(79)
الفصل الثالث
الأَسماء و الصّفات
(80)
(81)
أسماؤُه و صفاتُه و أَفعالهُ سبحانه
قد كانَ متوقعاً أَنْ يشكّل الإِلهيون صفاً واحداً في كل ما يرجع إلى المَبْدأ و أسمائه و صفاته و أفعاله، إلاَّ أنهم اختلفوا فيما بينهم من أبسط المسائل إلى أعمقها. و يرجع أَكثر ما يختلفون فيه إلى معرفة أَسمائه و صفاته و أَفعاله. و الإِختلاف في هذه المسائل هو الحجر الأَساس لظهور الديانات و المذاهب في المجتمع الإِنساني العالمي.
فالثنوية، رغم إقرارهم بوجود الإِله الخالق للعالم، يتشعبون إلى عشرات الفرق و الطوائف، و يكفي في ذلك أنْ نلاحظ الديار الهندية و الصينية التي تتواجد فيها الثنوية أكثر من أيّ مكان آخر.
و لا تقصر عنهم المسيحية، فقد انقسمت هذه الديانة إلى يعقوبية و نسطورية و ملكانية و غيرها من الطوائف.
و أما المسلمون، الذين يشكلون أُمة كبيرة من الإِلهيين في العالم فقد افترقوا إلى طوائف مختلفة أيضاً. و جلّ اختلافهم ناش من اختلافهم في صفات المَبْدأ و أفعاله.
(82)
فها هم أَصحاب الحديث من الحشويَّة و الحنابلة لهم آراء خاصَّة في صفات البارئ و أفعاله يقف عليها كل من نظر في كتب أَهل الحديث، لا سيما كتاب «التوحيد» لابن خزيمة، و «السنة» لأحمد بن حنبل و غير ذلك.
و لا يقصر عنهم اختلاف المعتزلة، و هم أَصحاب العدل و التوحيد، فقد تشتتوا إلى مذاهب متعددة. فمن واصلية إلى هذيلية، و من نظامية إلى خابطية. إلى غير ذلك من الفرق.
و أَمَّا الجبرية من المسلمين، فقد تشعبوا إلى جهمية و نجّارية و ضرارية حتى ظهر الشيخ أبو الحسن الأشعري، فجاء بمنهج معدّل بين أهل الحديث و المعتزلة و الجبرية، فعكف العلماء على دراسة عقائده و أَفكاره، إلى أَنْ صار مذهباً رسمياً لأهل السنة.
فهذه الطوائف لم تختلف غالباً إِلاّ في أَسمائه و أَفعاله و صفاته. و هذا الأَمر يعطي لهذا الفصل من العقائد أَهمية قصوى، فلا يمكن التهاون فيه و العبور عنه بسهولة و يسر.
الصفاتُ الجَماليّة و الجَلاليَّة الذاتيّة
إِنَّ صفاته سبحانه تنقسم إلى قسمين: ثبوتية و سلبية، أَوْ جمالية و جلالية.
فإِذا كانت الصفة مثبتة لجمال في الموصوف و مشيرة إلى واقعية في ذاته سميت «ثبوتية ذاتيّة» أَو «جمالية». و إِذا كانت الصفة هادفة إلى نفي نقص و حاجة عنه سبحانه سميت «سلبية» أو «جلالية».
فالعلم و القدرة و الحياة من الصفات الثبوتية المشيرة إلى وجود كمال
(83)
و واقعية في الذات الإِلهية. ولكن نفي الجسمانية و التحيز و الحركة و التغير من الصفات السلبية الهادفة إلى سلب ما هو نقص عن ساحته سبحانه.
و قد أَشار صدر المتأَلهين إلى أنَّ هذين الإِصطلاحين «الجمالية» و «الجلاليَّة» قريبان مما ورد في الكتاب العزيز. قال سبحانه: ( تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَ الاِْكْرَامِ)(1) فصفة الجلال ما جلّت ذاته عن مشابهة الغير، و صفة الإِكرام ما تكرمت ذاته بها و تجملت(2). فيوصف بالكمال و ينزّه بالجلال.
إِنَّ علماء العقائد حصروا الصفات الجمالية في ثمانية و هي: العلم، القدرة، الحياة، السمع، البصر، الإِرادة، التكلم، و الغنى. كما حصروا الصفات السلبية في سبع و هي أنَّه تعالى ليس بجسم و لا جوهر و لا عرض و أنَّه غير مرئي و لا متحيز و لا حال في غيره و لا يتّحد بشيء.
غير أَنَّ النظر الدقيق يقتضي عدم حصر الصفات في عدد معين، فإِنَّ الحق أَنْ يقال إِنَّ الملاك في الصفات الجمالية و الجلالية هو أَنَّ كل وصف يعد كمالا، فالله متصف به. و كل أَمر يعتبر نقصاً و عجزاً فهو منزَّه عنه، و ليس علينا أَنْ نحصر الكمالية و الجلالية في عدد معين.
و على ذلك يمكن إِرجاع جميع الصفات الثبوتية إلى وصف واحد و الصفات السلبية إلى أَمر واحد. و يؤيد ما ذكرناه أَنَّ الأَسماء و الصفات التي وردت في القرآن الكريم تفوق بأضعاف المرات العدد الذي ذكره المتكلمون.
و قد وقع الإِختلاف في بعض ما عُدّ من الصفات الثُّبوتية بأَنها هل هي من الصفات الثبوتيّة الذاتية أوْ الثبوتية الفعلية. كالتكلم و الإِرادة، حتى أَنَّ
1 . سورة الرحمن: الآية 78.
2 . الأسفار، ج 6، ص 118.
(84)
بعض ما عدّ من الصفات الذاتية في بعض المناهج، ليس من صفات الذات قطعاً ككونه صادقاً بل من صفات الفعل. و سيوافيك الفرق بينهما.
صفات الذات و صفات الفعل
قسم المتكلمون صفاته سبحانه إلى صفة الذات و صفة الفعل، و الأَول ما يكفي في وصف الذات به، فرض نفس الذات فحسب، كالقدرة و الحياة و العلم.
و الثاني ما يتوقف توصيف الذات به على فرض الغير وراء الذات و هو فعله سبحانه.
فصفات الفعل هي المنتزعة من مقام الفعل، بمعنى أنَّ الذات توصف بهذه الصفات عند ملاحظتها مع الفعل، و ذلك كالخلق و الرزق و نظائرهما من الصفات الفعلية الزائدة على الذات بحكم انتزاعها من مقام الفعل. و معنى انتزاعها، أَنَّا إِذْ نلاحظ النّعم التي يتنعم بها الناس، و ننسبها إلى الله سبحانه، نسميها رزقاً رزقه الله سبحانه، فهو رزّاق. و مثل ذلك الرحمة و المغفرة فهما يطلقان عليه على الوجه الذي بيّناه.
و هناك تعريف آخر لتمييز صفات الذّات عن الفعل و هو أَنَّ كل ما يجري على الذات على نَسَق واحد (الإثبات دائماً) فهو من صفات الذات. وأَمَّا ما يجري على الذات على الوجهين، بالسلب تارة و بالإِيجاب أُخرى، فهو من صفات الأَفعال.
و على ضوء هذا الفرق فالعلم و القدرة و الحياة لا تحمل عليه سبحانه إِلا على وجه واحد و هو الإِيجاب. ولكن الخلق و الرزق و المغفرة و الرحمة تحمل عليه بالإِيجاب تارة و السلب أُخرى. فتقول خَلَقَ هذا و لم يخلق ذلك. غفر للمستغفر ولم يغفر للمصرّ على الذنب.
(85)
و باختصار، إِنَّ صفات الذات لا يصحّ لصاحبها الإِتصاف بأضدادها و لا خلوه منها. ولكن صفات الفعل يصح الإِتصاف بأضدادها.
ثم إِنَّ الصفات الفعلية حيثيات وجودية نابعة من وصف واحد و هي القيومية، فإِنَّ الخلقَ و الرزقَ و الهدايةَ كلها حيثيات وجودية قائمة به سبحانه مفاضة من عنده بما هو قيوم.
تقسيم آخر
و للصفات تقسيم آخر و هو تقسيمها إلى النفسية و الإِضافية. و المراد من الأولى ما تتصف به الذات من دون أَنْ يلاحظ فيها الإِنتساب إلى الخارج و لا الإِضافة إليه، كالحياة. و يقابلها الصفات الإِضافية، و هي ما كان لها إِضافة إلى الخارج عن الذات، كالعلم بالمعلوم و القدرة على المقدور.
و على هذا المِلاكِ، فكل من النفسية و الإِضافية تجريان على الذات و تحكيان عن واقعية فيه.
و ربما تُفَسِّر الإِضافيّةُ بالخالِقيّة و الرازقيّة و العِلِّيَّة(1). و الأَولى تسميتها بالإِنتزاعية لا بالإِضافية، و تخصيص الإِضافية بما يقابل النفسِيّة.
الصفات الخبرية
إِنَّ هناك اصطلاحاً آخر يختص بأَهل الحديث في تقسيم صفاته سبحانه فهم يقسمونها إلى ذاتية و خبرية. والمراد من الأُولى هو الصفات الكمالية ومن الثانية ما وصف سبحانه به نفسه في الكتاب العزيز من العلو، و كونه ذا وجه، ويدين، و أعين، إلى غير ذلك من الأَلفاظ الواردة في القرآن التي لو
1 . الأَسفار، ج 6، ص 118.
(86)
أُجريَتْ على الله سبحانه بمعانيها المتبادرة عند العرف لزم التجسيم و التشبيه.
هذه هي التقسيمات الرائجة في صفاته سبحانه.
الإِبتعاد عن التشبيه و المقايسة أَساس معرفة صفاته سبحانه
إِعتاد الإِنسان الساكن بين جدران الزمان و المكان أنْ يتعرف على الأشياء مقيّدة بالزمان و المكان، موصوفة بالتحيز و التجسم، متسمة بالكيف والكم، إلى غير ذلك من لوازم المادة و مواصفات الجسمانية.
إِنَّ مزاولة الإِنسان للحس و المحسوس مدى حياته و انكبابه على المادة و إِخلاده إلى الأرض، عوّده على تمثيل كل ما يتعقله، بصورة الأَمر الحسي حتى فيما لا طريق للحس و الخيال إلى حقيقته كالكليات و الحقائق المنزهة عن المادة. و يؤيّده في ذلك أنَّ الإِنسان إِنَّما يصل إلى المعقولات و الكليات من طريق الإِحساس و التخيل فهو أنيسُ الحسّ و أليفُ الخيال(1).
و كأَنَّ البشرَ جُبلوا على المعرفة على أَساس المقايسة و التشبيه فلا يمكنهم أَنْ يجرّدوا أَنفسهم من ذلك إِلاَّ بالرياضة و التمرين. فقد قضت العادة الملازمة للإِنسان أعني أُنْسَهُ بالمادة، و اعتيادَه على معرفة كل شيء في الإِطار المادي، أَنْ يصوِّر لربّه صُوَراً خيالية على حسب ما يألفُه من الأُمور المادَّية الحسية. و قلَّ أَنْ يتفقَ لإِنسان أَنْ يتوجه إلى ساحة العزَّة و الكبرياء، و نفسه خالية عن هذه المحاكاة.
1 . الميزان، ج 10، ص 273.
(87)
بين التشبيه و التعطيل
على ذلك الأَساس افترق الإِلهيون إلى مشبهة تشبه ربَّها بإِنسان له لحم، ودم، و شعر، وعظم، و له جوارح و أعضاء حقيقيّة من يد، ورجل، و رأْس، و عينين، مصمت، له وفرة سوداء، و شعر قطط. يجوز عليه الإِنتقال و المصافحة(1).
فهؤلاء تورَّطوا في مغبة التجسيم و مهلكة التشبيه. و إنكارُ بارئ بهذه الأَوصاف المادية المُنْكَرَة أَولى من إثباته رباً للعالم، لأَن الإعتقاد بالبارئ على هذه الصفات يجعل الأُلوهيَّة و الدعوة إليها أَمراً مُنْكَراً تتنفر منه العقول و الأَفكار المنيرة.
فإِذا كانت تلك الطائفة متهورة في تشبيهها و مفرطة في تجسيمها، فإِنّا نَجِدُ في مقابلها طائفةً أخرى أَرادت التحرز عن وصمة التشبيه و عار التجسيم فوقعت في إِسارة التعطيل، فحكمت بتعطيل العقول عن معرفته سبحانه و معرفة صفاته و أفعاله، قائلة بأنه ليس لأحد الحكم على المبدأ الأَعلى بشيء من الأحكام، و ليس إلى معرفته من سبيل إلاّ بقراءة ما ورد في الكتاب و السنة، فقالت: إنَّ النجاة كل النجاة في الاعتراف بكل ما ورد في الشرع الشريف من دون بحث و نقاش ومن دون جدل و تفتيش. فهذا «مالك» عندما سئل عن معنى قوله سبحانه: (ثم استوى على العرش)، قال: الإِستواء معلوم، والكيف مجهول، و الإِيمان به واجب، و السؤال عنه بدعة(2).
و قد نُقل عن سفيان بن عيينة أنَّه قال: «كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته و السكوت عليه»(3).
1 . الملل و النحل، ج 1، ص 104.
2 . الملل و النحل، ج 1، ص 93.
3 . الرسائل الكبرى لابن تيمية، ج 1، ص 32.
(88)
ولكن هناك طائفة ثالثة ترى أَنَّ من الممكن التعرف على صفاته سبحانه من طريق التدبر و ترتيب الأَقيسة المنطقية و تنظيم الحجج العقلية على ضوء ما أَفاض الله سبحانه على عباده من نعمة العقل و الفكر، بشرط أنْ يكون الباحث محايداً، منحازاً عن أَيَّ رأْي مسبق، و أَن يكون في بحثه و نقاشه مخلصاً للحق غير مبتغ إِلاَّ إِياه.
وحجتهم في ذلك أَنَّ الله سبحانه ما نص على أَسمائه و صفاته في كتابه و سنة نبيه إلاّ لكي يتدبر فيها الإِنسان بعقله و فكره في حدود الممكن و المستطاع مجتنباً إِفراط المشبهة و تفريط المعطلة. فهذا أمر يَدْعُو إِليه العقل و الكتاب العزيز و السنَّة الصحيحة.
و هناك كلمة قيمة للإِمام علي ـ عليه السَّلام ـ تدعو إلى ذلك الطريق الوسط، قال ـ عليه السَّلام ـ : «لم يُطْلِع العقولَ على تحديد صفته، و لم يحجُبْها عن واجب معرفته»(1). و العبارة تهدف إلى أَنَّ العقول و إِنْ كانت غير مأْذونة في تحديد الصفات الإِلهية لكنها غير محجوبة عن التعرف حسب ما يمكن، كيف و قد قال سبحانه: (وَ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الاِْنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)(2). والعبادة الصحيحة و الكاملة لا تتيسّر إِلاّ بعد أَنْ تتحقق المعرفة المستطاعة بالمعبود.
و يكفي في تعيّن هذا الطريق ما ورد في أَوائل سورة الحديد من الآيات الستّ و نذكرها تبركاً و هي قوله سبحانه: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ الاَْرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَ الاَْرْضِ يُحْيي وَ يُمِيتُ وَ هُوَ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ * هُوَ الاَْوَّلُ وَ الآَخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْبَاطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيء
1 . نهج البلاغة، الخطبة 39.
2 . سورة الذاريات: الآية 56.
(89)
عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الاَْرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الاَْرْضِ وَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَ مَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَ مَا يَعْرُجُ فِيهَا وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَ الاَْرْضِ وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الاُْمُورُ * يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَ يُولِجُ النَّهَارَ فِي الَّيْلِ وَ هُوَ عَلِيمُ بِذَاتِ الصُّدُورِ)(1).
و هل يظن عاقل أنَّ الآيات الواردة في آخر سورة الحشر إنما أَنزلها الله تعالى لمجرد القراءة و التلاوة، و هي قوله سبحانه: ( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَـالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَـادَةِ هُوَ الرَّحْمَـنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَـالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الاَْسْمَآءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ الاَْرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(2). و مع ذلك فما معنى التدبر في الآيات القرآنية؟.
و بذلك تقف على مدى و هن ما أُثِر عن بعض علماء السلف حيث يقول: «إِنما أُعطينا العقل لإِقامة العبودية لا لإِدراك الربوبية فمن شغل ما أُعْطِيَ لإِقامةِ العبودية بإِدراك الربوبية فاتته العبودية ولم يدرك الرّبوبية»(3).
إِنَّ إِقامة العبودية الكاملة رهن معرفة المعبود بما في إمكان العبد. و إِلاّ فإِنَّ العالم بجميع ذراته يسبّح الله سبحانه و يحمده و يقيم العبودية له بما أُعْطِيَ من الشعور و الإِدراك المناسب لوجوده، قال سبحانه: (وَ إِنْ مِنْ شَيء إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ )(4). فلو كانت وظيفةُ الإِنسان
1 . سورة الحديد: الآيات 1ـ6.
2 . سورة الحشر: الآيات 22ـ24.
3 . الحجة في بيان المحجة، كما في «علاقة الاثبات و التفويض»، ص 33.
4 . سورة الأسراء: الآية 44.
(90)
إقامة العبودية مجرداً عن المعرفة التفصيلية للمعبود، تكون عبوديته أَشبه بعبودية سائر الموجودات بل أنزل منها بكثير، إذ في وسع الإِنسان معرفة معبوده تفصيلا بمقدار ما أُعْطِيَ من المقدرة الفكرية التي لم يُعطها غيره.
فإِنّْ أُريد من إِدراك الربوبية إِدراك كنه الذات فهو أَمر محال، و لم يدَّعِه أَحد. و إِنْ أُريد معرفتة أَسمائه و صفاته و أَفعاله حسب المقدرة الإِنسانية في ضوء الأقيسة المنطقية و الكتاب و السنَّة الصحيحة القطعية فهذه وظيفة العقل.
و جميعنا نرى أَنَّه سبحانه يذم المشركين الذين لم يَعْرِفوه حق معرفته - بما في وسع الإِنسان - إِذ يقول سبحانه: (ما قَدَروُا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)(1).
و باختصار: لو كان الهدف هو معرفة كنه الذات الإِلهية و حقيقة الصفات و الأَسماء، كان ترك البحث متّجهاً، و أَمَّا إِذا كان المقصود هو التعرف على ما هناك من الجمال و الكمال و نفي ما ربما يتصور في الذَّات الإِلهية من النقص و العجز، فلا شك أَنَّ للعقل أنْ يطرق هذا المجال، و في مقدوره أنْ يصل إِليه.
***
الطرق الصحيحة إلى معرفة الله
إِنَّ ذاتَه سبحانه و أَسماءَه و صفاتَه و أَفعالَه، و إنْ كانت غيرَ مسانخة لمُدْرَكات العالَم المحسوس، لكنها ليست على نحو يستحيل التعرفُ عليها بوجه من الوجوه. و من هنا نجد أَنَّ الحكماء و المتكلمين يسلكون طرقاً مختلفة للتعرف على ملامح العالَم الرُّبوبي، و هم يرون أَنَّ ذلك العالم ليس على وجه لا يقع في أُفق الإِدراك مطلقاً، بل هناك نوافذ على الغيب عقليةٌ و نقليةٌ، يُرى منها ذلك العالم الفسيح العظيم.
1 . سورة الحج: الآية 74.
(91)
وها نحن نشير إلى هذه الطرق:
الأول - الطريق العقلي
إِذا ثبت كونه سبحانه غنياً غيرَ محتاج إلى شيء، فإِنَّ هذا الأَمر يمكن أَنْ يكون مبدأً لإِثبات كثير من الصفات الجلالية، فإِنَّ كل وصف استلزم خللا في غناه و نقضاًله، انتفى عنه ولزم سلبُه عن ذاته.
و قد سلك الفيلسوف الإِسلامي نصير الدين الطوسي هذا السبيل للبرهنة على جملة من الصفات الجلالية حيث قال: «ووجوب الوجود يدل على سَرْمَدِيَّتِه، و نفي الزائد، و الشريك، و المِثْل، و التركيب بمعانيه، و الضَّدّ، و التَّحَيُّز، والحُلول، و الإِتحاد، و الجهة، و حلول الحوادث فيه، و الحاجة، و الأَلم مطلقاً و اللذة المزاجية، و المعاني و الاحوال و الصفات الزائدة و الرؤية».
بل انطلق المحقق من نفس هذه القاعدة لإِثبات سلسلة من الصفات الثبوتيّة حيث قال: «ووجوب الوجود يدل على ثبوت الوجود، والمُلْك، والتّمام، والحقيّة، والخيريّة، والحكمة، والتجبر، والقهر، والقيوميّة»(1).
و قد سبقه إلى ذلك مؤلِّف الياقوت إذا قال: «و هو (وجوب الوجود) ينفي جملة من الصفات عن الذات الإِلهية و أَنَّهُ ليس بجسم، و لا جوهر، ولا عرض، ولا حالاًّ في شيء ولا تَقُوم الحوادث به وإِلا لكان حادثاً»(2).
و على ذلك يمكن الإِذعان بما في العالم الرُّبوبي من الكمال و الجمال
1 . تجريد الإِعتقاد، باب إِثبات الصانع و صفاته، ص 178 - 185.
2 . أنوار الملكوت في شرح الياقوت، ص 76 و 80 و 81 و 99.
(92)
بثبوت أصل واحد و هو كونُه سبحانَه موجوداً غنياً واجبَ الوجود، لأَجل بطلان التسلسل الذي عرفته. و ليس إِثباتُ غناه و وجوبِ وجودهِ أَمراً مُشكلا على النفوس.
و من هذا تنفتح نوافذ على الغيب و التعرف على صفاته الثبوتية و السلبية، وستعرف البرهنة على هذه الصفات من هذا الطريق.
الثاني: المطالعة في الآفاق و الأَنْفُس
من الطرق و الاصول التي يمكن التَّعرفُ بها على صفات الله، مطالعة الكون المحيط بنا، و ما فيه من بديع النظام، فإِنه يكشف عن علم واسع و قدرة مطلقة عارفة بجميع الخصوصيات الكامنة فيه، و كلِّ القوانين التي تسود الكائنات. فمن خلال هذه القاعدة و عبر هذا الطريق أي مطالعة الكون، يمكن للإِنسان أنْ يهتديَ إلى قسم كبير من الصفات الجمالية. و بهذا يتبين أَنَّ ذات الله سبحانه و صفاته - بحكم أَنها ليس كمثلها شيء ليست محجوبةً عن التعرُّفِ المُطْلَق و غيرَ واقعة في أٌفق التعقل، حتّى نعطل العقول ونقول: «إنما أُعطينا العقل لإقامة العبودية لا لإِدراك الربوبية». و قد أَمر الكتاب العزيز بسلوك هذا الطريق. يقول سبحانه: (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ الاَْرْضِ)(1). و قال سبحانه: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَات لاُِّوْلِي الاَْلْبَابِ)(2). و قال سبحانه: (إِنَّ فِي اخْتِلافِ الَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الاَْرْضِ لآَيَـات لِّقَوْم يَتَّقُونَ)(3).
1 . سورة يونس: الآية 101.
2 . سورة آل عمران: الآية 190.
3 . سورة يونس: الآية 6.
(93)
و قد سلك هذا الطريق المحقق الطوسي في إثبات صفة العلم و القدرة حيث قال: «و الإِحكامُ والتَجَرّدُ و استنادُ كلِّ شيء إليه دليلُ العلم»(1).
الثالث: الرجوع إلى الكتاب و السنَّة الصحيحة
و هناك أَصل ثالث يعتمد عليه أَتباع الشرع، و هو التعرف على أَسمائه و صفاته و أَفعاله بما ورد في الكتب السماوية و أَقوال الأَنبياء و كلماتهم، و ذلك بعدما ثبت وجودُه سبحانه و قسمٌ من صفاته، ووقفنا على أنَّ الأَنبياءَ مبعوثون من جانب الله و صادقون في أَقوالهم و كلماتهم.
و باختصار، بفضل الوَحْي - الذي لا خطأ فيه ولا زَلَل - نَقِفُ على ما في المَبْدَأ الأَعلى من نعوت و شؤون. فَمِنْ ذلك قولُه سبحانه: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَـالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الاَْسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَـاوَاتِ وَ الاَْرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(2). و سيوافيك أنّ اسماءه في القرآن مائة و ثمانية و عشرون إِسماً.
الرابع: الكَشْفُ والشُّهود.
و هناك ثُلَّةٌ قليلةٌ يشاهدون بعيونِ القلوبِ ما لا يُدْرَكُ بالأَبْصار، فَيَرَوْن جمالَهُ و جلالَه و صفاتَه و أَفعالَه بإِدراك قلبي، يدرك لأَصحابه و لا يوصَفُ لغيرهم. والفُتوحاتُ الباطنيّة من المكاشفات و المشاهدات الروحيّة و الإِلقاءات
1 . تجريد الإِعتقاد، ص 172، طبقة مطبعة العرفان - صيدا.
2 . سورة الحشر: الآيتان 23 و 24.
(94)
في الروع غَيْرُ مَسْدودَة، بنص الكتاب العزيز. قال سبحانه: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً)(1). أَي يجعل في قلوبكم نوراً تُفَرِّقون به بين الحقِّ و الباطلِ و تُمَيِّزون به بين الصحيحِ و الزائفِ لا بالبَرْهَنَةِ و الإِستدلال بل بالشهود و المكاشَفَة.
و قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وآمِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَ يَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)(2).
و المُراد من النور هو ما يمشي المؤمن في ضوئه طيلةَ حياتِه، في معاشه و معاده، في دينه و دنياه.(3).
و قال سبحانه: (وَ الَّذِينَ جَـاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)(4)، إلى غير ذلك من الآيات الظاهرة في أَنَّ المُؤمِنَ يَصِلُ إلى معارف و حقائِق في ضوء المُجاهدة و التَّقوى، إلى أَنْ يقدر على رؤية الجحيم في هذه الدنيا المادية، قال سبحانه: (كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينَ *لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ)(5).
نعم ليس كلُّ من رمى أصاب الغَرَض، و ليست الحقائق رمية للنِّبال، و إِنما يَصِل إليها الأَمْثَلُ فالأَمْثَل، فلا يحظى بما ذكرناه من المكاشفات الغيبية و الفتوحات الباطنية إِلاّ النزر القليل ممن خَلُصَ روحُه
1 . سورة الأنفال: الآية 29.
2 . سورة الحديد: الآية 28.
3 . أَما في الدنيا فهو النور الذي أَشار إليه سبحانه بقول: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ وفِي الظُّـلُمَـتِ لَيْسَ بِخَارِج مِّنْهَا ) (سورة الأنعام: الآية 122).
و أَما في الآخرة فهو ما أَشار إليه سبحانه بقوله: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَـتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمَـنِهِم ) (سورة الحديد: الآية 12).
4 . سورة العنكبوت: الآية 69.
5 . سورة التكاثر: الآية 5ـ6.
(95)
و صفى قلبُه.
و قد بان بهذا البحث الضافي، أَنه ليس لمسلم التوقف عن محاولة التعرف على صفات الله و أَسمائه بحُجَّة أنَّه لا مسانخة بين البشر و خالقهم.
نعم، نحن لا نَدَّعي أَنَّ بعضَ هذه الطرق ميسورَةَ السلوكِ للعامة جميعاً، بل منها ما هو عام مُتاحٌ لكلِّ إنسان يريد معرفة ربه، و منها ما هو خاص يستفيد منه من بلغ مبلغاً خاصاً من العلم و المعرفة(1).
***
الإِعراض عن البحث عما وراء الطبيعة، لماذا؟
هناك طوائف تمنع من البحث عما وراء هذا العالم المشهود و تَعُدُّ حُدودَ المادّةِ أَقصى ما تَصِلُ إليه المعرفةُ البشرية و تسلُب كلَّ قيمة من العِلْم المتعلق بما وراء الطبيعة. و العجبُ أن بعض هذه الطوائف من الإِلهيين الذين يعتقدون بوجود الإِله، ولكن لا يبيحون البحث عما وراء الطبيعة على الإِطلاق و يكتفون في ذلك بالإِيمان بلا معرفة.
و إِليك هذه الطوائف:
الطائفة الأولى: المادّيون
و هم الذين يعتقدون بأَصالة المادة و يَنْفُون أيَّ وجود وراءَ العالم الطبيعي، فالوجود عندهم مساو للمادة. و قد فرغنا عن إِبطال هذه النظرية في الأبحاث السابقة التي دلتنا على حدوث المادة و نظامها و انتهائِها إلى وجود قديم قائم بالذات.
1 . راجع في الوقوف على مفتاح هذا الباب: مفاهيم القرآن، الجزء الثالث، ص 244 إلى ص 259.
(96)
الطائفة الثانية: المفرِّطون في أدوات المعرفة
و هؤلاء يعتقدون بما وراء الطبيعة، غير أَنَّهم يعتقدون بارتفاع قمم ذلك العالم و شموخها بحيث لا يمكن أَنْ تبلُغَها العقول و تنالَها الأَفهام.
و هؤلاء يدعون أَمراً و لا يَأْتون عليه بدليل، فإِنَّ عند العقل قضايا بديهيةً كما أَنَّ لديه قضايا نظريةً منتهيةً إلى البديهية. و القضايا البديهيةُ صادقةٌ بالبداهة في حق المادة و غير المادة. و كما أنَّ العقل يستنتج من إِنهاء القضايا النظرية في الأمور الطبيعية إلى البديهية، نتائجَ كانت مجهولة، فهكذا عمله في القضايا الراجعة إلى ما وراء المادة. و ستقف على كيفية البرهنة على صفاته و أَفعاله بهذا الطريق في ثنايا الكتاب.
الطائفة الثالثة: مُدّعو الكشف و الشهود
و هؤلاء يعتقدون أنّ الطريقَ الوحيد للتعرف على ما وراء الطبيعة هو تهذيبُ النفس و جعلُها مستعدةً لقبول الإِفاضات من العالم الرّبوبي، و هذا في الجملةِ لا إِشكال فيه، ولكن حصرَ الطريق بالكشف و الشهود ادعاء بلا دليل. فلا مانع من أَنْ تكون أَدوات المعرفة متعددةً من الحسّ و العقل و الكشف.
الطائفة الرابعة: الحنابلة و بعض الأَشاعرة
و هؤلاء يعتقدون بأَنَّ الطريق الوحيد للتعرف على العالم الربوبي هو إِخبار السماء، فلا يجوز لنا الحكم بوحدة الذات الإِلهية أَو كثرتِها، و بساطَتِها أَو تَرَكُّبِها، و جسمانِيَّتِها أو تَجَرُّدِها، إِلاّ بالأَخبار و الأَنباء الواردة من السماء. و قد عزب عن هؤلاء أنَّ العقل عنصر سماوي موهوب من قبل الله تعالى للإِنسان لا كتشاف الحقائق بشكل نسبي. قال سبحانه: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الاَْبْصَارَ
(97)
وَ الاَْفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(1).
و أَوضح دليل على قدرة العقل على البحث و دراسة الحقائق السُّفْلِيَّة و العُلْوِيَّة حَثُّ الوَحْي على التَّعَقُّل سبعةً و أَربعين مرةً، والتَّفَكُّر ثمانيةَ عشر مرةً، و التَّدَبُّر أربعَ مرات في الكتاب العزيز.
و تخصيص هذه الآيات بما وقع في أفق الحس تخصيص بلا دليل.
ثم لو كان الخوض في البحث عما وراء المادة أَمراً محظوراً، فلِمَ خاض القرآن في هذه المباحث، و دعى جميع الإِلهيين إلى سلوك هذا الطريق الذي سار عليه. قال سبحانه: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَـانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)(2). و قال سبحانه: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَد وَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـه إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـهِ بِمَا خَلَقَ وَ لَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ)(3). ترى في هاتين الآيتين أدَقَّ البراهين على التوحيد في التدبير بما لا يُتَصَوَّر فوقَهْ، و سيوافيك تفسير الآيتين عند البحث عن وصف التوحيد.
إِنَّ الكتاب الكريمَ يَذُمُّ المشركين بأَنَّهم يعتقدون بما لا برهان لهم علي، و من خلال ذلك يرسم الطريق الصحيح للالهيين و هو أَنه يجب عليهم تحصيل البرهان على كل ما يعتقدونه في المبدأَ و المعاد. قال سبحانه: (أَمِ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ هَـذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَ ذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ)(4).
1 . سورة النحل: الآية 78.
2 . سورة الأنبياء: الآية 22.
3 . سورة المؤمنون: الآية 91.
4 . سورة الأنبياء: الآية 24.
(98)
و لو كان عمل السلف في هذا المجال حجة، فهذا الإِمام علي بن أبي طالب قد خاض في الإِلهيات في خُطبَه و رسائله و كلمه القصار بما ليس في وسع أَحد غيره.
و لأَجل ذلك ترجع إليه كثير من المدارس الفكرية العقلية في الإِلهيات، و عنه أَخذت المعتزلة العدل و التوحيد، و الإِمامية أُصولها و عقائدها.
فلا ندري لماذا تحتج سلفية العصر الحاضر و الماضي بعمل أَهل الحديث من الحنابلة و الأَشاعرة، و لا تحتج بفعل الإِمام أَمير المؤمنين علي بن أبي طالب ربيب أَحضان النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و تلميذِه الأَول خليفة المسلمين أَجمعين.
قال العلامة الطباطبائي ـ رحمه الله ـ : «إنَّ للناس مسالك مختلفة في هذا المجال، فهناك من يرى البحث عن الحقائق الدينية و التَّطَلُع إلى ماوراء ظواهر الكتاب و السُّنَة بدعةً، و العقل يُخَطِّئُهُم في ذلك، و الكتابُ والسنةُ لا يصدِّقانِهم.
فآيات الكتاب تُحَرِّضُ كُلَّ التحريض على التدبر في آيات الله و بذل الجُهْد في تكميل معرفته و معرفة آياته بالتذكر و التفكر و النظر فيها و الإِحتجاج بالحجج العقلية، و متفرقات السنَّة المتواترة معنى توافقها. و هؤلاء هم الذين يحرِّمون البحث عن حقائق الكتاب و السنة، حتى البحث الكلاميّ الذي بناؤه على تسليم الظواهر الدينية ثم الدفاع عنها بما تيسّر من المقدمات المشهورة و المُسَلَّمَةِ عند أَهل الدين»(1).
1 . الميزان، ج 8، ص 153.
(99)
عودة نظرية أَهل الحديث في ثوب جديد
لقد عادت نظرية أَهل الحديث في العصر الحاضر بشكل جديد و هو أنَّ التحقيقَ في المسائل الإِلهيةِ لا يُمْكِن إلا من خلال مطالعة الطبيعة. قال محمد فريد وجدي: «بما أنّ خُصومَنا يعتمدون على الفلسفة الحِسِّية و العِلم الطبيعي في الدعوة إلى مذهبهم فنجعلهما عُمْدَتَنا في هذه المباحث بل لا مناص لنا من الإِعتماد عليهما، لأَنهما اللذان أَوصلا الإِنسان إلى هذه المِنصَّة من العهد الروحاني»(1).
و قال السيد أبو الحسن النَّدَوي: «قد كان الأَنبياء ـ عليهم السَّلام ـ أَخبروا الناس عن ذات الله و صفاته و أَفعاله، و عن بداية هذا العالم و مصيره و ما يهجم على الإِنسان بعد موته و آتاهم علم ذلك كلِّه بواسطتهم عفوا بلا تعب، و كفوهم مؤنة البحث و الفحص في علوم ليس عندهم مبادؤها و لا مقدماتها التي يبنون عليها بحثَهم ليتوصلوا إلى مجهول، لأنّ هذه العلوم وراء الحس و الطبيعة، لا تعمل فيها حواسهم، و لا يؤدي إِليها نظر هم و ليست عندهم معلوماتها الأَولية...إلى أَنْ قال...الذين خاضوا في الإِلهيات من غير بصيرة و على غير هدى جاؤوا في هذا العلم بآراء فجَّة و معلومات ناقصة و خواطر سانحة و نظريات مستعجلة، فضلّوا و أضلّوا»(2).
أقول: لا شك أَنَّ القرآن يدعو إلى مطالعة الطبيعة، كما مر. إلاّ أنّ الكلامَ هو في مدى كفاية النظر في الطبيعة و دراستها في البرهنة على المسائل التي طرحها القرآن الكريم مثل قوله سبحانه:
(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء)(3).
1 . على أطلال المذهب المادي، ج 1، ص 16.
2 . ماذا خسر العالم، ص 97.
3 . سورة الشورى: الآية 11.
(100)
(وَ لِلَّهِ الْمَثَلُ الاَْعْلَى)(1).
(لَهُ الاَْسْمَآءُ الْحُسْنَى)(2).
(فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)(3).
(هُوَ الاَْوَّلُ وَ الاَْخِرُ وَ الظَّـهِرُ وَ الْبَاطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ)(4).
(وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ)(5).
إلى غير ذلك من المباحث والمعارف التي لا تنفع دراسة الطبيعة و مطالعة العالم المادّي في فكِّ رموزها و الوقوف على حقيقتها، بل تحتاج إلى مبادئ و مقدمات عقلية و أسس منطقية.
إِنَّ مطالعة العالمَ الطبيعي تهدينا إلى أنَّ للكون صانعاً عالماً قادراً، و تهدينا إلى أَنَّه سبحانه عالم بكل شيء و قادر على كل شيء، و انه خالق كل شيء، و مدبر كل شيء.
فإذا أردنا أن نحدد مدى المعرفة الحاصلة من النظر في الطبيعة، فلنا أن نقول: إنَّ الإِمعان في الطبيعة يُوصلنا إلى حدود ماوراء الطبيعة، و يوقفُنا على أنَّ الطبيعة تخضع لقوة قاهرة و تدبير مدبّر عالم قادر، ولكن لا يمكن للإِنسان التَّخَطِّي عن ذلك إلى المسائل التي يطرحها القرآن أو العقل، و للمثال نقول:
أَولا: إِذا كان ماوراء الطبيعة مصدراً للطبيعة فما هو المصدر لما وراءها نفسها؟
1 . سورة النحل: الآية 60.
2 . سورة طه: الآية 8، سورة الحشر: الآية 22.
3 . سورة البقرة: الآية 115.
4 . سورة الحديد: الآية 3.
5 . سورة الحديد: الآية 4.
(101)
ثانياً: هل ذلك المصدر أزَلِيُّ أو حادثٌ، واحدٌ أو كثير، بسيطُ أو مُرَكَّب، جامع لجميع صفات الجمال و الكمال أو لا؟
ثالثاً: هل لعلمه حدّ ينتهي إليه أو لا؟
رابعاً: هل لقدرته نهاية تَقِفُ عندها أو لا؟
خامساً: هل هو أَوّلُ الأَشياء و آخرُها أو لا؟
سادساً: هل هو ظاهر الأَشياء و باطنها؟
إنّ هذه المعارف يطرحها القرآن الكريم و يأمر بالتدبّر فيها و يقول: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا)(1).
والإِمعان في الطبيعة لا يفيد في الإِجابة عن هذه التساؤلات، والوقوف على المعارف المطروحة في القرآن.
و عندئذ لا مناص عن سلوك أحد الطريقين: إمَّا أنْ يصار إلى التعطيل و تحريم البحث حول هذه المعارف. و إمَّا الإِذعان بوجود طريق عقليٍّ يوصِلُنا إلى تحليل هذه المعارف و يساعدُنا على الوقوف عليها.
إِنَّ الذين يُحَرِّمون الخوضَ في هذه المباحث يعتمدون على أَنَّ التعرُّفَ على حقيقة الذات و كُنْهِ صفاتها أَمرٌ محال، ولكن ليس كلُّ بحث كلامي ينتهي إلى ذلك الحد و يحاول البحث عن حقيقة الذات الإِلهية كما أَوضحناه.
إِنَّ العلومَ الطبيعيةَ قد خَدَمَت مَسْلَكَ الإِلهيين و عزَّزَت موقفهم، حيث أَثبتت أَنَّ الكون نظامٌ كله، إِلاّ أَنها قاصرة عن حل كل المشاكل المطورحة في مجال العقائد.
1 . سورة محمد: الآية 24.
(102)
نعم، إِنَّ في هذه الأَبحاث ليس متاحاً لكل أحد، وليس مُيَسَراً لكل قاصد، فهي من قبيل السهل الممتنع، و ذلك لأنَّ الإِنسان بسبب أنسِه بالأُمور الحِسِّية يصعب عليه تحريرُ فِكْرِه عن كل ما تَفْرِضه عليه ظروفه حتى يَتَهَيَّأَ للتفكر فيما وراءَ الطبيعة بفكر متحرر من أغلال الماديَّة.
و هناكَ وجهُ آخر لمحدودية الإِنسان عن درك عميق المعارف الإِلهية و هو أنَّ أدواتَ الإِنسان للتعبير محدودةٌ بألفاظ و كلمات لم توضع إلاّ لبيان المعاني الحسية المحدودة فلأَجل ذلك لا مناص له عن التعبير عن الحقائق الكونية العُليا المُطْلَقَة عن الزمان و المكان بتلك الأَلفاظ الضَيِّقة، و إلى ذلك يشير بعض العرفاء بقولة:
أَلاَ إنّ ثَوْباً خِيْطَ مِنْ نَسْجِ تِسْعَة * و عشرينَ حَرْفاً عن معانيه قاصر
و الشيخ الرئيس ابن سينا يُوصي بِأنْ لا تُطرحَ المسائلُ الالهيةُ العويصةُ إِلاّ على أَهلها و يقول إِشاراته في خاتمة الكتاب: «أَيُّها الأخ إنّي قد مَخَضْتُ في هذه الإِشارات عن زُبدة الحق و أَلقَمْتُكَ قُفَّي الحكمِ في لطائف، فصُنهُ عن الجاهلين و المبتذلين و من لم يرزق الفطنة الوقادة، و الدَّرِبَة و العادة، و كان صَفاهُ مع الفاغَة، أو كان من ملحدة هؤلاء الفلاسفة و من همجهم. فإِنْ وجدت من تثق بنقاء سريرته، و بتوقفه عما يتسرع إليه الوسواس، و بنظره إلى الحق بعين الرضا و الصدق، فاعطه ما يسألُكَ منه مدرّجاً مُجَزَّءاً مُفَرَّقاً تَسْتَفْرِسُ مما تُسْلِفُه لما تَسْتَقْبِلُه، و عاهِدْهُ بالله و بأَيْمان لا مخارج لها ليجري في ما يأتيه مجراكَ، متأسّياً بكَ، إِنْ أَذعتَ هذا العلمَ أَو أَضعته فالله بيني و بينَك و كفى بالله وكيلا»(1).
ولسنا هنا مدعين أَنَّ هذه المباحثَ مباحثُ عامةٌ يجوزُ لكل أَحد
1 . الإِشارات، ج 3، ص 419.
(103)
ارتيادها لدقة مسالكها، و كثرة مزالقها. بل خاصةٌ بجماعة أَوتوا مقدرة فكرية فائقة.
فلأَجل ذلك نطرح المعارف الإِلهية في ضوء العقل و الوحي مستمدين من الله سبحانه أَنْ يرينا الحقَّ و يحفظنا عن ركوب الباطل، إِنَّهُ عزيز حكيم.
***