
أو يقول: «التمسك في أصول العقائد بمجرد ظواهر الكتاب و السنَّة من غير بصيرة، هو أصل الضلالة، فقالوا بالتشبيه و التجسيم و الجهة عملا بظاهر قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ استَوىَ)(2).
وذلك لأنه لا توجد آية في الكتاب العزيز يخالف ظاهرها صريح العقل، فإنَّ ما يتخيلونه ظاهراً ليس بظاهر، بل الآية ظاهرة في غير ما تصوروه، وإنما خلطوا الظاهر الحرفي بالظاهر الجُمَلي. فإنَّ اليد مفردة ظاهرة في العضو الخاص وليست كذلك فيما إذا حفّت بها القرائن وجعلتها ظاهرة في معنى آخر. فإنَّ قول القائل في مدح إنسان: إنَّه «باسط اليد»، أو في ذمه بأنه «قابض اليد»، ليس ظاهراً في اليد العضوية الّتي أسميناها بالمعنى الحرفي بل ظاهر في البذل والعطاء أو في البخل والإِقتار وربما يكون مقطوع اليد. وحمل الجملة على غير ذلك المعنى، حمل على غيرظاهرها.
1 . قد استوفى الشيخ الأستاذ دام ظله الكلام في أقسام التأويل في مقدمة الجزء الخامس من موسوعته القرآنية «مفاهيم القرآن» ص 12 - 16.
2 . شرح أم البراهين، ص 82 - كما في علاقة الإِثبات و التفويض، ص 67.
(327)
و على ذلك يجب ملاحظة كلام المؤولة، فإن كان تأْويلُهم على غرار ما تقدّم منا، (تمييز الظاهر الجُمَلي عن الظاهر الإِفرادي)، فهؤلاء ليسوا بمؤوِّلة، بل هم مقتفون لظاهر الكتاب و السنَّة، و لا يصحّ تسمية تفسير الكتاب العزيز - على ضوء القرائن الموجودة فيه - تأويلا، و إنما هو اتباع للنصوص و الظواهر. و إنْ كان تأويلهم باختراع معان للآيات من دون أن تكون في الآيات قرائن متصلة دالة عليها، فهم المؤوِّلة حقاً، و ليس التأويل بأقل خطراً من الإِثبات المنتهي إما إلى التجسيم أو إلى التعقيد و الإِبهام.
و باختصار، إِنَّ الذي يجب التركيز عليه هو أَنَّ الكلية (لزوم الأخذ بالكتاب و السنَّة)، أمرٌ مسلَّم فيجب على الكل اتباع الذّكر الحكيم من دون أي تحوير أو تحريف، و من دون أي تصرف و تأويل. إِنما الكلام في الصغرى، أي تشخيص الظاهر عن غيره إذْ به ترتفع جميع التوالي الفاسدة.
ولو أنَّ قادة الطوائف الإِسلامية و أصحاب الفكر منهم نبذوا الآراء المسبقة و الأَفكار الموروثة، وركَّزوا البحث على تشخيص الظاهر من غيره، حسب المقاييس الصحيحة، لارتفع جدالُ النَّاسِ و نقاشُهم حَوْل الصّفات، الذي دار عبر مِئَات السنين، و الذي لم يكُن نابعاً إلاّ من إيثَار الهَوَى على الحق.
***
الخامس - الإِجراء بالمفهوم التصديقي
و حقيقة هذه النظرية أَنَّه يجب الإِمعان في مفهوم الآية و مرماها و مفادها التصديقي (لا التَصَوّري) ثم توصيفه سبحانه بالمعنى الجُمَلي المفهوم منها من دون إِثبات المعنى الحرفي للصفات و لا تأْويلها.
توضيحه: إِنَّ للمفردات حكماً و ظهوراً عند الإِفراد، وللجمل المركبة من
(328)
المفردات ظهوراً آخر. و قد يتحد الظهوران و قد يتخالفان. فلا شك أَنك إذا قلت «أسدٌ»، فإِنَّه يتبادر منه الحيوان المفترس. كما أنَّك إذا قلت «رأيْتُ أسداً في الغابة» يتبادر من الجملة نفس ما تبادر من المفرد.
و أما إذا قلت «رأيت أسداً يرمي» فإِنَّ المتبادر من الأسد في كلامك غير المتبادر منه حرفياً و انفراداً و هو الحيوان المفترس بل يكون حمله عليه، حملا على خلاف الظاهر. و أما حمله و تفسيره بالبطل الرامي عند القتال فهو تفسير للجملة بظاهرها من دون تصرف و تأويل.
ولو سمع عربي صميم قول الشاعر:
لَدَى أسَد شَاكِ السَّلاحِ مُجَرّبِ * لَهُ لُبَدٌ، أَظْفَارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ
فلا يشك في أَنَّ المراد من الأسد هو البطل المقدام المقتحم لجبهات القتال لا الحيوان المفترس. و كذا لو سمع قول القائل:
أَسَدٌ عَلَيَّ وَ في الحُروبِ نَعَامَةٌ * فَتخاءُ تَنْفِرُ مِنْ صَفِيرِ الصَّافِرِ
لا يتردد في نفسه بأنّ المراد هو الإِنسان المتظاهر بالشجاعة أمام الضعفاء، الخائف المُدْبِر عند لقاء الأبطال. فلا يصح لنا أن نتّهم من يفسر البيتين بالإِنسان الشجاع أو المتظاهر به، بأنه من المؤوِّلة. بل هو من المثبتين للمعنى من دون تأويل و لا تحوير.
فالواجب علينا هو الوقوف على المفاد التَّصديقي و إثباته لله سبحانه لا الجمود على المعنى الحرفي التصوري، و إثباته أو نفيه عن الله سبحانه. و لو أَنَّ القوم بحثوا عن مفاد الآيات، مجرّدين عن الآراء المسبقة، لوقفوا على الظّاهر التصديقي و أَثبتوه لله سبحانه من دون أن يكون هناك و صمة تأويل و تصرف أو مغبَّة تجسيم و تشبيه.
و لأجل إراءة نموذج من هذا النَّمط من البحث نركز على موارد مما وقع
(329)
في مجال النقاش بين المثبتين و المؤوِّلين، حتى يتّضح أنَّ الإِثبات بالمعنى الذي يتبناه المثبتون، و التأويل و التصرف على النحو الذي ارتكبه المؤوِّلون، غير صحيح و لا تام، بل هناك إثبات مجرد عن التجسيم و الإِبهام و التأويل.
***
(330)
(331)
1ـ عرشُه سبحانه و استواؤُه عليه
إِنَّ من صفاته سبحانه كونه مستوياً على عرشه. و قد جاء هذا الوصف في كثير من الآيات، فقد ورد لفظ العرش في الذكر الحكيم اثنين و عشرين مرة. كما ورد لفظ «عرشه» مرة واحدة، و الكل راجع إلى عرشه سبحانه إلاّ آيتان هما: قوله سبحانه: (وَ أُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْء وَ لَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ)(1). و قوله سبحانه: (وَ رَفَعَ أَبَويْهِ عَلَى الْعَرْشِ)(2) كما ورد الإستواء اثنى عشر مرة، و هي ما عدا ثلاث آيات - راجعة إلى استوائه سبحانه على العرش.
و قد ادعى أَهل الحديث و تبعهم الأشعري أَنَّ الآيات ظاهرة في أنَّ له سبحانه عرشاً و أنه مستو عليه، غير أَنَّ الكيف مجهول. و قد أخذ المشبّهة بما ادعاه أهل الحديث من الظاهر من دون القول بكون الكيف مجهولا.
و قد أثارت هذه المسألة في الأوساط الإِسلامية ضجيجاً و عجيجاً بالغين بين الصّفاتية و المؤوّلة. و نحن نقول، لو أنَّ الباحثين أمعنوا النَّظر في هذه الآيات مجرّدين عن كل ما يحملونه من العقائد الموروثة، لوقفوا على
1 . سورة النمل: الآية 23.
2 . سورة يوسف: الآية 100.
(332)
مفادها، و أنها لا تهدف إلى ما عليه الصفاتية من أنَّ له سبحانه عرشاً و سريراً ذا قوائم، موضوعاً على السماء والله جالس عليه، والكيف إمَّا معلوم أو مجهول. و لا على ما عليه المؤوّلة من تأويل الآية بمعنى حاجة الآية إلى حملها على خلاف ظاهرها، بل القرائن الموجودة في بعض هذه الآيات تُضفي على الآية ظهوراً في المعنى المراد من دون مس بكرامة التنزيه و لا تَعَمّد و تَعَمّل في التأويل، فالآيات لا تحتاج إلى التأويل أي حملها على معان ليست الآيات ظاهرة فيها.
لا شك أَنَّ العرش بمعناه الحرفي معلوم لكل أحد بلا شبهة.
قال ابن فارس: «عرش: العين و الراء و الشين أصل صحيح واحد، يدل على ارتفاع في شيء مبني، ثم يستعار في غير ذلك. من ذلك العرش، قال الخليل العرش: سرير المَلِك. و هذا صحيح، قال الله تعالى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ). ثم استعير ذلك، فقيل لأمر الرجل و قوامه: عرش. و إذا زال عنه قيل: ثلّ عرشه. قال زهير:
تَدَاركْتُما الأَحلافَ قَدْ ثلّ عَرْشَها * و ذبَيانَ إذْ زلّتْ بأقْدامِها النَّعْلُ»(1)كما أنَّ الاستواء معلوم لغة فإِنَّه التمكّن و الاستيلاء التام. قال الرَّاغب في مفرداته: «واستوى يقال على وجهين: أحدهما يسند إليه فاعلان فصاعداً. نحو: استوى زيد و عمرو في كذا، أي تساويا. و قال تعالى: (لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ الله). و الثاني أن يقال لاعتدال الشيء في ذاته نحو:(ذُو مِرَّة فَاسْتوى)، (فإذا استويت أنت)، (لِتَسْتَوُوا على ظُهُورِهِ)، (فَاْستَوَى عَلى سُوقِهِ). و متى عُدّي بـ «على» اقتضى معنى الاستيلاء كقوله: (الرّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى)»(2).
1 . معجم مقاييس اللغة، ج 4، ص 264.
2 . مفردات الراغب، مادة «سوا».
(333)
والذي نركّز عليه هو أنَّ الاستواء في الآية ليس ظاهراً في معنى الجلوس و الإِعتماد على الشيء، بل المراد هو الاستيلاء و التمكن التام، كناية عن سعة قدرته و تدبيره. و قد استعمل الإِستيلاء بهذا المعنى في غير واحد من أبيات الشعر. قال الأخطل يمدح بشراً أخا عبدالملك بن مروان حين ولي إمرة العراق:
ثُمَّ اسْتَوى بِشْرٌ على العِراقِ * مِنْ غَيْرِ سَيْف وَدَم مِهْراقِ(1)
و قال آخر:
فَلمَّا عَلَوْنا وَاستَوَيْنا عَلَيْهِم * تَرَكْنَاهُم صَرْعَى لِنَسْر و كاسِرِ
إِنَّ المقصود هو استيلاء بِشْر على العراق و قوم القائل في البيت الثاني على العدو. و ليس العلوها هنا علواً حسيّاً بل معنوياً.
إذا عرفت ذلك فنقول، لو أخذنا بالمعنى الحرفي للعرش، كما هو المتبادر من قوله سبحانه: (وَلَها عَرْشٌ عَظِيْمٌ)(2)، فيجب أنْ نقول إِنَّ لله سبحانه عرشاً، كعروش الملوك و السلاطين. و عند ذلك يتمحض المراد من استوائه عليه، بالجلوس عليه متمكّناً.
و أما لو نبذنا هذا المعنى، و قلنا بأنَّ المراد من الظاهر هو الظهور التصديقي. و هو المتبادر من مجموع الآية بعد الإمعان في القرائن الحافة بتلك الجملة، يكون المراد من الآية هو الكناية عن استيلائه على مُلكه في الدنيا و الآخرة و تدبيره من دون استعانة بأحد.
والجُمَل الواردة في كثير من الآيات الحاكية عن استوائه على العرش تدل
1 . البداية و النهاية، ج 9، ص 7.
2 . سورة النحل: الآية 23 .
(334)
على أنَّ المراد هو الثاني دون الأول، و تثبت بأنَّ المقصود بيان قيامه بتدبير الأمر قياماً ينبسط على كل مادَقَّ وَجَلّ، و أنه سبحانه كما هو الخالق فهو المُدَبّر أيضاً.
و قد إستعان - لتبيين سعة تدبيره الذي لا يقف على حقيقته أحد - بتشبيه المعقول بالمحسوس و هو تدبير الملوك و السلاطين ملكهم متكئين على عروشهم و الوزراء محيطون بهم. غير أَنَّ تدبيرهم تدبير تشريعيّ و تقنينيّ و تدبيره سبحانه تدبير تكوينيّ.
و يدل على أَنَّ المراد هو ذلك أمران:
الأمر الأول: إنَّه سبحانه قد أتى بذكر التدبير في كثير من الآيات بعد ذكر إستوائه على العرش. فذكر لفظ التدبير تارة، و مصداقه و حقيقته أخرى. أما ما جاء فيه التدبير بلفظه، فقوله سبحانه:
أ - (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الاَْرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَدَبِّرُ الاَْمْرَ مَا مِن شَفِيع إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ)(1).
ب - (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لاَِجَل مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الاَْمْرَ يُفَصِّلُ الآَيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ)(2).
ج - (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَـاوَاتِ وَ الاَْرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيّ وَ لاَ شَفِيع أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الاَْمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الاَْرْضِ )(3).
1 . سورة يونس: الآية 3.
2 . سورة الرعد: الآية 2.
3 . سورة السجدة: الآيتان 4 - 5.
(335)
ففي الآية الأولى يُرَتِّب سبحانه التدبير على قوله: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلى العَرْش)ليكون المعنى «استوى على عرش التّدبير». كما أنَّه في الآية الثانية بعد ما يذكر قسماً من التدبير وهو تسخير الشمس و القمر يُعطي ضابطة كلية لأمر التدبير و يقول: (ويُدَبّرُ الأَمْرَ). و على غرار الآية الأولى، الآية الثالثة.
و أما ما جاءت فيه الإِشارة إلى حقيقة التدبير من دون تسميته فمثل قوله سبحانه: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْـلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتِ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَْمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)(1).
فقوله: (يُغْشِي اللَّيل النَّهار) الآية إشارة إلى حقيقة التدبير و بيان نماذج منه، ثم أتْبَعَه ببيان ضابطة كلية و قال: (ألا لَهُ الخَلْقُ و الأَمْرُ). أي إليه يرجع الخلق و الإِيجاد و أمر التدبير.
و قس على هاتين الطائفتين سائر الآيات. ففي الكل إلماع إلى أَمر التدبير إمّا بلفظه أَو ببيان مصاديقه، حتى قوله سبحانه: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَ حُمِلَتِ الاَْرْضُ وَ الْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَ حِدَةً * فَيَوْمَئِذ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَ انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَـئِذ وَاهِيَةٌ * وَ الْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَـئِذ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَـئِذ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ)(2). فالعرش في هذه الآية هو عرش التدبير و إدارة شؤون الملك يوم لا مُلْكٌ إلاّ ملكه. قال تعالى: (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)(3).
و قال سبحانه: (وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ)(4).
1 . سورة الاعراف: الآية 54.
2 . سورة الحاقة: الآيات 13 - 18.
3 . سورة غافر: الآية 16.
4 . سورة الانعام: الآية 73.
(336)
فهذه الآيات تعبّر عن معنى واحد و هو تصوير سيطرة حكمه تعالى في ذلك اليوم الرهيب. قال سبحانه: (أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ)(1).
و قال سبحانه: (هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَ خَيْرٌ عُقْباً)(2).
فالمتدبّر في هذه الآيات يقف على أنها تهدف إلى حقيقة واحدة و هي أنَّ خلق السموات والأرض، لم يعجزْه عن إدارة الأمور و تدبيرها، و أما جلوسه على العرش بمعناه الحرفي فليس بمراد قطعاً.
الأمر الثاني: إنه قد جاء لفظ الإِستواء على العرش في سبع آيات مقترناً بذكر فعل من أفعاله و هو رفع السموات بغير عمد، أو خلق السَّموات و الأرض و ما بينهما في ستة أيام أو ما يشبه ذلك . فإِنَّ ذاك قرينة على أنَّ المراد منه ليس هو الإِستواء المكاني، بل الإِستيلاء و السيطرة على العالم كله. فكما لا شريك له في الخلق و الإيجاد، لا شريك له أيضاً في المُلك و السلطة. ولأجل ذلك يحصر التدبير بنفسه، كما يحصر الخلق بها و يقول: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَْمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)(3).
فالجمود على ظهور المفردات و ترك التفكّر و التعمّق، ابتداع مفض إلى صريح الكفر. حتى أَنَّ من فسِّر قوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ)(4) بأنَّ لله مِثْلا، و ليس كَمِثْلِهِ مِثْل، وقع في مغبة الشّرك و حبائله.
والإستناد إلى الأحاديث التي يرويها ابن خزيمة و من تبعه، استناد إلى أمور جذورها من اليهود و النَّصارى. و قد عرّف الرازي ابن خزيمة و كتابه المعروف بـ «التوحيد» بقوله: «واعلم أن محمد بن اسحاق بن خزيمة
1 . السورة الأنعام: الآية 62.
2 . سورة الكهف: الآية 44.
3 . سورة الاعراف: الآية 54.
4 . سورة الشورى: الآية 11.
(337)
أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ) في الكتاب الذي سماه بـ «التوحيد». و هو في الحقيقة كتاب الشرك، و اعترض عليها. و أنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات لأنه كان رجلا مضطرب الكلام، قليل الفهم، ناقِصَ العقل»(1).
ولأجل ما في التشبيه و التجسيم، و القول بالقدر و الجبر، من مفاسد لا تحصى، قال الدكتور أحمد أمين:
«و في رأيي لوسادت تعاليم المعتزلة إلى اليوم لكان للمسلمين موقف آخر في التاريخ غير موقفهم الحالي، و قد اعجزهم التسليم و شَلّهم الجبر و قعد بهم التواكل»(2).
أقول: و في رأيي، لو سادت الحرية الفكرية على المسلمين، و تجرد المسلمون عن كل رأي سابق ورثوه من أهل الحديث، و نظروا إلى الكتاب العزيز و تمسكوا بالسنَّة الصحيحة المروية عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن طريق أهل بيته ـ عليهم السَّلام ـ الذين عرّفهم الرسول في الحديث المتواتر (حديث الثقلين) لكان للمسلمين موقف آخر في التاريخ غير موقفهم الحالي.
هذا، و على ضوء ماقررنا من الضابطة و الميزان، تَقْدِر على تفسير ماورد في التنزيل من الوجه والعين واليدين و الجنب و الإِتيان والفوقية و ما يشابهها، دون أن تمسّ كرامة التنزيه، و من دون أنْ تخرج عن ظواهر الآيات بالتأويلات الباردة غير الصحيحة. والإِجراء، على النمط التصديقيّ، لا المعنى الحرفي التَّصوريّ.
***
1 . تفسير الامام الرازي، ج 27، ص 150.
2 . ضحى الإِسلام، ج 3، ص 70.
(338)
(339)
2ـ وجهه سبحانه
قد عرفت أنَّ الإِمام الأشعري قال في كتابه (الإِبانة): «بأنَّ لله وجهاً بلا كيف كما قال: (وَ يَبْقَى وَجْهُ رَبِّـكَ ذُو الْجَلالِ وَ الاِْكْرَامِ)(1). و هو يريد بذلك إثبات الوجه لله سبحانه بمعناه الحرفي ولكن فراراً عن التشبيه يذيله بالبلكفة و يقول «بلا كيف».
والمُؤَوِّلة يعتقدون بلزوم التأْويل في الآية و يقولون تأْويلها الذات، ولكن ما قالت به المؤوّلة و إن كان صحيحاً نتيجة، إلاّ أنَّ الآية لا تحتاج إلى التأويل، و إِنما تحتاج إليه لو فرضنا أنَّ الوجه ظاهر في العضو الخاص. و أما لو كان ظاهراً - بسبب القرينة التي سنذكرها - في ذات الشيء و شخصه، فلا تحتاج إليه، و يكون الظاهر المتبادر هو المتبع.
والدليل عليه هو أنَّ الوجه، كما يأتي بمعنى العضو الخاص، يأتي بمعنى الذات. قال ابن فارس: «ربما عبر عن الذات بالوجه، قال:
اَسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْباً لَسْتُ مُحْصِيهِ * رَبَّ العِبادِ إلَيْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ»(2).
1 . سورة الرحمن: الآية 27.
2 . المقاييس، ج 6، ص 88، مادة «وجه».
(340)
و لعل وجه التعبير عن الذات بالوجه، أنَّ وجه الإِنسان أو وجه كل شيء تمام حقيقته عند الناظر، و لأجل ذلك إذا رأى شخص وجه إنسان آخر يقول رأيته، كأنه رأى الذات كلها. و على ذلك فيحتاج حمل اللفظ على واحد من المعنيين الرائجين إلى قرينة، لأَن المعنى الثاني بلغ بكثرة الإِستعمال إلى حد الحقيقة.
والقرينة تعين المعنى الثاني، حيث وصف الوجه بقوله: (ذُو الْجَلاَلِ وَ الإِكْرَام)و من المعلوم أنَّها من صفات الرب، أي ذاته سبحانه، لا من صفات الوجه، أعني الجزء من الكل. ولو كان الوجه هنا بمعنى العضو المخصوص، لوجب أن يجعل «الجلال و الاكرام»، و صفاً للربّ (المضاف إليه)، و يقول «ذي الجلال و الاكرام».
ولأجل ذلك نرى أنه سبحانه جعله و صفاً للمضاف إليه، (الرب) لا المضاف، في آية أخرى و قال سبحانه: (تَبَارَكَ اْسمُ رَبِّكَ ذي الجَلالِ و الإِكرامِ)، و من المعلوم أنَّ الإِسم ليس صاحب هذا الوصف، و إِنما صاحبه هو نفس الرب، و سيوافيك توضيح وافر عند البحث عن كونه سبحانه ليس بجسم في الصفات السلبية.
و هناك كلمة مروية عن الرسول الأعظم و هي: «إِنَّ الله خلق آدم على صورته» فاستدل به المشبهة على أَنَّ لله سبحانه صورة و خلق آدم على طبقها. ولكن القوم لو رجعوا إلى أئمة أَهل البيت لوقفوا على أنَّ الحديث نقل مبتوراً، فقد رَوَى الصدوق بسنده عن علي ـ عليه السَّلام ـ قال: «سمع النبيُّ رجلا يقول لرجل: قبح الله وجهك و وجه من يشبهك. فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : مَهْ، لا تقل هذا، فإِن الله خلق آدم على صورته»(1).
أي على صورة هذا الرجل الذي تسبه و تسب من يشبهه و هو آدم.
1 . التوحيد للصدوق، الباب 12، الحديث 10، ص 152.
(341)
ورَوَى أيضاً عن الحسين بن خالد أنَّه قال للرضا ـ عليه السَّلام ـ : «يا ابن رسول الله: إِنَّ الناس يروون أنَّ رسول الله قال إِنَّ الله خلق آدم على صورته، فقال: قاتلهم الله لقد حذفوا أول الحديث: إِنَّ رسول الله مرّ برجلين يتسابان، فسمع أحدهما يقول لصاحبه: قبح الله وجهك، ووجه من يشبهك، فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : يا عبدالله، لا تقل هذا لأخيك، فإِنَّ الله عزوجل خلق آدم على صورته»(1).
***
1 . التوحيد للصدوق، الباب 12، الحديث 11، ص 153.
(342)
(343)
3ـ يده سبحانه
قال الإِمام الأشعري: «إِنَّ الله سبحانه يدين بلا كيف، كما قال (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)(1). و هو يريد حمل اليد على معناها الحرفي والظهور الإِفرادي، ولكن فراراً عن التشبيه يردفه بقوله «بلا كيف».
لا شك أَنَّ اليد أو اليدين إذا أطلقتا مفردتين، يتبادر منهما العضو الخاص. ولكن هذا ظهوره الإِفرادي، ولا يُتَّبع إلاّ إذا كان موافقاً لظهوره التصديقيّ. و أمَّا إذا كانا متخالفين فالمتبع هو الثاني، فربما يكون ظاهراً في غير هذا، و إليك البيان:
1ـ ربما يكون ظاهراً في القوة: قال سبحانه: (وَ اذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الاَْيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ)(2). ولا شك أنَّه ليس المراد منه العضو الخاص، بل المراد هو القوة، كما يقال: «لفلان يَدٌ على كذا»، أو يقال «مالي بكذا يد» قال الشاعر:
فَاعْمَد لِما تَعْلُو فَمَالَكَ بالذي * لا تَسْتَطيعُ مِنَ الأُمورِ يَدانِ
و بهذا الإِعتبار شبه الدهر و الريح فجعل لهما اليد، و يقال: «يَدُ الدَّهر»
1 . سورة ص: الآية 75.
2 . سورة ص: الآية 17.
(344)
و قال الشاعر «بيد الشمال زمامها»، لما لهما من القوة.
2ـ وربما يكون ظاهراً في النعمة: يقال «لفلان عندي أيادي كثيرة» أي فواضل و إِحسان، «وله عندي يد بيضاء» أي نعمة. قال الشاعر: «فإِنَّ له عندي يَدَيّا و أنْعُماً». فهل يصح أنْ نحمل اليد في هذين الموضعين على العضو الخاص، و نتهم من فسّرها بالقوة في الموضع الأول، و النعمة في الموضع الثاني، بالتأويل و تحريف الآيات؟ كلا، لا.
و بذلك يظهر صحة ما قلناه من أنَّ المتبع ليس هو الظهور الأفرادي بل الظهور التصديقي. ألاترى أنَّه سبحانه ينسب الخدعة والمكر والنسيان إلى نفسه سبحانه في آيات كثيرة منها قوله: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)(1).
والظهور الإِفرادي و المعنى الحرفي لهذه اللفظة (المكر) هو الخدعة، و من المعلوم أنَّ الخدعة، و سيلة العاجز، تعالى عنه سبحانه. بينما الظهور التصديقي يمنع من حمله على المعنى الإِفرادي، لأَنَّ الآية و ما يضاهيها وردت من باب المشاكلة، و هو متوفر في كلام العرب و غيرهم. فليس لنا الحمل على المعنى الحرفي بحجة أنَّه يجب حمل كلام الله على ظاهره، وليس لنا تأُويله وتحريفه. ونحن نقول أَيضاً، يجب علينا حَمْل كلام الله على ظاهره. لكن ما يدعونه من الظاهر ليس ظاهراً للآية و إنما هو ظاهر كلمة من الآية، والمتبع هو ظهورها التصديقي والجمَلي، و هو القوة في الموضع الأَول والنعمة في الموضع الثاني.
إذا وقفت على ما ذكرنا، فيجب إِمعان النظر في قوله سبحانه: (لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)فإِنَّ للمفسرين فيه آراء.
أ - اليد بمعنى القدرة.
1 . سورة الانفال: الآية 30.
(345)
ب - اليد بمعنى النعمة.
و أُورد عليهما أَنَّ قدرة الله واحدة فما وجه التثنية في قوله «بِيَدَيَّ»؟ كما أَنَّ نِعَمَهُ سبحانه لا تُحصى، فلماذا ثنَّاها؟.
ج - اليدان بمعنى القدرة و النعمة، و به يرتفع الإِشكال المتقدم.
أقول: لو دلت القرائن على أنَّ الآية ظاهرة فيما ذكر لوجب الأخذ به، لما عرفت من أنَّ المتبع هو الظهور التصديقي لا الإِفرادي، ولكن لم تتحقق القرائن عندنا.
د - الحمل على المعنى اللُّغوي لكنه كناية عن كونه سبحانه متولياً لخلقه لا غيره، فإِنَّ أكثر الأعمال التي يقوم بها ذواليدين، فإِنما يباشرها بيديه، فغلب العمل باليدين على سائر الأعمال التي تباشر بغيرهما. حتى قيل في عمل القلب «هو مماعملت يداك». ولو سبَّ إِنسان إنساناً آخر و جُزي بعمله، يقال له: «هذا ما قدَّمت يداك». حتى قيل لفاقد اليدين: «يداك أوْكَتاوَفُوك نَفَخ». و لأَجل ذلك ليس فرق بين قولك: «هذا مما عَمِلْتَه» و «هذا ما عملته يداك». و منه قوله سبحانه: (أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَـالِكُونَ)(1).
والكل ظاهر في كونه سبحانه هو المتولي للخلقة، والمبدع لا غيره.
إذا عرفت ذلك، يتبين مرمى الآية و هو أنَّه سبحانه بصدد التنديد بالشيطان قائلا: بأَنك لماذا تركت السجود لآدم مع انّي توليت خلقه و إِيجاده، و أنا أعلم بحاله، والمصالح التي دعت إلى أمرك و أمر الملائكة بالسجود له. فهل استكبرت علي، أم كنت من العالين.
والدليل على أَنَّ الخلق باليدين كناية عن توليه سبحانه لخلقه بذاته و شخصه لا
1 . سورة يس: الآية 71.
(346)
عن توليه و تصديه لخلقه بالعضوين، هو أَنَّ ملاك التنديد إعراض إبليس عن السجود لمصنوعه سبحانه من غير مَدْخَلِيَّة لخلقه بالعضو الخاص (اليد) بحيث لو خلقه بغيرها - و مع ذلك أعرض ابليس عن سجوده - لما توجه إليه لوم.
فالملاك هو الإِعراض عن السجود لما قام به سبحانه من الخلق من دون دخالة لأداة الخلقة.
فإنْ قيل: إذا كان هو المُبدع و المُتَولي لخلق سائر الأَناسي، فلماذا خص خلقه آدم بنفسه؟
قلنا: إِنَّ الإِضافة و التخصيص لبيان كرامته و فضيلته و شنيع فعل إبليس. و مثله قوله سبحانه: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ)(1).
فتخصيص الإِضافة لبيان تشريفه سبحانه، كما يقول: (أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّـائِفِينَ وَ الْعَـاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ)(2).
و مثل ما تقدم، الكلام في قوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفَى بِمَا عَـاهَدَ عَلَيْه اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيماً)(3) فهل عندما نزلت الآية فهم منها السلف الصالح ما ينسبه إليهم ابن تيمية من أنَّ المراد هو المعنى اللغوي لكن ليست يده كيد المخلوقات و هي فوق أيدي الصحابة، أو أنهم فهموا أنَّ المراد سلطان الله و قدرته، بدليل ما فيها من تهديد لمن ينكث، بأنَّ مغبَّة النكث تعود عليه.
فلو تكاثفت الجهود على تشخيص الظواهر، سواء أكانت معان حقيقية أم مجازية، لارتفعت جميع التوالي فلا يلزم تمثيل و لا تشبيه، و لا تعطيل و لا تجهيل، و لا تأويل و خروج عن الظواهر، بل كان أخذاً بالظواهر بالمعنى المتبادر عند أهل اللغة أَجمعين.
1 . سورة الحجر: الآية 29.
2 . سورة البقرة: الآية 125.
3 . سورة الفتح: الآية 10.
(347)
و نحو ذلك لو تدبروا في قوله سبحانه: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ)(1)، لأذعنوا بأنَّ المراد من إثبات بسط اليد لله سبحانه ليس هو البسط الحسي، بل المراد بيان سعة جوده و بذله. كما يذعنون به عند الوقوف على قوله سبحانه: (وَ لاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً)(2).
فعندئذ نتساءل: أي فرق بين الآيتين بحيث أن المثبتين للصفات يحملون الآية الأولى على المعنى المتبادر من اليد عند الإِفراد، ثم لأجل الفرار من التجسيم يعقبونه بقولهم «بلاكيف». و في الوقت نفسه لا يشك هؤلاء أنفسهم في أنَّ المراد من الآية الثانية هو البذل و الجود أو التقتير و البخل؟!!
إلى هنا ظهر أَنَّ ما تمسكت به الحنابلة و الأشاعرة في إثبات الصفات الخبرية لله سبحانه، يبتني على التمسك بالظهورات الحرفية و المعاني الإِفرادية، غافلين عن أنّ المتبع في المحاورات هو الظهور التصديقي برعاية القرائن المتصلة بالكلام و المفهومة عند العرب سواء أوافقت المعاني الإِفرادية أم لا. ولو مشوا على تلك الضابطة لوقفوا على تنزيهه سبحانه عن إثبات هذه الأَعضاء و المعاني له. و قد اكتفينا في هذا المقام بتبيين الأَلفاظ الثلاثة: العرشُ واستواؤه عليه، الوجه، اليد. و على ضوء ما بيناه من الضابطة تقدر على تبيين سائر الأَلفاظ الواردة في الذكر الحكيم والسنَّة الصحيحة.
***
1 . سورة المائدة الآية 64.
2 . سورة الإِسراء: الآية 29.