(122)
(123)
الدرس الثالث والعشرون
مشايخ الثقات
(3)
أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي
إنّ أحمد بن محمد بن عمرو بن أبي نصر البزنطي، ثالث الفقهاء الذين ادّعى الشيخ الطوسي انّهم لا يروون إلاّ عن ثقة . و يعرّفه النجاشي بقوله: «أبو جعفر المعروف بالبزنطي، كوفيّ، لقي الرضا وأباجعفر ـ عليهما السَّلام ـ وكان عظيمَ المنزلة عندهما، و له كتب، منها: الجامع...». (1)
وقد جاء في الكتب الأربعة في أسناد روايات تبلغ زهاء 788 مورداً، وقد أنهى صاحب «معجم رجال الحديث» مشايخه في الكتب الأربعة وغيرها فبلغ 115 شيخاً والثقات منهم 53 شيخاً، والباقي إمّا مهمل أو مجهول، وقليل منهم مضعّف، وصار القسم الأخير سبباً لنقض القاعدة. ونحن ندرس بعض ما ذكره السيد المحقّق الخوئي ـ قدَّس سرَّه ـ :
1 . رجال النجاشي:1/202 برقم 188.
(124)
1. المفضّل بن صالح
روى الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن أبي نصر البزنطي وابن محبوب جميعاً، عن المفضّل بن صالح، عن محمد بن مروان قال: سمعت أبا عبد اللّه يقول: «كنت مع أبي في الحجر...».(1)
وقد مضت حال هذا النقض عند البحث في مشايخ صفوان، فلا نعيد.
2. حسن بن علي بن أبي حمزة
روى الشيخ عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ قال: قلت له: إنّ أبي هلك وترك جاريتين.(2)
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ علي بن أبي حمزة ونجله الحسن ومعاصرهما زياد بن مروان القندي وإن ذهبوا إلى الوقف، لكن فساد عقيدتهم لا ينافي وثاقتهم،ولذلك عمل الأصحاب برواياتهم.
وثانياً: أنّ هذه الرواية ـ مضافاً إلى غيرها ـ تدلّ على رجوع الولد عن الوقف، حيث يسأل الإمام الرضا عن مسألة شرعية ولولا اعتقاده بإمامته لما كان للسؤال وجه، وقد أوعزنا إلى بعض الروايات الدالّة على رجوع الوالد والولد عن الوقف عند دراسة مشايخ صفوان.(3)
1 . الكافي:4/188، كتاب الحج، باب بدء البيت والطواف، الحديث 2.
2 . التهذيب: 8/262، باب التدبير، الحديث 953.
3 . راجع كليات في علم الرجال:252ـ 254.
(125)
3. عبد اللّه بن محمد الشاميّ
روى الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن عبد اللّه بن محمد الشامي، عن حسين بن حنظلة عن أحدهما قال: أكل الكباب يذهب بالحمى.(1) وقد استثنى ابن الوليد، عبد اللّه بن محمد الشامي، من رجال نوادر الحكمة لمحمد بن أحمد بن يحيى، ونقله النجاشي في رجاله.(2)
يلاحظ عليه: أنّ عبد اللّه بن محمد الشاميّ الذي هو من مشايخ صاحب نوادر الحكمة، غير عبد اللّه بن محمد الشامي الذي يروي عنه البزنطي.
أمّا الأوّل فهو من تلاميذ أحمد بن محمد بن عيسى (المتوفّى بعد 274 أو بعد 280هـ).
قال الشيخ: «عبد اللّه بن محمد يكنّى أبا محمد الشامي الدمشقي، يروي عن أحمد بن محمد بن عيسى وغيره، من أصحاب العسكري».(3)
و ذكره في فصل من لم يرو عنهم ـ عليهم السَّلام ـ وقال:«عبد اللّه بن محمد الشامي، روى عنه محمد بن أحمد بن يحيى...».(4) فهو من مشايخ ابن يحيى ومن تلاميذ ابن عيسى كما عرفت.
وعلى هذا فهو من رجال العقود الأخيرة من القرن الثالث.
أمّا الثاني الذي يروي عنه البزنطي، فهو متقدّم على سميّه بواسطتين:
1. أحمد بن محمد بن عيسى الذي يروي عن البزنطي.
1 . الكافي: 5/319، كتاب الأطعمة باب الشواء والكباب، الحديث 4.
2 . رجال النجاشي:2/242برقم940.
3 . رجال الشيخ:401 برقم 5876.
4 . رجال الشيخ:433 برقم 6201.
(126)
2. أحمد بن محمد بن أبي نصر الذي يروي عن عبد اللّه بن محمد الشاميّ.
فإذاً كيف يمكن أن يروي البزنطي عن تلميذ(عبد اللّه بن محمد الشاميّ) تلميذه (أحمد بن محمد بن عيسى)؟! فالاشتراك في الاسم، صار سبباً للاشتباه.
4. عبد الرحمن بن سالم
روى الشيخ باسناده عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن عبد الرحمن بن سالم، عن إسحاق بن عمّار، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ: «أخبرني عن أفضل المواقيت في صلاة الفجر...».(1)
عرّفه النجاشي بقوله:عبد الرحمن بن سالم بن عبد الرحمن الكوفيّ العطّار، وكان سالم بياع المصحف، و عبد الرحمن أخو عبد المجيد بن سالم، له كتاب، ثمّ ذكر سنده إليه(2).
وعدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق ـ عليه السَّلام ـ ،(3) كما عدّه البرقي من أصحابه(4)، ولم يضعفه إلاّ الغضائري(5)، ولا يعتد بتضعيفه.
حصيلة البحث
قد تعرّفت على النقوض المتوجّهة إلى الضابطة من جانب المحقّق، مؤلّف «معجم رجال الحديث»والفاضل المعاصر، مؤلّف «مشايخ الثقات» وأنّ شيئاً منها لا يصلح لأن يكون نقضاً للقاعدة، وذلك لجهات شتّى نشير إليها:
1 . الوسائل:1، الباب 4 من أبواب الوضوء، الحديث 4، ص 261.
2 . رجال النجاشي:2/49 برقم 627.
3 . رجال الشيخ:265برقم3801.
4 . رجال البرقي:24، في أصحاب الصادق ـ عليه السَّلام ـ .
5 . الخلاصة:239.
(127)
1. إنّ كثيراً من هؤلاء الضِّعاف لم يكونوا مشايخ للثقات، بل كانوا أعدالهم وأقرانهم، وإنّما تُوهّمت الرواية عنهم بسبب وجود «عن» مكان «الواو» فتصحيف العاطف بحرف الجرّ، صار سبباً لأوهام كثيرة. وقد نبَّه على هذه القاعدة صاحب «منتقى الجمان» كما أوضحناه، فتُصوّر العديل أُستاذاً لهم.
2. إنّ كثيراً ممّن اتّهم بالضعف، مضعَّفون من حيث المذهب والعقيدة، لا من حيث الرواية، وهذا لا يخالف وثاقتهم وصدقهم في الحديث. وقد وقفت في كلام الشيخ على أنّ المراد من الثِّقات هم الموثوق بهم من حيث الرواية والحديث لا المذهب.
وبعبارة أُخرى: كانوا ملتزمين بالنَّقل عن الثقات، سواء كانوا إماميّين أم غيرهم.
3. إنّ منشأ بعض النقوض هو الاشتراك في الاسم بين المضعَّف وغيره، كما مرّ نظيره في عبد اللّه بن محمّد الشاميّ.
4. إنّ بعض من اتّهم بالضَّعف لم يثبت ضعفهم أوّلاً، ومعارض بتعديل الآخرين ثانياً.
وعلى ضوء ما تقدّم، نقدر على الإجابة عن كثير من النّقوض المتوجّهة إلى الضّابطة، الّتي ربّما تبلغ خمسة وأربعين نقضاً. وأغلبها مستند إلى سقم النّسخ وعدم إتقانها.
نعم من كان له إلمام بطبقات الرواة، وميّز الشيخ عن التلميذ، يقف على كثير من الاشتباهات الواردة في الأسناد الّتي لم تقابل على النسخ الصّحيحة.
فابتلاؤنا بكثير من هذه الاشتباهات وليد التقصير في دراسة الحديث، وعدم معرفتنا بأحوال الرواة، وطبقاتهم ومشايخهم وتلاميذهم، وفقدان النسخ الصّحيحة.
(128)
تمرينات
1. كيف يعرِّف النجاشي أبا نصر البزنطي؟ وكم عدد مشايخه؟
2. إذا كان البزنطي لا يروي إلاّ عن ثقة، فكيف يروي عن حسن بن علي بن أبي حمزة مع أنّه من الواقفة؟
3. اذكر خلاصة الأجوبة عن النقوض الواردة على القاعدة.
(129)
الدرس الرابع والعشرون
مشكلة مراسيل هؤلاء الثلاثة
قد عرفت أنّ الشيخ نقل إجماع الطائفة على حجّية مسانيد هؤلاء الثلاثة ومراسيلهم. ومعنى هذا انّه يحكم على المرويّ عنه بالوثاقة، سواء أثبتت وثاقته أم جهلت دونما علم ضعفه عندنا بالدليل، فلا يؤخذ به.
إلاّانّ ذلك يتم في مسانيدهم التي يذكر فيها اسم الراوي، دون المراسيل، إذ من المحتمل أن تكون الواسطة ممّن لو ذكر اسمه، لوقفنا على ضعفه، ومع هذاالاحتمال لا يمكن التمسّك بنقل الشيخ، لأنّه من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية.(1)
محاولة الشهيد الصدر لحجّية مراسيلهم
وقد أجاب الشهيد الصدر عن الإشكال; وجوابه مبني على أساس حساب الاحتمالات وحاصله: أنّ الوسيط المجهول إذا افترضنا أنّه مردّد بين جميع مشايخ ابن أبي عمير، وكان مجموع من روى عنه أربعمائة شخص، وكان ثابت الضّعف منهم بشهادة أُخرى، لا يزيدون على خمسة أو حوالي ذلك، فعندئذ يكون
1 . معجم رجال الحديث:1/80; ومشايخ الثقات:41.
(130)
احتمال كون الوسيط المحذوف، أحدَ الخمسة أو حوالي ذلك، فعندئذ يكون احتمال كون الوسيط المحذوف أحد الخمسة المضعَّفة ، وإذا افترضنا أنّ ثابت الضَّعف من الأربعمائة هم عشرة، يكون احتمال كون الوسيط المحذوف منهم ، ومثل هذا الاحتمال لا يضرّ بالاطمئنان الشخصي، وليس العقلاء ملتزمين على العمل والاتّباع، إذا صاروا مطمئّنين مائة بالمائة.
ثمّ إنّه ـ قدَّس سرَّه ـ أورد على ما أجاب به إشكالاً هذا حاصله:
إنّ هذا الجواب إنّما يتمّ إذا كانت الاحتمالات الأربعمائة في الوسيط المجهول، متساوية في قيمتها الاحتماليّة، إذ حينئذ يصحّ أن يقال احتمال كونه أحد الخمسة المضعَّفين قيمة ; وإذا فرضنا أنّ ثابت الضعف عشرة في أربعمائة، كان احتمال كون الوسيط أحدهم ، وأمّا إذا لم تكن الاحتمالات متساوية، وكانت هناك أمارة احتمالية تزيد من قيمة احتمال أن يكون الوسيط المجهول أحد الخمسة، فسوف يختلّ الحساب المذكور، ويمكن أن ندّعي وجود عامل احتمالي، يزيد من قيمة هذا الاحتمال، وهو نفس كون ابن أبي عمير يروي الرواية عن رجل أو بعض أصحابه، ونحو ذلك من التعبيرات الّتي تعرب عن كون الراوي بدرجة من عدم الاعتناء، وعدم الوثوق بالرواية، يناسب أن يكون المرويّ عنه أحد أُولئك الخمسة، وإلاّلما كان وجه لترك اسمه والتكنية عنه برجل ونحوه وعندئذ يختلّ الحساب المذكور، ويكون المظنون كون المرويّ هو أحد الخمسة، لا أحد الباقين، فتنقلب المحاسبة المذكورة.(1)
1 . مشايخ الثقات: 44ـ45.
(131)
تحليل ما ذكره من الجواب والإشكال
إنّ ما ذكره من الجواب غير واف لدفع الاشكال، وعلى فرض صحّته فما أُورد عليه غير تامّ.
أمّا الأوّل: فلأنّ العقلاء يحتاطون في الأُمور المهمّة، بأكثر من ذلك، فلا يأخذون بخبر يحتمل كذبه بنسبة فلو علم العقلاء أنّ قنبلة تصيب بناية من ثمانين بناية، لا يقدمون على السكنى في أحدها، كما أنّهم لو وقفوا على أنّ السيل سيجرف إحدى السيّارات الّتي تبلغ العدد المذكور لا يجرأون على ركوب أيّ منها، وهكذا غير ذلك من الأُمور الخطيرة.
نعم الأُمور الحقيرة الّتي لا يهتمّ العقلاء بإضرارها، ربّما يأخذون بخبر يحتمل صدقه حتّى بأقلّ من النسبة المذكورة. والشريعة الإلهيّة من الأُمور المهمّة، فلا يصحّ التساهل فيها، مثل ما يتساهل في الأُمور غير المهمّة.
ولأجل ذلك قلنا إنّ أصل الجواب غير تامّ. اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ تسويغ الشارع العمل بمطلق قول الثقة، يكشف عن أنّه اكتفى في العمل بالشريعة، بالمراتب النازلة من الاطمئنان، وإلاّ لما سوّغ العمل بقول الثقة على وجه الإطلاق، وليس قول كلّ ثقة مفيداً للدرجة العليا من الاطمئنان.
وأمّا الثاني: وهو أنّ الإشكال على فرض صحّة الجواب، غير وارد، فلأنّ النجاشي يصرّح بأنّ وجه إرساله الروايات، هو أنّ أُخته دفنت كتبه في حال استتاره، وكونه في الحبس أربع سنين، فهلكت الكتب; وقيل: بل تركتها في غرفة فسال عليها المطر فهلكت، فحدَّث من حفظه وممّا كان سلف له في أيدي الناس، فلهذا أصحابنا يسكنون إلى مراسيله.(1)
1 . رجال النجاشي:2/204 برقم 888.
(132)
وعلى هذا فقوله: «عن رجل» و ما شاكله، لأجل أنّه نسي المرويّ عنه، وإلاّ لصرّح باسمه، لا أنّه بلغ من الضعف إلى درجة يأنف عن التصريح باسمه، حتّى يستقرب بأنّه من أحد الخمسة الضعاف.
محاولة أُخرى لحجّية مراسيله
نعم هاهنا محاولة لحجيّة مراسيله لو صحّت لإطمأنّ الإنسان بأنّ الواسطة المحذوفة كانت من الثقات لا من الخمسة الضعاف.
وحاصلها: أنّ التتبّع يقضي بأنّ عدد رواياته عن الضّعاف قليل جدّاً بالنسبة إلى عدد رواياته عن الثقات; مثلاً إنّه يروي عن أبي أيّوب في ثمانية وخمسين مورداً، كما يروي عن ابن اذينة في مائة واثنين وخمسين مورداً، ويروي عن حمّاد في تسعمائة وخمسة وستّين مورداً، ويروي عن عبد الرحمن بن الحجّاج في مائة وخمسة وثلاثين مورداً، كما يروي عن معاوية بن عمّار في أربعمائة وثمانية وأربعين مورداً، إلى غير ذلك من المشايخ الّتي يقف عليها المتتبّع بالسبر في رواياته.
وفي الوقت نفسه لا يروي عن بعض الضعاف إلاّ رواية أو روايتين أو ثلاثة، وقد عرفت عدد رواياته عنهم في الكتب الأربعة .
فإذا كانت رواياته من الثِّقات أكثر بكثير من رواياته عن الضِّعاف، يطمئنّ الإنسان بأنّ الواسطة المحذوفة في المراسيل هي من الثقات، لا من الضعاف. ولعلّ هذا القدر من الاطمئنان كاف في رفع الإشكال.
نعم لمّا كانت مراسيله كثيرة مبسوطة في أبواب الفقه، فلا جرم إنّ الإنسان يذعن بأنّ بعض الوسائط المحذوفة فيها من الضعفاء.
ولكن مثل هذا العلم الإجمالي أشبه بالشبهة غير المحصورة، لا يترتب عليها
(133)
أثر، كالعلم بأنّ بعض الأخبار الصحيحة غير مطابق للواقع، ولا صادر عن المعصوم.
تمرينات
1.اذكر الإشكال المعروف في حجّية مراسيل مشايخ الثقات؟
2. بيّن محاولة الشهيد الصدر لحجّية مراسيلهم؟
3. ما هو الإشكال الذي أورده ـ قدَّس سرَّه ـ على تلك المحاولة؟
4. كيف تعالج مشكلة حجّية مراسيلهم؟
(134)
(135)
الدرس الخامس والعشرون
طرق الصدوق والشيخ
إلى أصحاب الأُصول والمصنّفات
قد سلك الصدوق ـ رضوان اللّه عليه ـ في كتاب «الفقيه» مسلكاً غير مسلك الشيخ الكليني في كتاب «الكافي»، فإنّ ثقة الإسلام جرى على طريقة السلف من ذكر جميع السند غالباً . نعم ترك أوائل السند قليلاً اعتماداً على ما ذكره من الأخبار المتقدّمة عليها، وبه حاز «الكافي» مزيّة على «الفقيه» و«التهذيب».
وأمّا الشيخ الصدوق فقد بنى في كتابه على اختصار الأسانيد، بحذف أوائل السند، والاقتصار بذكر اسم من أخذ الحديث عن أصله أو كتابه.
ولما أوجد ذلك مشكلة الإرسال في السند، بادر بوضع مشيخة في آخر الكتاب يعرف بها طريقه إلى من روى عنه فهي المرجع في اتصال أسناد كتاب الفقيه، ولكنّه ـ قدَّس سرَّه ـ ربما أخلّ بذكر الطريق إلى بعض من أخذ الحديث عن كتابه، فصار السند بذلك معلّقاً، أو ذكر سنداً ضعيفاً لا يحتجّ به، فصار ذلك سبباً للبحث في أحوال المذكورين في المشيخة من حيث المدح والقدح، وأوّل من دخل
(136)
في هذا الباب العلاّمة الحلي في «الخلاصة»، وتبعه ابن داود، ثمّ أرباب المجاميع الرجالية وشرّاح الفقيه، كالتفريشي والمجلسي الأوّل .
والحاصل انّ عمله هذا، أوجد مشكلتين:
1. ربّما ذكر اسم المؤلّف الذي أخذ الحديث عنه في ثنايا الكتاب وغفل عن أن يذكر طريقه إليه.
2. ذكر طريقاً لكنّه طريقٌ عليلٌ لا يحتجّ به.
وقد ذهب سيد مشايخنا المحقّق البروجردي إلى عدم الحاجة لتصحيح أسناد الصدوق إلى أرباب الكتب، وذلك لأنّ الكتب التي نقل عنها الصدوق في هذا الكتاب كانت مشهورة وكان الأصحاب يُعوّلون عليها ولم يكن ذكر الطريق إلى هذه الكتب إلاّ تبرعاً وتبرّكاً لإخراجها عن صورة المرسل إلى صورة المسند لاشتهار انتساب هذه الكتب إلى مؤلّفيها، وبذلك استغنى المؤلّف عن ذكر السند في بعض المواضع، أو ذكر طريقاً عليلاً.
والذي يدلّ على ذلك قوله في ديباجة الكتاب: و«جميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعوَّل وإليها المرجع، مثل كتاب حريز بن عبد اللّه السجستاني، وكتاب عبيد اللّه بن علي الحلبي وكتب علي بن مهزيار الأهوازي...».(1)
وهذه العبارة تعرب عن أنّ ذكر الطريق إلى هذه الكتب في المشيخة لم يكن عملاً لازماً، ولذلك ربما لم يذكر طريقاً إلى بعضها أو ذكر طريقاً فيه ضعف، لعدم المبالاة بصحة الطريق وعدمها.
قال المجلسي الأوّل في شرح العبارة ما هذا لفظه:من كتب مشهورة بين
1 . الفقيه:1/2ـ5.
(137)
المحدِّثين بالانتساب إلى مصنّفيها ورواتها، والظاهر انّ المراد بالشهرة، التواتر، وقوله:«وعليها المعوّل» يعني كلّها محل اعتماد للأصحاب.(1)
وبذلك أصبح البحث في طرق الصدوق إلى أصحاب الكتب أمراً غير لازم و انّما اللازم البحث عن حال مؤلّف الكتاب وطريقه إلى الإمام ويشهد على ذلك انّه ذكر طريقه إلى ما نقله عن كتاب «الكافي»، ومن المعلوم انّ نسبة الكتاب إلى مؤلّفه كالشمس في رائعة النهار، فإذا علم انّ الصدوق أخذ الحديث من الكتب المذكورة، فالبحث عن الطريق يكون أمراً غير لازم، اللّهمّ إلاّ إذا لم نجزم بذلك واحتملنا انّ الحديث وصل إليه بالطرق المذكورة في المشيخة، فيصير البحث عن صحّة الطريق أمراً لازماً.
لكن فرض البحث في الموارد التي أخذ الصدوق الحديث من الكتب المعروفة، ففي مثل هذه الموارد لا تضرّ الجهالة أو الضعف في السند إلى كتب حمّاد ابن عيسى أو صفوان بن يحيى وغيرهما ممّا ذكر في مقدمة الكتاب.
وبذلك تحّل المشكلة في كتاب «الكافي» أيضاً حيث إنّه ـ قليلاً ـ يُصدّر الحديث باسم من أخذ الحديث عن كتابه، أو يتوسط بينه و بين أصحاب الكتب مجاهيل كمحمد بن إسماعيل على فرض جهالته، أو ضعاف كسهل بن زياد.
وجه الحل انّ اشتهار الكتب صار سبباً لترك ذكر السند، أو توسط الراوي الضعيف بينه و بين صاحب الكتاب.
مسلك الشيخ في التهذيبين
قد ذكر السيد الأجل بحر العلوم مسلكه فيهما وقال: إنّه قد يذكر في
1 . روضة المتقين:1/14.
(138)
«التهذيب» و«الاستبصار» جميع السند كما في «الكافي»، وقد يقتصر على البعض بحذف الصدر كما في «الفقيه» ولكنّه استدرك المتروك في آخر الكتابين، فوضع له مشيخته المعروفة، وهي فيهما واحدة غير مختلفة، قد ذكر فيهما الطرق إلى أصحاب الأُصول والكتب ممن صدّر الحديث بذكرهم وابتدأ بأسمائهم ولم يستوف الطرق كلّها ولا ذكر الطريق إلى كلّ من روى عنه بصورة التعليق بل ترك الأكثر لقلّة روايته عنهم، وأحال التفصيل إلى فهارس الشيوخ المصنّفة في هذا الباب، وزاد في «التهذيب» الحوالة على كتاب الفهرست الذي صنّفه في هذا المعنى.
إنّ السبب لترك ذكر الطريق أو الاقتصار بالطريق الضعيف، نفس السبب الذي نوّهنا به في مورد «الفقيه» ويشهد على ذلك أمران:
1. قوله في مشيخة التهذيب: والآن حين وفق اللّه تعالى للفراغ من هذا الكتاب، نحن نذكر الطرق التي نتوصّل بها إلى رواية هذه الأُصول والمصنّفات ونذكرها على غاية ما يمكن من الاختصار، لتخرج الأخبار بذلك عن حدّ المراسيل وتلحق بباب المسندات.(1)
فإنّ العبارة تعرب عن أنّ الغاية في وضع المشيخة هو إخراج الكتب عن حدّ المراسيل والإلحاق بباب المسندات.
2. انّه ـ قدَّس سرَّه ـ ابتدأ في المشيخة بذكر الطرق إلى كتاب «الكافي» الذي انتسابه للمؤلّف أمر متواتر.
وبذلك نقف عن أنّ الغور في طرق الشيخ إلى أصحاب الكتب أمر لاطائل تحته فيما إذا نقل الحديث عن كتب معروفة، وليس على الفقيه إلاالتفتيش عن أحوال أصحاب الكتب ومشايخهم إلى أن ينتهي إلى الإمام.
1 . التهذيب:10/25 من المشيخة.
(139)
نعم إذا كانت الكتب غير معروفة يجب الفحص عن الطريق الذي اعتمد عليه الشيخ في نقل الحديث.
وبذلك يعلم أنّه لو أحطنا علماً بالكتب المعروفة في عصر الشيخ وميّزناها عن غيرها، لاستغنينا عن البحث في أسانيد الشيخ إلى أرباب الكتب المعروفة.
غير انّ كثيراًمن المشايخ سلكوا غير هذا المسلك وحاولوا تصحيح أسانيد الشيخ في التهذيبين، وهذا ما سنبحث عنه في الدرس التالي.
تمرينات
1. ما هو منهج الشيخ الكليني في نقل الحديث في كتاب «الكافي»؟
2. ما هو منهج الشيخ الصدوق في نقل الحديث في كتاب «الفقيه»؟
3. كيف نعرف طرق الصدوق إلى أصحاب الكتب؟
4. ما هو منهج الشيخ الطوسي في نقل الحديث في «التهذيبين»؟
(140)
(141)
الدرس السادس والعشرون
تصحيح أسانيد الشيخ
في التهذيب والاستبصار
قد عرفت أنّ الشيخ صدّر الحديث بأسماء من أخذ من كتبهم، وذكر طرقه إليهم في آخر الكتاب وهؤلاء ـ أعني: الذين ذكر طريقه إليهم ـ تسعة وثلاثون شيخاً. خمسة وعشرون من طرقه صحيح، والباقي غير معتبر.
وأمّا الذي ترك الشيخ ذكر سنده إليهم في خاتمة الكتابين، فربما يبلغ عددهم تسعة وعشرين شيخاً فيبلغ عدد المشايخ سبعين شيخاً، وقد أوجب هذا اضطراباً في اعتبار أحاديث الكتابين، حيث صار ذلك سبباً لعدم اعتبار أحاديث أكثر من صُدِّر الحديث بأسمائهم.
ثمّ إنّ المحقّقين من المتأخّرين حاولوا تصحيح أسانيد الشيخ بوجوه مختلفة، نذكر منها وجهين:
الأوّل: الرجوع إلى الفهارس
خلاصة هذا الوجه هو الرجوع إلى فهرست الشيخ أوّلاً، وطرق من تقدّمه عصراً ثانياً، أو عاصره ثالثاً.
(142)
أمّاالأوّل: فلأنّ للشيخ في الفهرست طرقاً إلى أرباب الكتب والأُصول الذين أهمل ذكر طريقه إليهم، فبالرجوع إلى الفهرست يعلم طريق الشيخ إلى أصحاب تلك الكتب التي لم يذكر سنده إليهم في المشيخة أو كان معلولاً بالضعف والجهالة.
وأمّا الثاني: فبالرجوع إلى مشيخة الفقيه للشيخ الصدوق، ورسالة الشيخ إلى غالب الزراري (المتوفّى عام 368هـ) إذا كان لهما سند إلى الكتب التي لم يذكر سنده إليها في التهذيب، لكن إذا وصّلنا سند الشيخ إلى هؤلاء يحصل ـ بالنتيجة ـ السند إلى أصحاب هذه الكتب.
أمّا الثالث: فبالرجوع إلى طريق النجاشي فإنّه كان معاصراً للشيخ مشاركاً له في أكثر المشايخ كالمفيد، والحسين بن عبيد اللّه الغضائري، وأحمد بن عبدون الشهير بابن الحاشر، فإذا علم رواية النجاشي للأصل والكتاب عن طريق أحد هؤلاء، كان ذلك طريقاً للشيخ أيضاً.
هذا هو الوجه الأوّل وهو الرائج بين علماء الرجال المتأخّرين.
الثاني: التعويض عن الطريق الضعيف
إنّ المتتبّع الخبير الشيخ محمد الأردبيلي(المتوفّـى عام 1101هـ) أحد تلامذة العلاّمة المجلسي قد قام بتأليف كتابين في الرجال:
أ. جامع الرواة: وهو كتاب مبتكر في موضوعه، يلتقط في ترجمة الرواة جملة من الأسانيد عن الكتب الأربعة وغيرها، ويجعلها دليلاً على التعرّف على شيوخ الراوي وتلاميذه وطبقته وعصره، وقد طبع وانتشر وكان سيّد مشايخنا المحقّق البروجردي ـ قدَّس سرَّه ـ يُثني عليه كثيراً.
(143)
ب. تصحيح الأسانيد:وهو بعد غير مطبوع، ولم نقف عليه إلى الآن، لكن ذكر المؤلّف مختصره وديباجته في آخر كتاب «جامع الرواة».(1)
وقد حاول المؤلّف في هذا الكتاب تصحيح أسانيد الشيخ في «الفهرست» و«الاستبصار» بغير الطريق المذكور وإليك نصّ كلامه:
إنّي لمّا راجعت إليهما رأيت أنّ كثيراً من الطرق المورودة فيهما معلول على المشهور، بضعف أو إرسال، أو جهالة.
وأيضاً رأيت انّ الشيخ رحمه اللّه ربما بدأ في أسانيد الروايات بأُناس لم يذكر لهم طريقاً أصلاً، لا في المشيخة ولا في «الفهرست»، فلأجل ذلك رأيت من اللازم تحصيل طرق الشيخ إلى أرباب الأُصول والكتب، غير الطرق المذكورة في المشيخة و«الفهرست»، حتى تصير تلك الروايات معتبرة.
فلمّا طال تفكّري في ذلك وتضرّعي، أُلقي في روعي أن أنظر في أسانيد روايات التهذيبين، فلمّا نظرت فيها وجدت فيها طرقاً كثيرة إليهم غير ما هو مذكور في المشيخة والفهرست، أكثرها موصوف بالصحة والاعتبار، فصنّفت هذه الرسالة وذكرت فيها جميع الشيوخ المذكورين في المشيخة والفهرست، وذيّلت ما فيهما من الطرق الضعيفة أو المجهولة بالإشارة إلى ما وجدت من الطرق الصحيحة أو المعتبرة مع تعيين موضعها، وأضفت إليهم من وجدت له طريقاً معتبراً ولم يذكر طريقه فيهما.(2)
ولزيادة التوضيح نقول: إنّه روى الشيخ في «التهذيب» روايات عن عليّ بن
1 . لاحظ: الجزء الثاني من جامع الرواة: الفائدة الرابعة من خاتمته، الصفحة 473، ونقله المامقاني في خاتمة التنقيح.
2 . لاحظ ما ذكره المؤلف في الفائدة الرابعة من خاتمة كتابه «جامع الرواة» ، الصفحة 473ـ 475. وما ذكرناه ملخّص ما أورده المحقّق البروجردي في تصديره لكتاب «جامع الرواة»:1/266.
(144)
الحسن الطاطري بدأ بذكر اسمه في أسانيده. مثلاً روى في كتاب الصّلاة هكذا:عليّ بن الحسن الطاطري قال: حدّثني عبد اللّه بن وضّاح، عن سماعة بن مهران قال: قال لي أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : « إيّاك أن تصلّي قبل أن تزول، فإنّك تصلّي في وقت العصر خير لك أن تصلّي قبل أن تزول».
وقال في المشيخة: وما ذكرته عن عليّ بن الحسن الطاطري فقد أخبرني به أحمد بن عبدون، عن عليّ بن محمّد بن الزبير، عن أبي الملك أحمد بن عمر بن كيسبة، عن عليّ بن الحسن الطاطري.
وهذا الطريق ضعيف بجهالة اثنين منهم: ابن الزبير وابن كيسبة، ومقتضاه عدم اعتبار تلك الروايات الّتي يبلغ عددها إلى ثلاثين حديثاً في «التهذيب».
وأمّا المحاولة، فهي أنّا إذا رأينا أنّ الشيخ روى في باب الطّواف أربع روايات بهذا السند: موسى بن القاسم، عن علي بن الحسن الطاطري، عن درست بن أبي منصور، عن ابن مسكان، ثمّ وقفنا على أمرين:
1. إنّ موسى بن القاسم ـ أعني: من صدّر به السند ـ ثقة.
2. طريق الشّيخ إليه صحيح، فعند ذلك يحصل للشّيخ طريق صحيح إلى الطّاطري، لكن لا عن طريقه إليه في المشيخة ولا في الفهرست، بل عن طريقه في المشيخة إلى موسى بن القاسم.
ولأجل ذلك يقول الأردبيلي في مختصر تصحيح الأسانيد: وإلى علي بن الحسن الطاطري، فيه عليّ بن محمّد بن الزبير في المشيخة والفهرست، وإلى الطّاطري صحيح في التّهذيب في باب الطواف.
وهذا يعطي أنّ موسى بن القاسم ليس راوياً لهذه الروايات الأربع فقط، بل راو لجميع كتاب الطاطري عنه، فيعلم من ذلك أنّ الشيخ روى كتاب الطاطري
(145)
تارة بسند ضعيف، وأُخرى بسند معتبر، وبذلك يحكم بصحّة كلّ حديث بدأ الشيخ في سنده بالطاطري.
وقس على ذلك سائر الطرق الّتي للشيخ في الكتابين إلى المشايخ الّذين لم يذكر سنده إليهم في المشيخة ولا في الفهرست، أو ذكر لكنّه ضعيف عليل، وبهذا التتبّع يحصل له طرق صحيحة أنهاها صاحب الكتاب إلى خمسين وثمانمائة طريق تقريباً، وعدد المعتبر منها قريب من خمسمائة طريق.
هذه خلاصة المحاولة وقد نقده المحقّق البروجردي بما يلي:
نقد السيد البروجردي
إذا روى موسى بن القاسم عن عليّ بن الحسن الطاطري، عن درست بن أبي منصور، عن ابن مسكان، فهو يحتمل من جهة النقل من كتب المشايخ وجوهاً:
1. يحتمل أنّ موسى بن القاسم أخذ الحديث عن كتاب الطاطري، وحينئذ روى موسى هذا الحديث وجميع كتاب الطاطري، وبذلك يحصل للشيخ طريق صحيح إلى كتاب الطاطري، وهذا هو الذي يتوخّاه المتتبّع الأردبيلي.
2. يحتمل أنّ موسى بن القاسم أخذ الحديث عن كتاب درست بن أبي منصور وروى هذا الكتاب عنه بواسطة الطاطري.
3. يحتمل أنّ موسى أخذ الحديث عن كتاب ابن مسكان، وروى هذا الكتاب عنه بواسطة شخصين: الطاطري، ودرست بن أبي منصور.
وعلى الاحتمالين الأخيرين، يحصل للشيخ الطوسي طريق صحيح إلى كتاب درست بن أبي منصور، وكتاب ابن مسكان ولا يحصل طريق صحيح إلى نفس
(146)
كتاب الطاطري الّذي هو الغاية المتوخّاة.
والحاصل: أنّه إذا كان طريق التهذيب إلى أحد المشايخ الّذين صدّر الحديث بأسمائهم وأخذ الحديث من كتبهم، ضعيفاً، فلا يمكن إصلاحه بما إذا وقع ذلك الشيخ في أثناء السند، وكان طريقه إليه طريقاً صحيحاً، لأنّ توسط الشيخ (الطاطري) في ثنايا السند لا يدلّ على أخذ الحديث عن كتابه، بل من الممكن كون الحديث مأخوذاً عن كتاب شيخه، أعني: درست بن أبي منصور; أو شيخ شيخه، أعني: ابن مسكان.
وهذا الاحتمال قائم في جميع ما استنبطه في أسانيد التهذيبين.
تمرينات
1.إذا كان طريق الشيخ في المشيخة إلى أصحاب الكتب ضعيفاً أو غير مذكور، فهل يمكن تصحيح السند بالرجوع إلى الفهارس؟
2. ما هو المراد من التعويض عن الطريق الضعيف الذي اقترحها الشيخ محمد الأردبيلي في تصحيح سند الشيخ إلى أصحاب الكتب؟
3. اذكر نقد السيد المحقّق البروجردي لهذه المحاولة؟